رأسي مستعار

لـ

اسم الكتاب :

 رأسي مستعر

اسم الكاتب :

إيمان فضل

فهرس الكتاب:

القصة:

الصفحة

الوظيفة: المهندس

7

بلا ملامح

13

رأسي مُسْتَعار

19

الهلال

23

منبع الشمع

25

الثابت الوحيد

29

إن شاء اﻟﻠﻪ

37

رائحة المطر

43

فتات الأمل

49

الخامس والعشرون من كانون الثاني

53

قصقصة تدوين ( 1) / توجعني خيوط الشمس

55

قصقصة تدوين ( 2) / رجل من زمن الحكايات

57

مقتطفات

الوظيفة: مهندس …

(1)

بخرتني أمي ببخور رخيص اشتريته من طفل كان نائماً عند محطة الوقود، أخذت أمي ترتل المعوذات وأدعية عديدة قبل أن ألفتها بأني سأتأخر على التاكسي الذي سيوصلني للمقابلة “الله ينصرك، الله ويوفقك، الله يرزقك الوظيفة اللي ترفع الرأس..”

نعم الوظيفة اللي ترفع الرأس،  خرجت من البلد مع آذان الفجر، صلينا مع سائق االتآكسي وإنثنين بمسجد مهجور في الطريق، دعوات أمي كانت مهمة لي “الوظيفة اللي تفرع الرأس” هذا ما أبحث عنه، راجعت أوراقي ومؤهلاتي مع خيوط الشمس الأولى..

بكلوريوس هندسة إلكترونيات بدرجة امتياز، تدريب 6 أشهر في شركة “و”، ومجموعة شهادات تقدير من الكلية وشركة “و” التي تدربت فيها قبل أن أتركها منذ ثلاثة أشهر تقريباً!

وصلت لشركة “و.ن” مبكرا ،ًانتظرت في الاستقبال إلى أن صاح بي أحدهم “مدير الموارد البشرية ينتظرك..”

دخلت وأنا أشعر بصدى صوت أمي يرافقني ..

(2)

 تدربت في شركة “و” لمدة 6 أشهر، وعملت بالمثل القائل “قد يوظفوك بعد التدريب لا تتعجل”، هم لم يكلفوا أنفسهم بدفع مبلغ 10 ريال التي كنت أستلفها من ابن جارنا لإيجار الشقة التي أتشاركها مع وافد! 10 ريال في 6 أشهر تساوي 60 ريال دين على رقبتي، لم أخبر بها أهلي، ناهيكم عن المصايف الأخرى للتاكسي والطعام وغيره! ولن أتذمر وأقول أني كنت أعمل للساعة السابعة ونصف مساءاً كل ليلة وأنجز ما لا ينجزه أصغر موظف لديهم، حسناً ستقولون بي حماس الباحثين عن عمل، وستقولون بي حماس الخرجين لكن شهادات التقدير تحكي ما لا أحكيه عن حالي!

توقفت عن التدريب حين سألت موظفاً في الموارد البشرية عن موعد توظيفي فأخبرني بأني لست من المرشحين للتوظيف لأن مدير القسم ينتظر تخرج ابن أخته الشهر القادم والوظيفة محجوزة له!

(3)

تفتت أحلامي كقطعة بسكويت بيد طفل! لم تسود الدنيا في وجهي فقط كما يقول البعض لكن حتى رفيق الغرفة كان باكياً شاكياً بلغة التي لم أفهم نصفها، حاولت أن أعرف منه ما حدث معه وبصعوبة فهمت أن أمه في المستشفى وأنه يريد العودة لبلده، ولأنه “هارب” فعملية عودته صعبة حالياً، جلست معه لأول مرة منذ 6 أشهر يشكي فأسمعه أشكو فيسمعني..

لم يمض يومان حتى حللت مشكلة الرفيق وحزم ماله ليعود لبلاده، وما كان منه وهو يودعني سوى أن يترك لي عدة العمل الخاصة به وهو يقول.. “هذا مشان أنت، أنت نفر واجد زين، روح شركة وسوي شغل سالري واجد زين” ومد لي بطاقة بها اسم مدير الموارد البشرية في شركة “و.ن”..

