كشكول الحراك العماني

أكتب هذا المقال السريع قبيل مغادرتي لأرض عمان بعد إجازة سريعة وخاطفة حظيت بها وسط إلتزامات البحث والدراسة خارج الوطن. هذه الأيام القليلة الماضية لم تكن قطعاً كسابقاتها في حقبة ما قبل 2011، من حيث سرعة الإيقاع ومستوى الحراك وشموليته في جميع المشاهد العمانية. وكحال معظم دول الخليج؛ أكثر ما يلفت انتباه المنقطع عن أرض الوطن هو التغييرات العمرانية من خرسان واسمنت، وقليل من التغيير الطفيف على المستوى الاجتماعي. لكن هذه المرة بالذات أستطيع القول وبكل اعتزاز بأن عمان تغيرت وتتغير وتسرع كثيراً في التغير. فعمان اليوم غدت أسرع من عمان الأمس (والأمس يعود لحقبة ما قبل العام 2011)، تركتها تموج وسط زخم التطورات المتسارعة، وكل مشاهدها تمثل أمواجاً متلاطمة نحو التغيير والتطوير، وجميعها تدفع بهذا المجتمع “الحي” نحو سباق التقدم، والأهم أن ذلك الجمود القاتل والسكون الفاتر أصبح من مخلفات الماضي. وكما يبدو أن الشهور القليلة الماضية كانت بمثابة “الفلتر” الذي أسقط كل ما هو “زائف” أو غير حقيقي. فلم يعد ثمة موقع للسياسي الزائف أو الاقتصادي الزائف أو المثقف الزائف أو الناشط الزائف. فمن المبشر في عمان أن المستوى المجتمعي في تقييم القول والأداء بدا أكثر نضجاً وأكثر بعداً من ذي قبل عن الحوار العاطفي – وإن كان لا يلغيه تماماً.

فالمشهد السياسي في البلاد يبدو أكثر تفاعلاً وديناميكية من أي زمن مضى، يأتي ذلك بعد جملة التعديلات الدستورية والتشريعية التي منحت مجلس عمان الكثير من الصلاحيات الرقابية والتشريعية، علاوة على تعزيز استقلالية السلك القضائي، الأمر الذي أهّل هذه السلطات للتناغم مع جهود الحكومة في إحداث إصلاحاتها الشاملة وتصحيح مساراتها التنموية. بيد أن الحكومة بدت لي أكثر رشاقة وديناميكية من مجلس عمان – بشقيه الشورى والدولة – حيث أضفت عليها اللمسة التكنوقراطية مفهوماً جديداً نحو تعزيز برامج التطوير المبني على العمق المعرفي. وعزز ذلك رفع مستوى الحريات الإعلامية، وإطلاق العنان للإعلام الرسمي أن يقوم مقام “إعلام دولة ومجتمع” يساعد في البناء المؤسساتي الرسمي، ويقوم مقام صمّام الأمان الأول لمؤسساته، وسلطة أولى لتقييم الأداء الحكومي.

لكن أمواج التغيير التكنوقراطي لا تزال تصطدم بصخور الإرث القديم من الذهنية البيروقراطية، وثقافة “المسؤول المقدس”، حيث لا يزال التفكير بعقلية البيروقراطية الحكومية العتيقة المسيطر الأساس في اتخاذ الكثير من القرارات الحكومية. كما تصطدم طموحات بعض المسؤولين المتحمسين بصخرة ضعف – بل وافتقار – التأهيل وتنمية الموارد البشرية في المؤسسات الحكومية، ناهيك عن افتقارها وبعدها عن اتخاذ المنهج العلمي أساساً لحل المشكلات، علاوة عن وأد المبادرات والمحاولات الإبداعية داخل المؤسسات الحكومية. إلا أن النفخ في كوم الرماد سيشعل جذوة نار المبدعين لا محالة، ولا بد من إيقاظ العملاق النائم في مؤسسات الحكومة.

