ستائر منسدلة

لـ

اسم الكتاب :

 ستائر منسدلة

اسم الكاتب :

حنان المنذرية

مقتطفات

من قصة : مؤلم حد الضحك

البارحة، طردت من عملي ولم أقترف ذنباً زيادة على ذنوب زميلاتي اللواتي بقين على رأس العمل، والسبب الذي طردت من أجله سيثير حتماً رغبتك في الضحك، وستنفجرين كقنبلة ضحك في وجهي الذي سيسقط من شدة الخجل، أتصدقين؟! لو أن هذه التي طردت كانت واحدةً غيري لضحكتُ بكاءً من أجلها، فقد تبدو الذنوب مضحكةً جداً عندما يحمل تبعاتها الآخرون، هل أحكي؟ أتصدقين؟! أرغب الأن بشدة في أن أبكي ضحكاً في وجهك، فالبارحة طردت لأني اقترفت ذنباً سيضحكك كما أضحك أولئك اللواتي لم يطردن مثلي.

بالأمس، وفي تمام السابعة والنصف صباحاً خرجت من بيتي متجهة – كما تعلمين – إلى مصنع الملابس لأمارس عملي المعتاد في قص الخيوط من بناطيل الجينز، عملت وزميلاتي بجهدٍ وإتقان إلى أن أنهت كل واحدةٍ فينا قص خيوط ثلاثمائة بنطال وهو العدد المحدد لكل عامله .. كان الحر شديداً داخل القسم بالمصنع وكانت المروحة معطلة ورائحة الأجساد المتعرقة تنتشر في المكان فتبعث فينا الرغبة في النوم .. لأنه لا شيء كالنوم يا صديقة يغريك باختصار العمر الذي تخسرينه بين جنبات الأماكن البائسة!.

من قصة : حب

وعندما أغرقتنا الأحلام تدثرنا بالوهم، جرينا نحو البحر تسبقنا أنفاسنا والضحكات وجنون اللحظة… حين عُدنا كانت السماء قد أجابت خديجة!

شاب عريض المنكبين سامق الطول أسمر، اجترأ على مدينتي الصغيرة فأخذ منتشياً يدُّكُ قلعتي وقد أتت قدماه على كل الحصون!! وحين لم أستطع الكلام من فرط الغيظ، وحين خانتني قدماي عن التقدم خطوة إلى حيث وقف الشاب يعيث إفساداً بما صنعت، زأرت خديجة كأسد جريح:

– ماذا تراك تفعل؟!

أردفت والشرر يتطاير من عينيها النجلاوين:

– الويل لك!! لقد دمرت ما اجتهدت صديقتي في بنائه ساعتين!.

ارتبك، أسرف في الاعتذار لنا، أسرع في جمع أكوام الرمل والطين, جثت صديقتي على ركبتيها تساعده، التقت أعينهما عدة مرات … وبدا أنهما قد توحدا ووقعا في الغرام!.

من قصة: تراب أوزل

تحدرت دمعه حارقة من عيني العالِم نوفل وقال وهو يتحسس عنقه في امتعاض:

– ما أفدتني بشيء!

قالت البلورة:

– بلى يا سيدي, لا تخف على نفسك, هيهات لذاك الغبي بأن يظفر بك أو أن يكون سبباً في إهراق دمك, اقترب مني واستمع إليَّ, اذهب للملك وقُل له بأني سوف أعقد صفقة فيما بينه وما بين أصحاب الألفية الرابعة, شريطة أن يوافق الملك على إعطائهم شيئاً يسيراً من آثار المملكة مقابل أن ينقلوا أوزل إلى كوكبٍ آخر تتحقق على سطحهِ أحلامهم … ثم دع الباقي عَلي فأنا لن أخذلك!

من قصة: ماء

أطرَقت وأردفت بحزن:

– لا تدوم النعم طويلًا يا أختي فلقد حدث ما لم يكن بالحسبان..

رفعت رأسها ثانية وأسترسلت بانفعال:

– حين قررت اللعينة زوجته بأن تودي بحياته!

سألتها بدهشة:

– وكيف ذلك؟

ردت:

– دست له السم في الدسم فمات في فجر يوم كئيب بعد أن صلى صلاة الفجر وبعدما تناول وجبة إفطاره الأخيرة!

صراخ الأسمنت

ارتجفت أوصالها, شعرت بأنها لم تعد تعي حقيقة حاجتها ولم أختارت أن تقصد هذا المكان!!, وجدت نفسها تنتفض كملدوغه من على كرسيّها لترمق المديرة والرجل في حدة مباغته جمدت عينيه الشرهتين على مرأى من غضبها, شهقت كمن صبت على رأسه مياه باردة, لم تفهم الأحاسيس التي باغتتها, لكن ثمة نظرة مختلفة وجارحة لذاك الرجل صعقت كرامتها بحدة, هرولت سريعاً خارج المكتب غير ملتفته لرجاءات المديرة التي تصاعدت مع اعتذارات الرجل, أسرعت تطوي الدرج وتقطعه بأنفاس لاهثة وعيون محتقنة بالدمع, كل شيء عاد ليخزها ويصفعها بقسوة, الجدران, وأشجار الزينة الموضوعة في الممرات المنقوشة والسُلّم و وجهها المخضب بالخزي والألم, تعثرت بذيل ثوبها الطويل, رفعت طرف الثوب بيد ومسحت بالأخرى الدمع الذي انزلق ليتخذ مسارات متفرقة على خدها, سال الكحل مع الدمع فغامت العدسات وبهت لونها, طوت عتبات الدرج كلص جرت الشرطة والناس في أعقابه, أخيرًا وصلت إلى الطابق الأرضي بأنفاس لآهثه لتفاجئ بالمصعد يفتح أمامها ويبرز منه الرجل نفسه.