لم تكن عدة العمل التي تركها لي رفيق سوى “دلو وخرفة بالية ومساحة زجاج”، ظننته أن يعمل على غسل نوفد الشركة، إلا أن اتصالي في الصباح بمكتب مدير الموارد البشرية أكد لي أن الرفيق يغسل سيارات موظفي الشركة! وأكد لي منسق المدير إن الشركة ستكون سعيدة بعملي مكانه بشرط المحافظة على السعر 5 ريالات لكل سيارة في الشهر بواقع 150 سيارة، إضافة إلى ريال لمن يطلب مني تنظيف سيارته من الزوار وسأحصل على وجبة مجانية من الكفتيريا يتكفل العامل هناك بإحضارها لي..

“سأفكر ..” وأغلقت السماعة..

(4)

 خمس ريالات لمائة وخمسين سيارة توفر لي حوالي 750 ريال كل شهر! فلِـمَ لا أوافق!

حرصت على تلطيخ وجهي بتراب ونفش شعري كي لا يَتعَّرف علي أحد، أخذت الماء من مسجد مجاور وبدأت العمل، كنت أغسل كل السيارة مرتين كل أسبوع، كان العمل شاقاً في البداية إلى أن اعتدت عليه، هناك أكثر من 150 سيارة لكن البعض يرفض أن أقوم بغسل سيارته ويطلب مني غسلها في أوقات متفرقة من الشهر، أصحبت أغسل ما يقارب 3 سيارات لزوار كل يوم أي ما يقارب 60 ريالاً إضافياً كل شهر..

راتب 800 ريال كل شهر هو أكثر مما حلمت به، لكن أمي لم تكن بذات سعادتي حين شرحت لها “طبيعة عملي” كمهندس غسيل سيارات..

إلا أني وجدتها فرصة للتقرب من مدير الموارد البشرية، الذي كنت أحرص على غسل سياراته يومياً، وكنت أبالغ في غسلها مرتين في الأيام التي أسأله فيها عن صحته والعمل والعلوم.. من هذه العلوم شكوت له بحثي عن عمل لعامين ونصف فوعدني خيراً بعد أن سلمته في اليوم التالي أوراقي … ووصلني اتصال من منسقه لمقابلة شخصية للعمل في الشركة..

(6)

 -السلام عليكم..

-وعليكم السلام، هذا عقد العمل أنا خلاص وقعته بطلع الآن خلي سالم يكمل معك الإجراءات..

كان سالم الموظف المهندم يرتب بعض الأوراق على مكتب مديره، ابتسم حين رأى الدهشة تقطر من وجهي، فقد جئت لمقابلة ولم أتوقع أن أجد عقد العمل جاهزاً!

-مبارك عليك الوظيفة أخوي، أكيد واسطتك قوية ما شاء الله..

-الله يبارك فيك، توقعت أني داخل مقابلة لكن الحمد لله..

-الحمد لله، الآن عليك تشوف العقد وتوقع عليه قبل ما تستلم الوظيفة اليوم..

قلبت الأوراق بين يدي، تعليمات ومعلومات حول الشركة وحقوق الموظف والشركة وكلام لا يهمني الآن الأهم هو “كـم؟”، ترددت قبل أن أسأل سالم الذي تحول لترتيب بعض الملفات في مكتبة المدير..

-عفواً أخوي وين أحصل الراتب؟

ضحك وقال …

-الراتب آخر الشهر في البنك

يظن هذا السالم أن روح الدعابة مرتفعة لديه، لم أستطع مجاراته والضحك معه فقام من مكانه وفتح لي الصفحة الأخيرة وأشار إلى رقم كتب بخط أحمر.. 350 ريال!

بـلا مـلامـح

أبي الغالي..

كان يتبعني بخطى واثقة، أخبرتهم يا أبي بأني أخشاه، ولكن لا أحد يصغي إلي غيرك، منذ اكتشفت ملاحقته لي وأنا أشك به،  أخاله يبطن لي شراً؛ فتربصه هذا مريب، أراه يتبعني في كل خطوة، وفي كل سكنه من سكناتي، وجهه الذي لا يحمل أي ملامح يتركني كقربه مثقوبة تسيل منها الظنون فتمتص منها الحياة، أضحى كل شيء مرعباً هنا يا أبتِ، حتى الهواء من حولي بات خائفاً راجفاً مثلي.

أبي المغترب..

لا يمكنني أن أصف لك ملامحه، هو يحمل وجهاً بلا تفاصيل ولا تعابير، أتراه يبتسم؟ أم عاقد الحاجبين؟ يوغل هذا شكوكي عمقاً وصدري ريبه! كان يهرول إذا هرولت، يقف إذا وقفت، يلاصقني كجلدي!