وعلى الرغم من حجم الصلاحيات الممنوحة لمجلس الشورى؛ إلا أن المجلس لم يجرب بعد جميع حدوده وصلاحياته، وفي نظري لما يزل في مرحلة التجريب وقليل من “عدم التصديق” بأن هناك مجالاً للمشاركة مع مؤسسات الحكومة في عمليات البناء والتطوير. إلا أن المشهد الديموقراطي في عمان لا محالة سيصطدم بما يعرف “بالمواجهة الأحادية المعارضة” في مجلس الشورى، حيث أن جميع مناقشات ممثلي الحكومة في المجلس ستكون تغريداً فريداً وسط حشد من المعارضين، ذلك أن عمان لم تتحول كلياً إلى دولة متعددة الأحزاب، وبالتالي فإن الوزير الماثل أمام مجلس الشورى لن يجد من يصفق له بمرور الوقت حين يلقي بياناته. ما يعني والمتوقع وليس مستبعداً أن نشهد عمّا قريب “حلاً أو إحلالاً” لمجلس الشورى كنتيجة طبيعية لهذا المشهد المشابه لتجربة البرلمان الكويتي الموقر. وأعتقد حينها سنصل إلى عنق الزجاجة، مما يستدعي البحث واتخاذ خطوات استباقية لمنع تكرار التأزمات السياسية بين الحكومة وممثلي الشعب، وحتى لا تتوقف فيما بعد عمليات التنمية في البلد.

إن التغييرات الشاملة التي أحدثت على نطاق المؤسسات الأمنية، وتوحيد بنية القرار الإداري في الدولة من وضع “التكتلات المتصارعة” بين أقطاب الحكومة في الفترة السابقة، إلى وضع “العزف الجماعي المتناغم” ساعد في حل الكثير من المشكلات الإدارية المستعصية التي كانت تواجه الحكومة في متابعة وتطوير العمل الحكومي. وعلى الرغم من انطواء “الأجهزة الأمنية” في سياساتها وبرامجها المحلية في التنمية والتطوير، إلا أننا نستطيع قراءة بعضاً من أهم هذه المؤشرات الميدانية التي تبعث على الارتياح. حيث اتجهت الآن هذه الأجهزة إلى التأكيد على رأب كل التصدعات الإدارية الناتجة من الإخفاقات في أداء المؤسسات الخدمية، وأصبحت تبحث خلف اكتشاف الأخطاء وتقويمها وإعطاء المشورة في تقديمها بالشكل الذي يستوعب طاقات وحاجات ورغبات المجتمع. وأعتقد أن هذا الدور الذي ينطلق من مفهوم “الأمن والتنمية” هو ما أسست عليه هذه الأجهزة في الأساس. وحينما تتظافر جهود المؤسسات الأمنية مع المؤسسات المدنية والمجتمعية فإن ذلك بلا شك سيعزز مكانتها الطليعية، وسيسوّغ دورها الحساس لدى المجتمع العماني. إلا أنها لا تزال تمارس هذه الريادة في الخفاء وتطل علينا مؤشراتها على استحياء من بعيد، حيث لم تعد أجهزة الأمن المتطورة حول العالم تمارس هذا الأسلوب القديم. فالمجتمع العماني اليوم أصبح أكثر وعياً وحدقاً بكل مجريات الأمور من حوله، وأصبح أكثر اطلاعاً وشغفاً للاكتشاف، ولا تزال نظرة “الانسان عدو ما يجهل” هي الحاكمة في علاقة الذهنية البسيطة لدى المواطن العماني نحو الأجهزة الأمنية.

اقتصادياً؛ تسعى الحكومة إلى تحقيق نمواً اقتصادياً كغاية جميع اقتصاديات العالم. فالنمو في كل شيء هو المعيار الذي يمكن من خلاله قياس مدى نجاحها رغم كل التحديات التي تواجه المستقبل الاقتصادي للبلاد. وعلى الرغم من قناعة الحكومة بضرورة تنويع مصادر الدخل؛ لا نجد على أرض الواقع مؤشرات زيادة هذه المصادر رغم المحاولات الجادة في هذا الشأن. حيث لا يزال اقتصادنا ريعياً، يستند على الموارد الطبيعية، في الوقت الذي اتجهت جميع الأدبيات الاقتصادية الحديثة إلى الاقتصاد القائم على الابتكار والمعرفة. والعديد من الدول اعتمدت الآن على محوري زيادة الإنتاج وزيادة فرص العمل للشباب في استراتيجيات النمو الاقتصادي، إلا أن الانتعاش في أسواق النفط قد ينسي الحكومة هموم البحث عن البدائل وعن تعزيز محوري زيادة الإنتاج وفرص العمل. لكن الشفافية في تناول الحكومة للقرار الاقتصادي وفي مقابل صحوة المتابعين من الاقتصاديين العمانيين؛ يبعث على الارتياح والتفاؤل في إيجاد رؤىً لحل جميع التحديات الاقتصادية للبلاد. حيث تتزايد الآن وتيرة الحديث عن تقوية ودعم “المؤسسات الصغيرة والمتوسطة”. بيد أن هذه المحاولات كثيراً ما تبعد عن إيجاد مفهوماً موازياً للمحتوى العماني المحلي لما يعرف بريادة الأعمال، وربطه بأسس الاقتصاد الإسلامي الذي بدأت تباشيره في عمان مؤخراً، والاستفادة من الإرث الضخم من أدبيات “الوقف الاسلامي” في تطوير مؤسسات الشباب.

