رماد شوزيت: في وداع بنغالي كان يَحْلِقُ الهواء

البارحة أحرقوا شوزيت  في بنغلاديش فتناثر رماد ذكراه في الردة  التي لا أظنني مبالغا إذا قلتُ إن جميع رجالها وأطفالها يعرفون شوزيت  .. لا يمكن أن تكون قاطنا في الردة ولم تحنِ رأسك مرة واحدة على الأقل لهذا  البنغالي العصامي الذي عرف الردة فعرفتْه ، وكلمها بقلبه فأسكتَتْه   .. مات شوزيت إذن وبالسكتة القلبية  وهو – نسبيا – في عز شبابه ، إلا إذا اعتبرنا الخمسين أرذل العمر! .. مات بعد أقل من سنة من موت حلاق آخر في الردة أيضا  –  بنفس السبب وفي نفس العمر تقريبا –  اسمه “دَلال”[1] ،  وبعد أسابيع قليلة كذلك من تعرض بابو صاحب محل الحلاقة المقابل تماما لمحل شوزيت لأزمة قلبية مماثلة جعلته طريح الفراش واضطرته لإجراء عملية .. بعض رجال الردة الذين يهوون فلسفة الأحداث على طريقة محللي الفضائيات الإخبارية يعتقدون  أن لوقوف هؤلاء الحلاقين الطويل على الأقدام  علاقة كبيرة بإسكات قلوبهم .. على أن هذا سيحتاج إلى علماء  وتجارب معملية لإثباته  والأسهل منه  إثبات أن الناس في الردة يموتون بثلاث طرق لا رابعة لها : إما واقفين ، وإما جالسين ، وإما نائمين .

حدث أن مات كثير من أعيان القرية دون أن ينتبه لهم أحد ، أما  شوزيت فلأن شعبيته واسعة فقد وضع كثير من الناس أيديهم على رؤوسهم ساعة سماعهم نبأ وفاته ، بعد أن كان هو الذي يضع يديه على رؤوسهم ليحلقها ، ليس أهالي الردة وحسب ، بل وأهالي القرى المجاورة كأم الجعاريف والديل بل وحتى الفرفار .  لا يمكن أن نقول إن شوزيت البنغالي لم يكن عمانيا وهو الذي قضى  في الردة أكثر من نصف عمره   ( 27 عاما ) بدأها كحلاق أجير لا حول له ولا قوة ولا مشط له ولا مقص  ، وختمها كصاحب محل حلاقة كبير يعمل تحت إمرته – وبإشارة من مقصه – عدد من أبناء جلدته .. مر عليه خلال هذا العمر آلاف الرؤوس : بيضاء وسوداء وبين بين ، رؤوس تحمل أفكاراً عبقرية وأخرى متخففة من أي ثقل ، رؤوس شيوخ وعبيد ونجارين وصيادين وفلاحين ونادلين ومدرسين ومديري مصانع ودكاترة ومفحطين، ومخبرين ، وباحثين عن دور ،  روؤس لتلاميذ مجدين يسهرون الليل في المذاكرة، وآخرين يسهرونه في متابعة مباريات ميسي ورونالدو.. رؤوس مرتفعة لعنان السماء وأخرى منخفضة خاضعة لتراب الأرض .. لا يعني هذا أن شوزيت هو الحلاق الوحيد ، ولكن لا يختلف اثنان – بشرط ألا يكونا أصلعين – أنه هو الأبرز والأشهر في قرية لا أدري حتى هذه اللحظة سر كثرة صالونات الحلاقة فيها . في مسافة 100 متر فقط – وبالقرب من محطة بترول الردة  – هناك سبعة صالونات : صالون شوزيت ، وصالون بابو ، وصالون دلال ، وصالون الشفرة السحرية ، وصالون الباكستاني لياقت ، وصالون الرجال للحلاقة. ، وصالون دنيا الحلاقة .   إن ذا لكثيرٌ ، خاصة على امرئ قضى تسعة أيام بلياليها يذرع لاس فيجاس بحثاً عن صالون حلاقة واحد بلا جدوى !! .. ولكن يبدو أن أهل الردة مهووسون بالتخلص من شعورهم لتبقى رؤوسهم نظيفة ..  ولو أن أحداً قام بإحصاء الشعرات التي اضطلع شوزيت فقط بقصها طوال أكثر من ربع قرن لتحدثنا عن ملايين الشعرات وربما مليارات ، فما بالكم بالحلاقين الآخرين ..  تحدث الشاعر الفرنسي بودلير في يومياته عن أنه يمكن القول إن  الناس يذهبون للنوم كل ليلة بجرأة غير معقولة لولا أننا نعرف أنها جرأة الجاهل بالخطر .  هذا الجهل بالخطر عينه هو ما يدفع أهل الردة للهرولة للحلاقين غير مدركين لخطورة أنه مع كل شعرة تسقط من رأس أحدهم فان جزءاً من الثانية يسقط من عمره ،  وعندما يكنس الحلاقون  أرضيات صالوناتهم  آخر الليل فإنهم لا يكنسون في  الواقع إلا أعمارنا الآفلة   ..

