رقميون أصليّون.. رقميون مهاجرون

مارك برينسكي 2001

ترجمة: بدر الجهوري

يدهشني أنه في خضم الهرج والمرج السائد حول انحطاط مستوى التعليم في الولايات المتحدة نجد أنفسنا نتجاهل أهم سبب وراء هذا التدهور، وهو أن طلابنا تغيروا.. فطلبة اليوم ليسوا هم الطلبة الذين تم تصميم نظامنا التعليمي لأجلهم.

طلبة اليوم لم يتغيروا تدريجيا فحسب، ولم يغيروا من طرق حديثهم وملبسهم وموضاتهم – كما هو الحال من جيل لآخر – فما حدث لهذا الجيل نقلة نوعية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وهذه النقلة غيرت كل المفاهيم لدرجة أنه ما بات في الإمكان العودة للوراء.. هذه النقلة هي الانتشار الرهيب للتكنولوجيا الرقمية في أواخر القرن العشرين.

طلبة اليوم – بمختلف مراحلهم الدراسية – يمثلون أول جيل ينشأ في هذا العصر الرقمي، عاشوا حياتهم كلها محاطين بالحواسيب وألعاب الفيديو ومشغلات الأسطوانات الموسيقية وكاميرات الفيديو والهواتف المحمولة وكل ما له علاقة بهذا العصر الرقمي. وتشير الإحصائيات أن خريجي الجامعات يقضون أقل من 5000 ساعة من حياتهم في القراءة بينما يمضون أكثر من 10000 ساعة مع ألعاب الفيديو وأكثر من 20000 ساعة في مشاهدة التلفاز، فقد أصبحت ألعاب الكمبيوتر والإنترنت والهواتف المحمولة جزءاً لا يتجزأ من حياتهم.

وبات جلياً أنه نتيجة لهذه البيئة التي عاش فيها أبناؤنا ومدى تداخلهم وتفاعلهم معها، فقد أصبحت طرق تفكيرهم مختلفة تماما عمّن سبقهم، وهذه الاختلافات أبعد مما يتصوره أي متخصص في القضايا التربوية، إذ يقول د. بروس بيري من كلية بيري الطبية أن “التجارب المختلفة تؤدي إلى تكوينات دماغية مختلفة” ولذا فإن أدمغة أطفالنا تغيرت ليس معنويا فحسب وإنما ماديا أيضا نتيجةً لطريقة نموّهم المختلفة.

إذن.. ماذا نسمي هذا الجيل الجديد؟ هناك من يطلق عليهم “جيل الانترنت” وهناك من يسميهم “الجيل الرقمي” بينما أرى شخصيا أن أفضل اسم لهم هو “Digital Natives الرقميّون الأصليّون” لأنهم ولدوا في العصر الرقمي ويتحدثون لغته، وبالتالي فإن اللغة الرقمية هي “لغتهم الأم”. أما نحن فإننا لم نولد في هذا العالم وإنما انجرفنا بشكلٍ أو بآخر إليه، فحق علينا أن نسمى بـ”Digital Immigrants الرقميّون المهاجرون” إذ أننا – كما هو الحال لأي مهاجر يضطر لتعلم لغة العالم المهاجر إليه – نجد من الصعوبة بمكان إخفاء “اللكنة” الخاصة بلغتنا الأصلية، والمقصود هنا هو تمسكنا بماضينا قبل العصر الرقمي كالبحث عن المعلومة في الكتب قبل البحث على الانترنت، أو كقراءة الدليل الإرشادي لأي برنامج قبل استخدامه بدلا من محاولة تعلم البرنامج أثناء استخدامه، فكبار السن في مجتمعنا تمت أدلجتهم “اجتماعيا” بشكلٍ مختلف عن أبنائهم، وهم الآن في طور تعلم لغة جديدة، وكما يقول العلماء فإن أي لغة يتم تعلمها في مرحلة متقدمة من السن تتخزن في جزء مختلفٍ من العقل مما لو تم تعلمها في الصغر.

وهناك الكثير من الأمثلة الواضحة للكنة المهاجر الرقمي، كأن يطبع إيميلاته (أو إن كانت لكنته أكثر غلظاً سيطلب من سكرتيرته أن تطبعها)، أو أن يطبع أي مستند لتحريره (بدلاً من تحريره على الشاشة) أو أن يطلب من زملاء العمل أن يحضروا إلى مكتبه ليطلعهم على موقعٍ أعجبه (بدلا من أن يرسل لهم الرابط)، وبإمكانكم تخيل مواقف مشابهة من تجاربكم. أفضل واحدة بالنسبة لي هي أن يتصل أحدهم ليسألني إن كنت استلمت الإيميل الذي أرسله. صدقوني.. نحن الرقميون المهاجرون حتمٌ علينا أن نضحك على لكنتنا.