أما عن الصعيد الثقافي والفكري؛ فعمان اليوم تنشط في مناخ معرفي أضحى أكثر إنارة، فمع دخول ما يعرف بالفكر “العقلاني” خط الحوار الوطني أصبح العقل أكثر تمجيداً، وعلى الرغم من تعارضه ورفضه قيود الروايات و “العنعنة الرجالية” إلا أنه في نظري أثرى الفكر الديني الأصولي كثيراً في عمان. فلم تعد تلك التشنجات السابقة المبنية على التقديس العاطفي للفكر الديني هي المحرك لدى العديد من المتدينين، ولم يعد يقنع الكثير منهم النزوح إلى تهميش العقل وتغليب النص أكثر من احترام الاتساق العقلي المنطقي مع تمجيد الأصل القرآني. إلا أن رواد المنهج العقلاني في عمان يغلب عليهم النزوح إلى المنازلات المبكرة مع الفكر الديني، الأمر الذي أراه شخصياً استباقاً في غير أوانه، حيث أن هذا المنهج لما يزل يتشكل في التاريخ الاسلامي، وكل المحاولات العلمية السابقة لم تبن جميع لبناته، ولا يزال بحاجة إلى تأصيل وتنظير أداوته البحثية، لأن الاتساق المنطقي وحده تحفه العديد من المشارب الفكرية التي يستقي منها أسس الاستقراء والاستنباط والاستنتاج التي إلى يومنا هذا لا تزال محل جدل واسع وسط العلماء في شتى ميادين العلوم، التي انعكست على رؤيتهم المتعددة في أخلاقيات العلوم والمعرفة، ومن الممكن أن لا يستطيع استيعابها المتلقي البسيط. ذلك أن الموقف الابستمولوجي لدى الباحثين لا يزال موقفاً هلامياً يستحيل تمييزه بسهولة من قبل القارئ العادي مما قد يخلط الكثير من المواقف الفكرية المترتبة عليه لاحقاً. إلا أن تغليب هذا المنهج في الحكم على الموروث من الروايات المتناحرة بين المذاهب الاسلامية بلا شك سيضع حداً للكثير من الصراعات التي مزقت الأمة الاسلامية طيلة القرون الأربعة عشر الماضية، ومن الممكن أن يبشر بعهد تنويري يعيد للعقل الاسلامي هيبته ويحرره من قيوده العتيقة.

وأما على صعيد الانتاج الفني والثقافي، فهناك انتعاش فني وثقافي في شتى الفنون والآداب. حيث نشهد ربيعاً عمانياً على مستوى الدراما والتمثيل التلفزيوني، وبوازيه في المقابل ربيع مسرحي عماني. لكننا نشهد نفس الإشكالية المزمنة في العمل الفني، وهي أن الكثير من هذه الأعمال لا تزال تتسابق لتحجز حيز الشاشة الرمضانية، ويلاحظ بشكل دقيق مدى النزق نحو تنفيذ الأعمال الفنية لاتمامها للشهر الفضيل. لكن هذا التنافس بلا شك سيخلق حالة صحية نحو الإجادة في الأعمال المقدمة، حيث تنزع الكثير من هذه الأعمال إلى الخروج من حيز المسلسلات ذات الشأن العماني، لتناقش قضايا على نطاق أوسع، وهذا طبعاً من باب الحاجة التجارية لتسويقها إلى أكبر عدد ممكن من القنوات الفضائية، الأمر الذي أتاح فرصة تلاقي العديد من الفنانين العمانيين بمجموعة من الفنانين العرب في أعمال مشتركة، وأعتقد أن هذه التجربة رغم سلبياتها على الشأن المحلي الخاص، إلا أنها على المدى البعيد ستثري التجربة العمانية، وهي مرحلة كانت من المفترض أن تقدم في المراحل السابقة للتجربة الدرامية العمانية.

