ناصر بن جاعد (10) البيان الأخير

لـ

 (ولما لم أجد أحداً له قوة فهم على فهم معانيه صار كالذي لا فائدة فيه، فأحببت إيضاحه، إيضاحاً قليلاً كالإقليد، يفهم من كان له عقل ما وراء ذلك من المعاني، فافهم) ناصر بن جاعد

أثناء جمعي المادة العلمية لكتاب “قراءة في جدلية الرواية والدراية”، أدهشني رأي حول حادثة المعراج أشار إليه من طرف خفي المفكر التونسي هشام جعيط في كتابه “الوحي والقرآن والنبوة”، يقول فيه: (وقد فهم علماء المسلمين إلى حدّ ما هذا الأمر في قصتهم للمعراج التي هي اختلاق ذو قيمة دينية رفيعة). عبارات جعيط في طول كتابه وعرضه توحي بأنه لا يقر بانقطاع النبي بعيدا عن الناس قبل الوحي، ولا بحادثة غار حراء، وهو يرى أن آيات النجم التي يستدل بها المفسرون التقليديون في إثبات المعراج لا تدل إلا على اللقاء الأول بين النبي وبين الوحي الجلي.

هذه الفكرة أربكت المسلمات التي حفظتها، ولم أتدبر حقيقتها، وتذكرت ساعتئذ قول معروف الرصافي: (لقنت في عصر الشباب حقائقا في الدين تقصر دونها الأفهام، ثم انقضى عصر الشباب وطيشه، فإذا الحقائق كلها أوهـــــام).

لقد فتحت تلك الفكرة لي نوافذ متعددة للنظر  والتفكير  في كثير من القضايا، ابتداء بمسألة انقطاع النبي عن الناس في المغارات كما يفعل رهبان النصارى في الأديرة، مرورا بقصة اللقاء الأول بين النبي والوحي، وحقيقة الوحي وطبيعته، وكيفية تنزل القرآن في قلب النبي، ومعنى نزول القرآن مفرقا، وماهية ليلة القدر، والموقف من روايات أسباب النزول، وقصة الإسراء، ومفهوم المعراج، وانتهاء بمبدأ تدبر القرآن بعيدا عن وصاية التفاسير  والمرويات.

وبينما كنت تائها في صحراء الحيرة، إذا بواحات ناصر بن جاعد المتوارية بين جنبات موسوعة “قاموس الشريعة” المنسية عمانيا والمجهولة عربيا وإسلاميا تظلل الروح في بساتين البيان، وتروي الوجدان من ينابيع العرفان، وتحلق بالعقل في فضاءات البرهان، ففي القاموس يوجد نص لناصر بن جاعد لا يؤيد ما قاله هشام جعيط وحسب بل ويثبته ويؤصله ويقدم البراهين على صحته، إنه نص واضح لا يحتمل اللبس يحرر ناصر بن جاعد به العقل المسلم من معتقلات الخرافة والعبث بقوانين الكون التي أمره الله تعالى بدراستها ليكون حقيقا بالخلافة على الأرض، يقول ناصر بن جاعد: (أما معراجه بجسده وروحه إلى السماء، أو إلى ما هو أعلى، فلم يأت صريح التنزيل بذلك، ولا قامت الحجة بصحيح السنة، ولا يصح فيه الإجماع الذي لا يجوز خلافه، وأن جميع ما ذكروه فيه، من رؤيته في السماوات الأنبياء، وذكر تخفيف الصلوات، وتردده على الله تعالى غير صحيح).

في الحقيقة ما وجدته عن ناصر بن جاعد في إنكار المعراج لم يكن مجرد نص واحد، بل كانت مجموعة نصوص متكاثرة يشد بعضها أزر بعض!، وحين صدرت فتاوى تُحرّم بيع وتداول كتاب “الجدلية” لم استغرب ولم أدن ولم استنكر كعادة العرب ما قبل الربيع، فكتابي ليس بأعز من كتب ومؤلفات ناصر بن جاعد التي اختفى جلها عدا الثلث أو أقل قليلا.

ويبدو أن “لعنة العبقرية” ما تزال تطارد أي كتاب يضم آراء ناصر بن جاعد أو يشير إليها، يكفي أن موسوعة “قاموس الشريعة” التي تصل إلى ثلاثة وتسعين جزءا والتي احتفظت بأغلب تراث ناصر بن جاعد الفقهي ما يزال 70% منها مخطوطا ينتظر المخلص المنتظر، فهل تكون آراء ناصر بن جاعد التي لا تتسع لها المساحات الضيقة في قلوب البعض هي السبب وراء انقباض السماء والأرض عن الفيضان بآراء ناصر بن أبي نبهان.

لقد أشكلت كتابات ناصر بن جاعد على الكثير من القراء، وذلك لم كان صادما، فكتاباته لا تنتمي إلى فضاءات القاريء المعاصر، فأغلب القراء المعاصرين هم إما سلفيوا التوجه، لا تثيرهم سوى الروايات المعنعنة والأقوال المسندة، أو هم في الطرف النقيض حيث الخشوع أمام صرامة ديكارت وكانط أو الخضوع أمام صراعات ماركس أو التيه بين عبثيات نيتشة وبكائيات سارتر.