هو يلحق بي منذ أيام، بالأمس كان يتبعني أيضاً، رآني ورأيته، كنتُ أتناول طعامي بعد غروب الشمس بالقليل، فتجرأ وأكل منه، لم يستأذنني ولم أدعوه، فقط دس يده السوداء بداخل طبقي وأكل مثلي، أشعرني بالغثيان..

تركت له الطبق فتركه! مضيت فمضى معي! أتراه لم يكن جائعاً؟

أبي العزيز..

مازال يراقبني أشعر به خلفي تماماً، يختبئ مني بخجل حيناً، ثم يصارحني بوجوده أمامي أحيان، هو يمشي بدون أن يحدث صوتاً ويعيش بصمت تام، أهرب منه فلا أفر ولا أنجو، أُجالسه فيغادرني، أُصارحه فيبقى في غموضه، أشعلني غيضاً بالأمس؛ حين استدرت ووجدته يُمََّشِطْ شعره بمشط عريض الأسنان كمشطي، اشتعلت، لماذا يتبعني ويُكِسِبُ أشيائي الخاصة سواداً كسواده المقيت؟

أبي الغالي..

أتراه عمي الذي بعثة، يريد أن يعرف لماذا رفضت ابنه حمودي؟ حمودي يا أبي طفله ضخم، بليد حتى في ابتسامته، وأسنانه التي لم تعرف الفرشاة يوماً! قل لهم يا أبي أن أريد فارساً، وليس طفلٌ أُعلمه كيف يأكل دون أن يوسخ ثوبه! لا شك أن عمي أرسله، كان غاضباً حين أخبرته بأني لن أوافق على الزواج من حمود، ذلك المدلل الذي لم ينجب سواه، كنت أعرف أن عمي سيثور غضباً، أترى دَسَّهُ ليعرف إذا كنت أُحب شخصاً فيفضحني بين أبناء القبيلة؟ قد يكون حمود هو من بعثه…! ولكن حمود بسيط التفكير، لا أظنه يفكر في أبعد من عشاء الليلة!

مازال الأسود يتبعني!

يا أبتِ..

هو قريب جداً مني الآن، قربه هذا يجعله لصيقاً بي، أراه يتصل بجسدي ولا أشعر بحرارة جسده، الأسود هذا له مزاج معقد التركيب ، حاولت أن أفهمه، فوجدته عجيباً لا يُعرف ولا يعترف، أخبرت أمي عنه، أظنها تخشاه مثلي، فقد بكت حين حدثتها عنه، بكت كثيراً حتى أحمرت عيناها، لستُ وحدي إذاً من يخاف منه!

أبي العزيز..

سامحني لأني قررت الآتي..

سأفاجئه، سأنصب له كمين وأقبض عليه، كدت أقبض عليه مرة بالأمس لكنه اختفى، قررت يا أبي هذا دون أن آخذ رأيك، عندما تصلك رسالتي هذه قد أكون قبضت عليه.

أبي الغالي..

نصبت له كميناً وانتظرته، إلا أنه تأخر بعض الشيء، قررت أن أباغته في الظلام كي لا يستطيع الهرب، كنت أحفظ الخطوات بغرفتي وأنا مغمضة العنين، أخذت كيساً فارغاً للأرز وتركته بجانب سريري، فكرت في حبس رأسه بداخل الكيس وإجباره على الاعتراف، أتى… رأيته يمشط شعره معي، وقع في الكمين، كم يحب هذا الأسود مشاركتي مشيط شعري، أطفأت النور، لكنه هرب حين أغلقت النور ولم أقبض عليه!

يا أبي..

عرفت الآن نقطة ضعفه، هو مثلي -عندما كنت صغيرة- كنت أخشى الظلام، كنت على صغر عقلي أتخبئ تحت غطائي خوفاً من سواده، لكني عرفت مع الوقت أن الظلام يهرب مني أيضا إلى تحت غطائي فيجمعنا الخوف من بعضنا و يفرقنا!

أبي العزيز..

نصبت له كميناً صباح اليوم، أردت أن أواجهه، مشطتُ شعري أمام المرآة فلم أجده، انتظرته لبعض الوقت لكنه تأخر! فذهبت لأبحث عنه تحت الشجرة حيث التقينا للمرة الأولى لكنه لم يكن هناك أيضا!  فرحت فخلته تركني، لو كان لصاً فأنا إنسانه لا يمكن أن يسرق منها شيئاً سوى الحلم، أتراه كان أحد سارقي الأحلام ؟

أبي..