والمشهد الرياضي في عمان هو من أكثر المشاهد عجباً، ففي الوقت الذي تحقق فيه منتخبات السلطنة الكروية إنجازاتها لا نرى ما يتحقق خارج نطاق كرة القدم إلا يسيراً. وأعتقد أن الرياضة العمانية لا تزال تترنح تحت وطأة المفاهيم والأولويات البطولية. وكثيراً ما حذرت شخصياً بجانب بعض الأخوة المتابعين إلى أن الرؤية الوطنية نحو الرياضة لا تزال ضبابية. فمحور “رياضة البطولات” الذي تنتهجه وزارة الشؤون الرياضية يخلط الأوراق بين عملها وعمل الاتحادات الرياضية، وأعتقد أن هذا المحور هو من اختصاص الاتحادات الرياضية وليس وزارة الشؤون الرياضية بكل تأكيد. أما دور الوزارة ينبغي أن ينصب حول مفاهيم أخرى مثل “الرياضة والمجتمع” و “الرياضة للجميع” و”الرياضة والاقتصاد الجغرافي” وغيرها. حيث يتم الاستفادة حاليا من الرياضة في تدعيم صحة المجتمع وتدعيم اقتصادياته وتدعيم أسسه الاجتماعية. وهي نطاقات واسعة لهذه الوزارة الفريدة لتحرث فيه الأرض الخصبة نحو المساهمة في عمليات التنمية الشاملة والمستدامة للمجتمع العماني. والحديث عن هذه النطاقات الأخرى غير نطاق “رياضة البطولات” يطول، لكن يمكن الإشارة إليه بتفسير السباق المحموم الذي تشارك فيه العديد من دول العالم نحو استضافة البطولات الرياضية العملاقة ككأس العالم والأولمبياد وغيرها.

أخيراً، الكشكول العماني زاخر بالعديد من أنشطة الحراك المجتمعي في شتى الميادين، هذا الحراك لم يكن سيتأتى لولا عناية الرحمن ووجود قيادة واعية ومجموعة كبيرة من المبادرين المخلصين في الميدان العماني. حيث ينشط عدد كبير من المبادرين الحقيقيين نحو تغيير المشهد العماني نحو الأفضل، والأجمل أن هناك تجاوباً وتناغماً بينهم وبين مؤسسات المجتمع الحكومية وغير الحكومية، وأصبح من الجلي تحديد خطوط المحتوى العماني الذي يفضح كل التغريدات القادمة من وراء البحار. وقد لعبت تقنيات التواصل الاجتماعي بلا شك في تفعيل هذا الحراك المتنوع والشامل في السلطنة، وأصبح الشباب وبعض المسؤولين في لقاء يومي ومباشر مع الكثير من التحديات اليومية التي تواجه المجتمع العماني، وقد يكون آخرها وليس أخيرها قضية “حوادث عمان” التي لا تزال تتناول من منظور أحادي الأسباب وهو “محور كفاءة السائق” في حين لا يزال محوري “بيئة الطريق” و”كفاءة المركبة” و”المسؤولية الاجتماعية” بعيدة عن البحث والاستنتاج. إلا أن النزعة الشبابية والمجتمعية نحو البحث عن الحقائق وهذه الصحوة الجميلة خلقت مناخاً بديعاً للعمل والمتابعة والإنجاز، وقضت على عقود طويلة من ثقافة “التذمر” وثقافة “السبلة” التي لم تكن تقدم حلولا بقدر ما كانت تؤلب الرأي العام نحو طرف على حساب أطراف أخرى، الأمر الذي أضفى الكثير من التعديلات الفكرية في الطرح الألكتروني أكثر انفتاحاً وتفاؤلاً.

الخامس والعشرون سياسة

عن الكاتب

Avatar

يوسف البلوشي

باحث في إدارة المعرفة والقدرات الابتكارية
جامعة ويلز – كاردف بالمملكة المتحدة