المجتمع العماني: بين الجماعة والفرد

في المجتمعات الجماعية يكون الفرد انعكاس للجماعة، هويته جزء لا يتجزأ من هوية الجماعة التي ينتمي إليها، سواء كانت هذا الجماعة هي العائلة، القبيلة، المؤسسة الحكومية، الشركة، الدولة، الأمة العربية، الأمة الإسلامية… إلخ. فالابن يتفوق

في كتابه Concepts of Intercultural Communication يشير “ميلتون بينيت” إلى أن للثقافة معنيين مختلفين تماما. فالمعنى الأول Culture بحرف الـC الكبير يشير إلى الفن والأدب والمسرح والموسيقى، أو ما أسماها عدد من الأكاديميين بالثقافة “الموضوعية”، بيد أن هناك ثقافة أخرى “غير موضوعية” يشير إليها الكاتب بحرف الـc الصغير لتدل على الخصائص السيكولوجية التي تميز مجتمع عن آخر، ليس بما أنتجه، وإنما بسلوكياته اليومية وطرق تفكيره، ولنعرف هذا النوع من الثقافة فهو ببساطة الأنماط السلوكية والتفكيرية والمبادئ التي يشترك فيها أفراد هذا المجتمع، أو كما عرفها الدكتور مروان دويري فهي “الإطارُ الذهنيُّ والنفسيُّ الذي يدرِكُ من خلالِه الناسُ محيطـَهم وثم يسلكون وفقا لهذا الإدراكِ ليؤثروا في هذا المحيط”.

. وتأتي هذه الثقافة على مستويين أساسيين: المستوى الاجتماعي Collectivism والمستوى الفردي Individualism.  والمجتمعات العربية بشكل عام مجتمعات جماعية سلطوية authoritarian collective societies مقارنة بالمجتمعات الغربية التي تميل إلى الليبرالية liberal individualistic societies.

ما الفرق؟

في المجتمعات الجماعية يكون الفرد انعكاس للجماعة، هويته جزء لا يتجزأ من هوية الجماعة التي ينتمي إليها، سواء كانت هذا الجماعة هي العائلة، القبيلة، المؤسسة الحكومية، الشركة، الدولة، الأمة العربية، الأمة الإسلامية… إلخ. فالابن يتفوق دراسيا ليرتفع اسم عائلته وليفتخر به والده أمام بقية أعضاء القبيلة، التي بدورها تفاخر به أمام بقية القبائل، والموظف المثابر يجتهد في عمله لكي تكون مؤسسته أو شركته هي الأفضل في السوق. نجد هذه الهوية أيضا في الترحال إذ يلتصق الفرد بمن هم أقرب له من ناحية الهوية، فعلى سبيل المثال، أنا من صحار، وعندما أذهب إلى مسقط أجد نفسي ميالا لأهل صحار لأنهم يمثلوني ولأنني أمثلهم. إذا ذهبت إلى الإمارات ورأيت عمانيا أبادر بإلقاء السلام وسؤاله عن “العلوم”. إن كنت في مصر ورأيت سعوديا ألتصق به وأعزمه على وجبة الخليجيين المفضلة “الكبسة”. ولأني في الولايات المتحدة الآن فأصدقائي عرب ومسلمين. ولو نظرنا إلى هذا المفهوم من منظور رياضي لرأيت الصحاري يشجع نادي السويق لأنه من الباطنة، والعماني يشجع نادي الهلال السعودي في دوري أبطال العرب لأنه خليجي، ونشجع منتخب الأردن في مباراته أمام الصين لأنه عربي.

أما المجتمعات الفردية كأمريكا ودول أوروبا فتعطي الحرية للفرد لتقرير مستقبله والوصول إلى التقدير الذاتي self-actualization وهي أعلى قمة في هرم ماسلو الشهير، ولا غرابة في أن يظهر من هذه الفلسفة نظام اقتصادي كالرأسمالية يدعم المشاريع الفردية بغض النظر عن أي مبادئ أو أخلاقيات مرتبطة بهوية الجماعة.

رغم الفرق الشاسع بين المستويين إلا أنه من الصعب بمكان النظر إلى مجتمعٍ بذاته والقول بجماعيته أو فردانيته، فوسائل الاتصال أثرت تأثيرا كبيرا على عقليات الأفراد مما أدى إلى تغيير كبير في السلوكيات، فالشعب العربي ليس كله جماعي، وليس الشعب الأمريكي فرداني بمجمله. لننظر إلى الصورة أدناه على سبيل المثال، فاليابان من أكثر الشعوب المحافظة على هويتها الثقافية والمتمسكة بالفلسفة الجماعية، والصورة توضح أغلبية يابانية مائلة إلى الجماعية، وفي المقابل أغلبية أمريكية مائلة إلى الفردانية، إلا أن في كل طرف أقلية تميل إلى الفلسفة المقابلة deviants، ومع الازدياد في حجم هذه الأٌقلية تتغير التركيبة الاجتماعية، فلا يمكن عندها وصف المجتمع بأنه جماعي أو فردي، مما يفقده هويته الاجتماعية بما يترتب عليه من تغيرات ثقافية وسياسية ودينية على مستوى الفردوالمؤسسة.