ولكن هذه ليست بدعابة، وإنما قضية مفصلية لأن أكبر خطر يهدد نظامنا التعليمي هو أن أساتذتنا (الذين هم بطبيعة الحال مهاجرون رقميون) يتحدثون لغة كلاسيكية (بالنسبة للعصر الرقمي) ويعانون من صعوبة تدريس جيل يتحدث لغةً مختلفة تماما. والأدهى أن الطلاب على علمٍ بهذا، إذ يبدو وكأن المدرسة قد وظّفت وافدين بلغة ركيكة ولهجة غليظة، فلا يستطيع الطلبة فهمهم. ماذا يعني “قرص الهاتف dial” على أية حال؟!!

ولكي لا يكون الموضوع مبالغا فيه، دعوني أسترسل في بعض النقاط، فالرقميون الأصليّون تعودوا على استقبال المعلومات بسرعة، وعلى العمل بالتوازي والقيام بمهام عدة في آن واحد (multi-tasking).. يفضلون مشاهدة الصورة قبل النص (وليس العكس كما يظن الأساتذة).. يعملون بإنتاجية أكبر في شبكات.. يحبذون النتائج الآنية والجوائز الفورية.. يفضلون اللعب على الجد.. هل يبدو أي من هذا مألوفا؟

بيد أن المهاجرين لا يعيرون بالا لهذه المهارات التي اكتسبها الأصليون وأتقنوها من خلال تعاملهم وممارستهم الدائمة، فهذه المهارات غريبة بالنسبة للمهاجرين الذين تعودوا على العمل بالتوالي خطوة فخطوة، وعلى انفراد، وبجدية تامة. يقول الأساتذة “طلبتنا لا _____ كما عهدناهم.. لا أستطيع أن _____ أو _____، ولا يكتثرون لـ______ أو _____ (املؤوا الفراغات بأنفسكم، فالخيارات عدة).

لا يؤمن المهاجرون أن بإمكان طلبتهم التعلم أثناء مشاهدة التلفاز أو الاستماع للموسيقى لأنهم (أي المهاجرين) لا يستطيعون ذلك، وهذا أمرُ طبيعي لأنهم لم يمارسوا هذه المهارة طيلة حياتهم، وإنما يؤمنون أن التعليم لا يمكن – أو لا ينبغي – أن يكون مسلياً، ولماذا يكون مسليا؟ فهم لم يكتسبوا علمهم هذا عن طريق برنامج “افتح يا سمسم”.

ولسوء طالع المهاجرين فتلامذتهم نشأوا مع السرعة الخارقة لألعاب الفيديو وقناة MTV الموسيقية والوصول السريع للمعلومات عن طريق نقر أيقونات وتحميل الملفات الموسيقية، وعلى الهواتف المحمولة في جيوبهم والمكتبات الكاملة في حواسيبهم.. تعودوا على إرسال واستقبال الرسائل بسرعة وأريحية.. تعودوا أن يكونوا متصلين “شبكيا” ببعضهم البعض طوال الوقت.. فلا صبر لديهم للمحاضرات أو للتفكير خطوة بخطوة أو قاعدة “اليوم تَسأل وغدا تُسأل”.

الإشكالية تكمن في أن المهاجرين يفترضون أن طلبتهم لم يتغيروا، وأن طرق التدريس التي استخدمها أساتذتهم معهم ستنجح هنا أيضا، ولكن بات جلياً أن هذه الفرضية ما عادت تنطبق، فطلبة اليوم مختلفون تماما! في فسحة الغداء يقول أحد الأطفال في المرحلة التهميدية www.hungry.com”” ويقول آخر في المدرسة الثانوية “في كل مرة أذهب للمدرسة أضطر لخفض طاقتي”.. إذا فالإشكالية ليست في أن الطلبة لا يمكنهم التركيز وإنما لا يريدون التركيز، فمن وجهة نظرهم التعليم على يد هؤلاء المهاجرين لا يستحق أن يعار له أي انتباه مقارنة بالخبرات التي يكتسبونها يوميا.