أما تراث ناصر بن جاعد الفكري وكتابته المعرفية فهي تنتمي إلى إطار تم الانقلاب عليه على حين غفلة من العقل العربي الذي أُجبر على الاستسلام أمام بريق الحضارة الغربية المستعمرة، كما أُجبر على السير في ركاب الصخب الذي أحدثته الدعوة السلفية بدعوى العودة إلى الذات، ولكنها ليست الذات الحضارية التي نفاخر بها وإنماالذات في صورتها القميئة والمتوحشة والبعيدة عن ركب الحضارة والإنسانية.

إن كتابات ناصر بن جاعد تنتمي إلى الفكر الفلسفي العربي لا ذلك المؤسس لثورة العلوم في أوربا أيام عصر النهضة وما قبلها فحسب، بل وهو أيضا ينتمي إلى فضاء فكري لم تشرق شمسه بعد، ولم ينضج العقل العربي إلى تقديره واستيعاب رسالته.

كثيرة هي الكتب التي قصفتها رياح الزمن وبللتها أمطار الإحن، فصارعت الشمس والغبار والهجر والإنكار قروونا عديدة حتى ولدت العقول القادرة على اكتشاف روائعها واستخراج كنوزها، إنها مأساة تمر بها الأسفار التي تغير مجرى التاريخ، وفي تاريخ أمتنا نماذج كثيرة على ذلك مثل كتاب “تهافت التهافت” لابن رشد وكتاب “الموافقات” للشاطبي.

فليس عجيبا أن يكون كلام ناصر بن جاعد غريبا بين القراء المعاصرين لا على مستوى الأفكار فحسب، بل وحتى على مستوى التراكيب والألفاظ، والسؤال الصعب يتمثل في إمكانية تقديم هذا الفكر إلى القاريء المعاصر دون أن يشعر معه بما شعر به الأعرابي الذي مرّ على جماعة من النحاة يتذاكرون مسائل نحوية فلم يدرك من كلامهم شيئا فصاح متبرما: “تتكلمون في كلامنا بكلام ليس من كلامنا”، وهذا ما رمنا إنجازه في المقالات السابقة.

يظن البعض أن الكتابة ترف يمارسه صاحبها طلبا للمتعة واستغراقا في اللهو، بينما الكتابة انعزال، الكتابة انقطاع صوفي ورهابنية، الكتابة أوجاع مخاض ورهبة ميلاد، الكتابة تثوير لآلام العزلة والابتعاد، بل إن الكلمات للتفصد من روح كاتبها كما يتفصد الدم من جسد الشهيد.

حسنا، لم أكن أنوي الارتجال عن فرس الكتابة، ولا إعادة سيف القلم إلى أغماده، ولكنها صروف الدهر التي تهوي بالأماني وتطحن الأحلام، فأنا لم أعتد الاستسلام، بينما أجدني اليوم مرغما على تسليم عدتي وعتادي ورفع الراية البيضاء خالية من حبر الكلمات، إنها المشاغل التي لا ترحم، والأحكام المجانية التي لا تسأم تدفعني إلى الصيام والكف عن الكلام.

أفكار كثيرة كانت تراودني عن نفسها فاستعصمت، ولذت بالصمت، فقد كنت أود الحديث عن موقف ناصر بن جاعد من قضية “الجزء الذي لا يتجزأ” التي تطورت إلى النظرية النسبية ونظرية الكواركات الفيزيائية، وتفسيره للوح المحفوظ والقلم، وموقفه من العقل قياسا بالنظريات الحديثة الفلسفية والبيولوجية، وموقفه القائل باستحالة رؤية الجان وتلبسهم للإنسان.

كما كنت أود مقاربة الممارسة الفيلولوجية لناصر بن جاعد في دراسته لبعض المفاهيم اللغوية وتطورها كمفهوم اللاهوت والناسوت، وموقفه من الكوجيتو الديكارتي والشك الفلسفي، وقوله في أن الأسماء التي تعلمها آدم هي اللغات وربط ذلك بالنظريات الأنثربولوجية الحديثة التي تعتبر اللغة ممثلا للعقل، وتفسيره لبعض الآيات والسور تفسيرا مغايرا عن التفاسير الكلاسيكية، وشرحه لتقنية تحلية مياه البحر حسبما توصلت إليها التجارب البشرية في ذلك الزمان، واستخدامه للتكنلوجيا المتوفرة في زمانه كالبنادق والمدافع لشرح نص متقدم عليه بأكثر من ستة قرون، وأشياء أخرى كثيرة.

البيان الأخير، ذكرت في مقدمة هذه الدراسة أن كتاب “إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك” ربما يكون من آخر مؤلفات ناصر بن جاعد، بيد أني تنبهت مؤخرا إلى أن هذا الكتاب قد تم تأليفه قبل عقدين من وفاة ناصر بن جاعد، ومعنى ذلك أن جميع الأفكار المميزة التي عرضنا لها في هذه الدراسة وتلك التي لم يسعفنا الوقت لعرضها ليست سوى قمة جبل الجليد السابح في بحر المعرفة، ذلك الجبل هو ناصر بن جاعد.

ملاحظة: ينشر بالتزامن مع ملحق شرفات الثقافي بجريدة عمان.

0 2142 01 مايو, 2012 الخامس والعشرون, ثقافة وفكر مايو 1, 2012

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.