غرباء بدماء ملكية

هذه المرة, كان متجراً لبيع العيون, العيون النجلاء واللوزية, الحوراء والوسنانة ألصقت على واجهة المتجر لجذب الزبائن, بعض العيون وشت بذكاء صاحبها الأصلي وبعضها ظل يبرق بغموض, عرضت هناك عيون مختلفة لعشاق وفنانين ورسامين ودبلوماسيين وملكات جمال سابقات, كان بعضها صافياً وبعضها الآخر يمتلئ بالضباب, دخلا إلى المتجر بفضولٍ كبير, استقبلتهما البائعة البدينة بترحاب وابتسامة واسعة, كان لها عينان جميلتان بلونين مختلفين, سأل الأخ البائعة باستغراب:

– لم لمقلتي عينيكِ لونان مختلفان؟.

أجابت على الفور:

– إنها الموضة لهذا العام يا سيدي!!.

فكر قليلاً وعيناه تبحلقان في وجه المرأة، فلم ترق له فكرة أختلاف الألوان في عينيّ الوجه الواحد, طلبت الأخت من البائعة أن تدلها على أجمل عينين متوافرتين في المتجر، فأرتها عيني ملكة جمال الكون المتوفاة قبل يومين, وعيني ملكة جمال الكون المتوفاة قبل عدة عقود… العيون الأربع درر وسنانة بلون السماء حين يثقلها المطر, قالت البائعة:

– سعر عيني ملكة جمال الكون المتوفاة قبل يومين أقل بكثير من سعر عيني ملكة الجمال المتوفاة في القرن الرابع والثلاثين؛ نظراً لعمرهما المتقادم.

ردت الأخت بكبرياء وحِدة، جعلت بدن البائعة يضطرب:

– فليكن.. أرغب بعينين تحملان صبغةً تاريخية!

فجر مختلف

مباشرةً أعلى النافذة في الجدار المقابل للباب ثبّت صرصور داكن اللون سيقانه المشعرة على الجدار ووجه ناظريه مباشرةً إلى الباب متخذًا وضعية حارس أنيطت به مهمة مراقبة الخارجين والداخلين من وإلى دورة المياه.

على الفوطة التي نسيتها لطيفة في دورة المياه بعد حمام البارحة, اعتزل صرصور بقية المجموعة وأخذ يضع بيضه على ظهر الفوطة, وبالقرب من المغطس استرخى صرصور معتلياً ظهر صرصور ساكن.

قريبًا من الدموع

لم أعقّب, واصلت المشي صامتة… كانت جريئة حدّ الدهشة, صريحة حدّ الوجع… ها هي تستحثني الآن دون أن تدري, أو ربما تدري لأنزف دمعي الذي وفرته لما هو أجدى وأمر!.

كنا قد وصلنا إلى عتبة باب بيتي, هناك ودعتني بحرارة بعد أن أوصتني بأن أبذل قصارى جهدي لأبدو جميلة وجذابة في المعهد, شيعتها بعينيّ حتى دخلت إلى بيتها الملاصق لبيتي وأغلقت خلفها الباب, حين رنوت حولي تبدّت لي  القرية أكثر وحشة ببيوتها المتهالكة التي هجرها نصف أصحابها وسكنوا منازل حديثة في المدن والضواحي, فكان أن أقفرت القرية من الصديقات إلا من ندى… يا إلهي!! كم أحبها!!… لطالما كان وجودها بقربي كفيلًا لأن يقلب موازين كل شيءٍ في داخلي وأن يرسم على ثغري ابتسامةً آملة , لكم أدهشتني هذه المرأة بتناقضاتها حيال شتى الأمور, أفكارها, أحوالها, قراراتها, صداقاتها وإصرارها العجيب في أن تبقى بلا رجل على الرغم من كثرة الطارقين على باب قلبها الخاوي.

شيطان في القرية

في تلك اللحظة ماج الناس في خليط من أحاسيس متنافرة .. فالخوف جثم على القلوب كما سكن الإيمان, والشراسة المعروفة في طبع الأهالي غرقت في الجبن.. هناك, وبأنسيابٍ خفي مرق كنسمة, خالجت رعشة باردة جسد الوالد, صوب نظرة منكسرة متوسلة إلى الكاهن الذي أطرق رأسه مترقبا .. وبانسياب خفي آخر, تحجرت عينا الأم لبرهة ثم انتفض جسدها بقوة خارقة سرت في أوصالها فجأة!


0 1268 29 فبراير, 2012 العدد الثالث والعشرون, فصول أولى فبراير 29, 2012

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.