يقول أحد الطلبة “ذهبت إلى كلية مرموقة تخرّج كل أساتذتها من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا، ولكن كل ما قاموا به أن قرأوا من الكتب.. فقررت المغادرة”. وفي تلك الفترة – بداية عصر الانترنت – كانت الوظائف متاحة والمؤهلات الدراسية لم تكن مهمة، إلا أننا اليوم نرى من غادر مقاعد الدراسة يعود إليها بعد ان أصبح المؤهل الدراسي ضرورة حتمية، وبالتالي يضطر هؤلاء الطلبة الرقميون الأصليون لمواجهة المهاجرين مرة أخرى، وستكون مواجهة أكثر ضراوة بالنظر إلى الخبرات التي اكتسبها هؤلاء الطلبة وهم خارج مقاعد الدراسة، إذ تكون مهمة تدريسهم أكثر صعوبة باستخدام الطرق التقليدية.

ما الحل إذن؟ هل على الأصليين التعود على الطرق الكلاسيكية أم على المهاجرين تعلم الجديد؟ لسوء حظ المهاجرين، فإنهم مهما حاولوا لن يرضى الأصليون بالعودة للوراء، أولا لأنه علميا محال خاصة أن أدمغتهم مختلفة بالفعل، وثانيا لأن هذا يتعارض مع ما نعرفه عن الهجرة الثقافية التي تقتضي أن يرفض أي طفل ولد في عالم جديد تعلم لغته القديمة ويقبل على تعلم لغة الثقافة التي ولد فيها، أما المهاجرين (الأذكياء منهم) فإنهم يرضون بواقع أن هذا العالم جديد عليهم وبالتالي يساعدون أبناءهم على الانخراط والاندماج مع هذه الثقافة الجديدة وتعلم لغتها، أما من لهم نصيبٌ أقل من الذكاء فإنهم يمضون حياتهم في البكاء على الأطلال والتغني بماضيهم التليد.

لذا – بدلا من أن ننسى تعليم الرقميين الأصليين ونتركهم حتى يكبروا ليحلوا مشاكلهم بأنفسهم – وجب علينا مواجهة هذه المعضلة، وتكون هذه المواجهة بإعادة النظر ليس في طرق التدريس فحسب وإنما في المحتوى العلمي أيضا.

فمن ناحية طرق التدريس، على المدرسين أن يخاطبوا طلبتهم باللغة والأسلوب الذين يناسبانهم، وهذا بالطبع لا يعني تغيير الأولويات أو المهارات، وإنما أن تكون بإعطائهم المعلومة مباشرة، ليس خطوة بخطوة وإنما بشكل متوازٍ.. قد يتساءل المدرسون “كيف ندرس المنطق بهذه الطريقة؟” الجواب لهذا السؤال ليس جليا الآن لكننا حتما سنجد إجابة له.

أما على صعيد المحتوى فإن النقلة النوعية التي أشرنا لها في بداية حديثنا تجعلنا نصنف المحتوى إلى قسمين: التراث والمستقبل. فالمحتوى التراثي يشمل مهارات القراءة والكتابة والحساب والتفكير المنطقي وفهم واستيعاب الماضي.. أي بمعنى آخر كل ما هو في مناهجنا التقليدية. فهذه لا زالت مهمة بالطبع ولكنها الآن تنتمي لعصرٍ آخر، فمنها – كالتفكير المنطقي على سبيل المثال – ما لا يزال مهما الآن، ومنها – كالهندسة الإقليدية – ما أصبح ذكرى غابرة مثلها مثل اللغة اليونانية واللاتينية.

أما المحتوى المستقبلي فيركز – بطبيعة الحال – على التكنولوجيا والعالم الرقمي، ولكنه لا يركز على البرامج والأجهزة والروبوتات وتكنولوجيا الجزيئات وهندسة الجينات فحسب، بل يشمل الأخلاق والسياسة وعلم الاجتماع واللغات وكل ما له علاقة بهذا العالم. لهذا المحتوى المستقبلي شعبية واسعة لدى طلبتنا ولكن مَن مِن المهاجرين الرقميين مستعدٌّ لتدريسه؟ أذكر أن أحدهم اقترح أن يسمح للطلبة استخدام الحواسيب التي يصنعونها بأنفسهم، وبرغم ما أجد في الفكرة من عبقرية خاصة أنها قابلة للتطبيق من وجهة نظر الطلبة إلا أنني أتساءل “من سيقوم بعملية التدريس؟”

كمعلمين يجب علينا أن نفكر كيف ندرس المحتويين (التراثي والمستقبلي) بلغة الرقميين الأصليين، فالأول يستوجب ترجمة شاملة وتغيير جذري في أسلوب التدريس، بينما يحتاج الثاني لما سبق بالإضافة إلى محتوىً وفكرٍ جديدين. وحقيقة لا أدري أيهما أكثر صعوبة، أن أتعلم شيئا جديدا أو أن أتعلم طرقاً جديدة للقيام بأشياء قديمة. حسنا.. يبدو أن الثانية أصعب.

