ناصر بن جاعد (2) … الألواح المقدسة

لـ

“إذا لم يتبين الغرض المطلوب بمقدمات في أول الإيضاح عسر فهم ما يأتي بعده من النظم ولو أطال البيان” ناصر بن جاعد.

يعتبر كتاب “إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك” أول كتاب مطبوع من مؤلفات ناصر بن جاعد التي يذهب البعض إلى أنها كثيرة بالعشرات، وهي عديدة الفروع، كثيرة المجالات، منها مصنفات في الطب والأصول والتاريخ والكلام و غيرها من الاختصاصات.

إن كتاب “إيضاح نظم السلوك” ليس كتاب ممارسة سلوكية، ولا هو كراسة أوراد صوفية، بل الكتاب أعمق مغزى، وأدق معنى، إنه ينتمي إلى ما يسميه الجابري “مجال الفكر العلمي”، إنه كتاب في “المنهج”، كتاب في “الفلسفة”، كتاب يحفر في أعماق النظرية السلوكية وما جاورها من علوم وارتبط بها من فهوم، إنه كتاب السحاب الذي اجتمعت على سبكه قرائح أكبر مرجعيتين صوفيتين سنيّة وإباضية، إنه الكتاب الذي يعدّه خصوم العقل أحجية مدنسة، بينما يعتبره أنصار العقل ألواحاً مقدسة.

إن هذا الكتاب بما حواه من آراء سلوكية غير مسبوقة يمثل علامة فارقة بين مرحلتين من مراحل التصنيف المنهجي في علم السلوك، فهذا الكتاب ليس كتاب اجترار ولا هو سِفر استمرار، بل هو كتاب قطيعة وميعاد، وكتاب تدشين مرحلة وميلاد، فهو يجبّ ما قبله من مؤلفات قائمة على التصوف الهرمسي الذي سنعرج عليه في حلقة قادمة، ويدشن مرحلة جديدة تُفلسف التصوف وتُصوف التفلسف، مرحلة يتصالح فيها البرهان مع العرفان، وينتصر فيها ناصر بن جاعد للأنسنة والوجدان.

والكتاب مع ذلك يكشف أحد تجليات التسامح العماني الأزلي، الذي يظن البعض أنه تسامح حادث ومرتبط بنظام، وقيام دولة وظهور سلطان، ففي هذا الكتاب يتجه أكبر مرجعية عمانية إباضية إلى شرح كتاب لأكبر مرجعية سنية متصوفة، ومثل هذا التسامح عزّ نظيره في تاريخ الأمة، هذا إن وجد!.

بل نجد أنه حين عمد بعض الدارسين إلى إظهار كتب مخالفيهم لم يبرزوا فيها إلا ما يستحق النقد والهجاء، وما كتاب” الكشاف” للزمخشري المعتزلي والمتابعات البوليسية المنطلقة من وهم الفرقة الناجية ضد آراءه على المنصفين بخافية.

في المقابل تعامل ناصر بن جاعد مع مخالفه لا باعتباره حبيباً، ومن نفسه قريبا، بل وقفز كما يقول نيتشة “دون مظلة” حين جعل قصيدة ابن الفارض (معجزة لجميع خلق الله تعالى ما خلى النبي، ولكنه لا يتكلم إلا بالشعر، فلو أجمعت الثقلان أن يأتوا بمثله في قوة النظم في هذا العلم لعجزوا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا … ولو قيل لا كلام في النظم بعد كلام الله تعالى إلا نظم هذا الناظم في هذه المنظومة لكان قولا حقا).

يا ترى كم من سجال سيثيره هذا الرأي الذي بلغ من الجرأة منتهاها لا بين سدنة الأرثذوكسية التي ينتمي إليها ناصر بن جاعد فحسب بل وبين جميع حراس هياكل كهنوت الأمة من أقصاها إلى أقصاها؟

لقد أعاد ظهور كتاب “إيضاح نظم السلوك” ترتيب أوراقنا الفكرية بالنسبة للأطوار المعرفية التي مر بها ناصر بن جاعد، حيث يذكر المفكر خميس العدوي في بحث له بعنوان (العرفان عند ناصر بن أبي نبهان) أن ناصر بن جاعد قد تدرج في أربعة أطوار. الأول هو الطور الرستاقي التراثي. الثاني: هو الطور النزواني العرفاني. الثالث هو الطور المسقطي التجريبي. أما الرابع فهو طور النضج العلمي في بلد المهجر زنجبار.

بيد أن متن كتاب إيضاح نظم السلوك يكشف بجلاء أن تأليفه كان في مرحلة متأخرة جدا من عمر ناصر بن جاعد، وبعد تأليفه لكتاب الإخلاص الذي اعتبره العدوي أهم مميزات الطور المسقطي، فناصر بن جاعد يحيل في أكثر من موضع إلى كتاب الإخلاص الذي ينتظر بدوره الظهور والخلاص، وهذا أمر مفهوم حيث الاتجاه إلى الفلسفة والتصوف يستلزم كثيرا من التجربة والحكمة، وهو أمر لا يتأتي في البدايات ولكنه يتحصل في النهايات، وهو ما تم في هذا الكتاب الذي سنشرع في دراسته ابتداء من الحلقة القادمة المخصصة لدراسة تفكيك ناصر بن جاعد لإيديولوجيا صدام الحضارات.

ملاحظة: ينشر بالتزامن مع ملحق شرفات الثقافي بجريدة عمان.

0 2256 28 فبراير, 2012 العدد الثاني والعشرون, ثقافة وفكر فبراير 28, 2012

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.