قبل سنة من وفاته لم يكن محل شوزيت كبيرا ، لكأنه أراد بتوسعته قبل أن يموت أن يوفر ظروف عمل جيدة لزملائه الأربعة  : بيدان ، وأوديب ، وميتول ، وكوشوم ، ابن أخيه الذي يفضل أخي محمود حلاقته على حلاقة شوزيت زاعما أن هذا الأخير لا تظهر المضاعفات السلبية لحلاقته إلا بعد يومين !! ! . لكن هذا الكلام في الواقع ينطوي على قدر كبير من التحامل   فمنذ بدأ يحلقني لا أذكر أن شوزيت جرحني مرة واحدة ، بعكس راجو الجبان ، الذي لا يكتفي بجرح زبونه بل ينهره أيضا كإجراء احترازي يستبق الثورة العارمة التي قد تصدر عن هذا الزبون ، على طريقة “جرحني وبكى ، وسبقني و…. ” .. هذا تصرف جبان ما كان شوزيت ليقترفه لو افترضنا جدلاً أنه جرح بالخطأ[2] أحد زبائنه يوما ، ذلك أنه من النوع الذي لا يخجل من مواجهة أخطائه ، أو على الأقل هذه هي فكرتي عنه .. ولكني أعذر محموداً في رأيه المتطرف هذا  لأنه جرب حلاقة الباكستاني فهيم صاحب “الشفرة السحرية” ، وهذا لا يضاهيه في الردة حلاق ، ولا حتى شوزيت نفسه ، لدرجة أن أحد أعيان الردة عرض عليه – أي على فهيم – خمسين ريالاً ليقوم بحلاقةٍ “دليفري”لأبيه عشية أحد الأعياد ، وكم احترمتُ هذا الـ”فهيم” الذي رفض العرض المغري احتراماً لزبائنه الذين ينتظرون دورهم في مقاعد الصالون في ليلة لا يمكن تأجيل الحلاقة فيها إلى الغد ..

شوزيت كان من الممكن أيضا أن تحجز موعدك لديه في ليلة العيد عندما كان في عز عنفوانه ، حتى ولو كان هذا الموعد هو الثانية أو الثالثة صباحا .. أما في أيامه الأخيرة فكان واضحاً اعتماده على زملائه الأربعة مكتفيا بفضيلة الإشراف والمتابعة .. في لقائنا الأخير في صالونه كان باديا عليه الإنهاك والتعب ، كان مسترخياً في كرسيّه ويكتفي بإطلاق تعليق هنا أو عبارة هناك .. وعندما حان دوري أسلمني لزميله أوديب الذي لا علاقة له بالمناسبة برجل الأسطورة اليونانية الذي قتل أباه بالخطأ ثم تزوج أمه دون أن يعرف أنها أمه !.. كنتُ في قرارة نفسي لا أتمنى أن يحلقني إلا شوزيت ولكني لم أشأ أن ألح عليه بعد ما رأيته من شحوب وجهه .. ولو أني كنتُ أعلم أن هذا هو اللقاء الأخير لأصررتُ عليه ، وكان سيتحامل على نفسه وسيحلقني .. عندما تصر  على حلاق بعينه من بين عدة خيارات فالمؤكد أنه سيعتبر هذا اعترافاً بأهميته وخبرته .. سيسعد بذلك لا شك ، كأنك تصر على  مطرب أن يعيد أغنية بعينها ، أو تطالب شاعراً أن يعيد القصيدة نفسها  .. قد يكون من المبالغة استدعاء الشِعْر عند الحديث عن الشَعْر غير أن المؤكد أن شوزيت كان ذا لمسة حريفةتجعلك تشعر براحة نفسية عندما يتولى حلاقتك، يشهد على ذلك الأطفال الذين لا يجيدون تزويق مشاعرهم ولا تزييفها بل تظهر هكذا  بشكل عفوي.. فمثلاً كان عمار بن هلال  ( ابن أختي ) ذو السنوات الثلاث يجلس على  أحد كراسي الانتظار بانتظار فراغ أبيه من الحلاقة بيد أحد زملاء شوزيت .. لم يكن هلال ينوي حلاقة  رأس عمار هذه المرة  إذ لم يمض أسبوع على حلاقته  الأخيرة من قِبَل شوزيت لا غيره .. بيد أن عماراً ما إن رأى زبون شوزيت يترجل من الكرسي حتى وثب بسرعة وجلس  مكانه وطلب من شوزيت أن يحلقه ، رغم أنه – أي عمار –  لم يفعل هذا الأمر عندما شغرتْ مقاعد زملاء شوزيت  .. نظر  هذا الأخير لهلال الذي  رشق شوزيت بغمزة ففهمها وهي طائرة .. قام برش الماء على رأس عمار وهو يداعبه ، ومشط شعره ، وأمسك بالمقص وطفق يحلق الهواء ، فيما يبتسم عمار المسكين منتشيا بالحلاقة الوهمية !   .. ثمة عبارة شعبية مصرية تصف خداع شخص لشخص آخر بالقول : “حلق له ” ، هنا حلق شوزيت لعمّار بهذا المعنى المصري للكلمة .. ولا أدري ما علاقة الحلاقة بالخداع ، ولكن يبدو أن هذه الفكرة السيئة عن الحلاقة ترسبتْ في لاوعي العمانيين من فرط ما شاهدوا مسلسلات وأفلاماً مصرية ، فلا نجد عمانياً واحداً في مهنة حلاق ، رغم عشرات الألوف من العاطلين الذين تسميهم الحكومة باحثين عن عمل ، في حين أنهم لا يبحثون ولا هم يحزنون .. العماني لا “يحلق” لأخيه ولا يخدعه لأنه “طيب” ، ثم أن العماني متحفظ ، لا يبدي أفكاره – ما حَسُن منها وما قَبُح – لأخيه العماني مخافة الحسد وأشياء أخرى، ولكن لا ضير أن تطير هذه الأفكار من رأسه أمام حلاق هندي أو بنغالي أو باكستاني ، فهؤلاء في النهاية أغراب ولا يجيدون اللهجة العُمانية التي تتحدث بها هذه الأفكار ! .