لذا.. وجب علينا أن نبتكر، وليس بالضرورة أن نبدأ من الصفر، فكثير من عمليات تكييف المواد التربوية لتتواءم ولغة الرقميين قد تمت بنجاح وما علينا سوى ابتكار أفكارٍ جديدة، كتصميم ألعاب فيديو حتى ولو كانت لقضايا في غاية الجدية والحساسية، فمجرد طرح فكرة “ألعاب الفيديو” كفيلة بشد انتباه الطالب إلى الموضوع.

قبل فترة وجيزة جاء مجموعة من العلماء إلى شركتي ليعرضوا برنامجا جديدا للتصميم الهندسي بواسطة الكمبيوتر (Computer Aided Design C.A.D.) وقد صمم خصيصا للمهندسين الميكانيكيين، وكان ابتكارهم أفضل بكثير من البرامج المستخدمة في ذلك الوقت لدرجة أنهم كانوا على يقين أن هذا البرنامج سيحقق نجاحا باهرا، ولكنهم فوجؤوا بسيلٍ من ردود الفعل السلبية والسبب العدد الهائل من الأوامر والأزرار التي تتطلب عقلية فذة لاحترافها.

ولكن كان لمدير تسويقهم رأيٌ آخر إذ خطرت بباله فكرة مذهلة، فبالنظر لمستخدمي برامج التصميم الهندسي اكتشف أنهم مهندسون رجال تتراوح أعمارهم بين العشرين والثلاثين، فقال “لمَ لا نجعل طريقة تعلم البرنامج عبارة عن لعبة فيديو؟” فقمنا نحن بتصميم لعبة فيديو بأسلوب التصويب كألعاب Doom و Quake وأسميناها (The Monkey Wrench Conspiracy) حيث يكون البطل فيها عميل خاص لما بين المجرات ومهمته إنقاذ محطة فضاء من هجوم الشرير Dr. Monkey Wrench، والطريقة الوحيدة لإنقاذ المحطة هي باستخدام برنامج تصميم هندسي يقوم فيه المستخدم بتصميم أدوات وإصلاح أسلحة وتفجير أفخاخ، وتستهلك اللعبة ساعة لإكمالها بالإضافة إلى 30 مهمة إضافية قد تستغرق من 15 دقيقة إلى عدة ساعات لإنجازها حسب خبرة ومهارة المستخدم.

نجحت لعبة Monkey Wrench في جعل الشباب يقبل على تعلم البرنامج ولا زالت تستخدم بشكل كبير في كل أنحاء العالم، وقد بيعت منها أكثر من مليون نسخة بلغات مختلفة. ورغم أن تصميم اللعبة كان سهلا بالنسبة للمبرمجين (الرقميين الأصليين) لدي إلا أن إضافة المحتوى بالنسبة للأساتذة الجامعيين كان في غاية الصعوبة، خاصة أنهم تعودوا على نسق “الدرس الأول: الواجهة… الدرس الثاني…. إلخ” فطلبنا منهم تصميم سلسلة من المهام تحتوي على المهارات التي على الطالب أن يتعلمها، فقام الأساتذة بتصميم مقاطع فيديو مدتها من 5 إلى 10 دقائق تشرح أهم المكونات لهذا البرنامج، طلبنا منهم تقليص هذه المقاطع إلى 30 ثانية. كما أصر الأساتذة على أن الطلبة يجب أن يتعلموا البرنامج وفق خطوات محددة، فطلبنا منهم السماح للطلبة بتعلم البرنامج على طريقتهم العشوائية. أصر الأساتذة أيضا على نسق متأنٍ للدرس ولكننا رأينا أن الطلبة بحاجة إلى السرعة فقمنا بالاستعانة بكاتب سيناريو من هوليوود لوضع خطة سريعة للمقرر. أراد الأساتذة إرشادات توضيحية مكتوبة وأردنا نحن مشاهد فيديو توضيحية. أرادوا اللغة التربوية التقليدية (الأهداف… إلخ) بينما كان هدفنا الأساسي إزالة كل ما له علاقة من قريب أوبعيد بلفظة تعليم أو تربية.