في عمان..

المجتمع العماني يميل إلى الجماعية، والفكري القبلي – رغم تأثير العولمة – لا يزال مسيطرا، فلا غرابة من أن يتم تفضيل شخص على آخر فقط لأنه من القبيلة الفلانية مما يؤدي إلى الكثير من السلوكيات الخاطئة كالواسطة والمحسوبية وغيرها. كما يتم البت في الكثير من القضايا بناء على قيم جماعية كتحريم الخمور (بناء على التعاليم الإسلامية) أو وضع الكثير من القيود فيما يتعلق بالحصول على الجنسية العمانية والزواج من الخارج (لحماية التركيبة السكانية العمانية) وغيرها من القرارات التي تأتي لترسيخ الهوية العمانية أو العربية أو الإسلامية. أما على صعيد الوعي الفردي فهو انعكاس للهوية الجماعية فمصطلح “المواطَنة” هو تفسير لمعظم الممارسات الخدمية، فلا عجب من أن يكون شعار “نعم للحد من حوادث المرور” ناتجٌ من مفهوم المواطنة على اعتبار أن السلطان أشار لظاهرة الحوادث، وبالتالي فأي جهد يستثمر في الحد من هذه الظاهرة هو مواطَنة، فالسائق الملتزم أكثر مواطَنةً من السائق المتهور. كذلك هو الحال في المبادرات الفردية خارج السلطنة والتي تأتي دائما على أنها “تمثيل” للسلطنة ولو لم يكن هذا الشخص مبتعثا رسميا من الدولة، فلو قلنا أن جمعية هواة العود “تمثل” السلطنة في مهرجان العود بالقاهرة فهذا أمر طبيعي على اعتبار أن الجمعية تابعة لمؤسسة حكومية، ولكن عندما يقوم شخص مثل خالد السيابي بتسلق جبل إفيريست فهو وإن قام بهذا من منطلق فردي إلا أن الإنجاز يحسب للسلطنة، وعندما أراد حافظ المحروقي قيادة دراجته الهوائية إلى الكويت كان من ضمن مخططاته توزيع أعلام وهدايا عمانية في كل مدينة ودولة خليجية يزورها. مرة أخرى يتجلى انعكاس الهوية الجماعية في سلوك ووعي الفرد.

إلا أنه في الآونة الأخيرة ظهرت الكثير من التنازلات concessions في سبيل الوصول إلى أهداف فردية، والفردية هنا ليس بالضرورة أن تتمثل في شخص وإنما في عنصرٍ أصغر من جماعة أكبر، فعلى سبيل المثال نرى التضحية بالهوية الدينية في سبيل إعلاء اسم الدولة، كالسماح بالخمور في المنتجعات السياحية لجلب الاستثمارات، أو التخلي عن بعض التقاليد المترسخة في مجتمعٍ ذكوري مثل عمان فنرى عرضا نسائيا عسكريا بحتا بكل ما يحمل من رمزية تدل على المساواة بين الجنسين.

أما على مستوى الأفراد فالوضع أصبح أخطر، ففي كثيرِ من الحالات اختفت الهوية واختفى الانتماء وبات الهاجس الأكبر هو تحقيق النجاح الفردي، فصاحب المزرعة يبيعها لمليونير خليجي طلبا للمكسب بدون التفكر في أن أرضاً عمانية لم تعد عمانية، ورب العمل يجلب العمالة الآسيوية الرخيصة غير آبهٍ بسياسات وضوابط التعمين، بل وصل الأمر إلى الهجرة من البلد بحثا عن السر المقدس الذي لم يعد موجودا على أرض الوطن.

القضية الأخطر هي المتاجرة باسم الوطن، أو باستخدام المصطلح الاجتماعي، استغلال الهوية الجماعية للوصول إلى النجاح الفردي، كمن ينادي بمشاريع وطنية في سبيل الحصول على دعم مادي أو تكوين علاقات تتيح له الوصول لأهداف أعلى، أو كصانعي القرار الذين يتسابقون لأخذ نصيبهم من الكعكة المسماة “العيد الوطني” فيوقعون على مناقصات احتفالية تفوز بها شركة هذا أو مصنع ذاك.

لا يزال المجتمع العماني محافظا على جماعيته رغم المشاريع الفردية الكثيرة التي ظهرت في الآونة الأخيرة والتي أثبتت وجودها خاصة في مجال الأعمال، إلا أن الخوف كل الخوف في أن ينسلخ العماني من هويته الجماعية في ضوء هذه المتغيرات التي وإن أدت إلى انتعاش اقتصادي حالي فقد يكون لها أبعاد اجتماعية سلبية تضع الهوية الفردية هدفا أسمى من كل المبادئ والقيم التي تربينا عليها.

العدد العشرين ثقافة وفكر

عن الكاتب

بدر الجهوري

كاتب ومترجم عماني

اترك تعليقاً