اعذرني هذه الرسالة الثانية التي أكتبها لك هذا اليوم، وجدته هو لم يتركني بعد، كان مختبئاً أسفل نعلي حين انحنيت لأخلعه لمحته! كان هناك، مازال يتبعني.

أيها العزيز..

سَمِعتُ خالي يقول لأمي أن سَلَّوم سبيِّع طلب مبلغاً كبيراً من المال ليقرأ علـَّي، وأمي لا تملكه الآن، لا تخف يا أبي لن أدع سبيَّع هذا يلمسني، هكذا علمتنا من يمسنا نحرق يده بالنار، وسبيَّع هذا الذي حذرتني منه طويلاً وكذا فعلت الطاهرة معلمة القرآن لن يقترب مني. لا تخشى علي يا أبي، لماذا لا ترد على رسائلي؟

أبي المغترب..

ثِق يا أبتِ بأني سأبقى صابرة، قد يكون سبيَّع هو من أرسل هذا الأسود ليتبعني، ألم يرسل من قبل ذلك الشيء خفي لزوجة خالي؟ وقد غير صوتها ولم تعد تتحدث بذات الصوت الناعم الحنون، سَلَّوم سبيِّع  ادعى أنه يملك علاجها فوضع كفه على جبينها وأخذ يتمتم، لكن الخفي الذي غادرها أخبرنا بأنه سَلَّوم هو من أرسله وقد استلم المال من خالي قبل أن يقرأ، أمي حكت لي ما حدث عندما كنت صغيره وطلبت مني أن لا أخبرك بما حدث!

أبي..

أخبرت خالي بأني لن أسمح لـ سبيِّع بأن يَمسني!

فقال أننا سنذهب في مشوار قصير اليوم على أن نبيتَ أياماً هناك، أنست بهذا، سنخرج بعد قليل، أتمنى أن أتمكن من استئناف كتابة الرسائل لك من هناك.

أبي العزيز..

الألوان هنا شديدة الوضوح، الأغلب يرتدي اللون الأبيض، وقد حملوني على لبس ملابس زرقاء كلون البحر إذا خلع عنه خجل الشروق، يقدمون لي طعاماً بارداً وقد أقلقني غياب أمي وخالي، ترى أين ذهبوا؟

أبي الغالي..

هذا الأسود مازال يتبعني، أصبح جزءاً من حياتي، لست واثقة بأني أرغب في التخلص منه، فالأسود أصبح يشاركني كل شيء حتى ماء الوضوء وسجادتي، كنا نقرأ معاً في المصحف نفسه فجر اليوم، بدا لي خاشعاً جداً حين أقرأ، لم يصدر أي صوت كان يتابع قراءتي بعينيه أو هكذا افترضت، “بدأت أعتاد وجوده” هذا ما قاله لي الرجل “الأبيض” الذي حدثني يوم وسألني عنه، أظنه يا أبي محققاً من الشرطة، وأعجبني ذكاءه وتخفيه بالرداء الأبيض، لعله يستفز “الأسود” الذي أصابني بالحيرة.

يا أبي..

“الأبيض” هذا رجلٌ طيب، ذو ملامح ودودة، وشعيرات الشيب على رأسه تخبرني أنه بمثل عمرك أو يزيد، اليوم قال لي “الأبيض” أن اسمه هو الدكتور محمد، كان الدكتور الأبيض محمد يتحدث كثيراً عن نضوجي وعن ذكائي، ثم سألني عن “الأسود”، أخبرته أني كنت مخطأة في الحكم على الأسود فهو طيب لم يؤذني كما توقعت!

أيها الغالي..

“الأبيض” قال لي أن “للأسود” أسم أيضاً، وأن الناس من حولي تطلق عليه أسم “ظل”، لكن فتاة بيضاء حدثتني عن “الظل” لم تجب عن تساؤلاتي حين أرتني ظلها الأسود للمشابه لأسودي العزيز، سألتها يا أبي لماذا لا يحمل الظل أي ملاح؟ فقالت “صحيح أنك مجنونه”! مازلت أنتظر ردك يا أبي.


0 1312 01 مارس, 2012 العدد الثالث والعشرون, فصول أولى مارس 1, 2012
Avatar

عن الكاتب

كاتبة عمانية

عرض كل المواضيع التي كتبها إيمان فضل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.