كل هذه التغييرات أثبتت فاعليتها إذ نجح الأساتذة في تنفيذ هذا المقرر، ولكن بسبب التغير الجذري في طريقة التدريس استغرقوا ضعف المدة المتوقعة. ومع استخدام تقنية “الرقميين الأصليين” بشكل متواصل أدركوا فاعليتها، والتي أدت إلى تطور ملحوظ في إنتاجيتهم لاحقا.

ما قمنا به من إعادة تقويم المقرر يجب أن يحدث لكل أنواع المقررات وعلى مختلف المستويات، ورغم أن معظم محاولات ترسيخ فكرة “تعلم واستمتع” باءت بالفشل إلا أننا نتوقع لها مستقبلا أفضل.

ففي الرياضيات على سبيل المثل، يجب أن لا يكون الجدل حول السماح للطلبة باستخدام الآلة الحاسبة أو لا، فقد باتت جزءا لا يتجزء من حياتهم الرقمية، وإنما يجب أن يكون الحوار حول كيفية استخدام هذه الحاسبة للوصول إلى أفضل النتائج كاختصارات الأزرار وجداول الضرب، كما يجب التفكير في “الرياضيات المستقبلية” كالتقريب والإحصائيات والتفكير الثنائي.

أما في الجغرافيا – والتي باتت مهملة في وقتنا الحالي – فليس بمستحيل على جيل يستطيع حفظ أكثر من 100 شخصية بوكيمون بتاريخها ومراحل تطورها وخصائصها أن يحفظ أسماء وعدد سكان وعواصم والعلاقات بين 101 دولة في العالم. كله يعتمد على كيفية تقديم المعلومة.. لا أكثر.

يجب علينا أن نعمل على تطبيق عقلية الرقميين الأصليين في جميع المقررات وعلى جميع المستويات بمساعدة طلبتنا، وقد بدأ هذا بالفعل فهناك من الأساتذة الجامعيين من يقوم بتصميم ألعاب لتدريس الرياضيات والهندسة واللغة الإسبانية. كل ما علينا فعله نشر الوعي وإعلام الآخرين عن نجاحات هؤلاء.

بيد أن هناك اعتراض سمعته عدة مرات من الأساتذة وهو أن أسلوب التدريس الجديد يصلح للحقائق العلمية فقط، وحقيقة أعتبر هذا الاعتراض هراءً فهو تبرير تافه وتغييب للخيال الذي نحتاجه لتطوير المقررات، ولذا فقد عمدت في برامجي التلفزيونية إلى استخدام “التجارب الفكرية” حيث أقوم باستضافة أساتذة ليطرحوا فكرة أو محتوى لدرس معين، فأقوم أنا مباشرة بابتكار لعبة أو أي تقنية أخرى تلامس فكر الرقميين الأصليين. أحد هذه الدروس كان عن “الفلسفة الكلاسيكية” فابتكرت لعبة عبارة عن مناظرة بين فلاسفة مشهورين بحيث يقوم الطالب باختيار الجمل التي سيقولها هذا الفيلسوف أو ذاك. درسٌ آخر كان عن “محرقة اليهود (الهولوكوست)” فكانت الفكرة عبارة عن تمثيلية تحاكي مؤتمر الحزب النازي في منطقة وانسي الذي نوقشت فيه آلية إبادة اليهود، أو تمثيلية أخرى تجسد معاناة اليهود في المعتقلات مثل فيلم Schindler’s List.

خلاصة الحديث أنه إذا ما أراد المهاجرون الرقميون فعلا أن يدرّسوا المهاجرين الأصليين فإن عليهم أن يتغيروا ويتوقفوا عن التذمّر، وكما يقول شعار شركة Nike الذي أصبح الرقميون الأصليون يقدسونه “Just Do it”، وإذا ما بدأوا في التغيير فإن نجاحهم لن يكون صعب المنال خاصة إذا ما توفرت لهم المساعدات الإدارية والمالية لذلك.

العدد الثالث والعشرون ثقافة وفكر

عن الكاتب

بدر الجهوري

كاتب ومترجم عماني

اترك تعليقاً