اللهجة العمانية بالمناسبة هي أول تعرفي على شوزيت وأول سوء فهم بيني وبينه .. كان ذلك منذ سنوات طويلة لا أذكرها بالضبط  ولكن لا تقل عن العشرين على أية حال .. وإذا كان اللقاء الأول هو الذي يحدد عادة شكل علاقتنا المستقبلي بالشخص الذي نقابله فان لقائي الأول بشوزيت أسهم بشكل كبير في اتخاذي موقفا سلبيا منه ، لم يتغير إلا في السنتين الأخيرتين من حياته.. أذكر ذلك اليوم جيدا ..  كان في نهاية ثمانينيات القرن الماضي أو بداية تسعينياته ربما  ، وكنتُ على مقعد الحلاقة بين يدي شوزيت الذي يحلقني ويثرثر كعادته.. وكان ناصر بن خميس ينتظر دوره في الحلاقة ويثرثر هو الآخر عندما قال شيئا لم أعد أذكره الآن ولكنه بدا غير معقول أو قابل للتصديق من قِبَل شوزيت ، فقال لناصر بطريقة عفوية : ( … ) .. توقعتُ لحظتها أن تُغضِب تلك الكلمة العمانية النابية التي لا يقولها إلا رَدِّيٌّ ( من الردة ) قح ناصراً وتجعله يثب من مقعده ليُمسك بخناق الحلاق ، لكن شيئا من ذلك لم يحدث !   .. ربما لأن ناصراً حليم ، وربما لأنه كان معتادا على بذاءات الحلاقين .. منذ ذلك اليوم ارتفع جدارٌ ما بيني وبين  شوزيت  أعلى بكثير من جدار مصنع الثلج المجاور .. . بدا لي سوقيا وثرثارا أكثر مما ينبغي لحلاق ، خاصة وأن الصورة النمطية للحلاق لدي في ذلك الوقت هي شخصية راجو : الرجل الصامت الذي تكاد تظنه من شح كلامه أخرس .. ولكن ، ألا يحق لشوزيت أن يتكلم بغير المقص ؟! ..   الآن بعد هذه المسافة البعيدة عن هذا البنغالي الذي لا أدري في أي نهر تناثر رماده اليوم أستطيع أن أقول إن ما عدَدْتُه قبل عشرين سنة عيبا لم يكن في الواقع إلا ميزة .. تلك الثرثرة  هي سر أسطورة شوزيت .. فقد جمع ما بين سلاطة لسان “حلاق اشبيلية” ، وسحر حكايات “الحلاق  الذي قضم النمر رأس عمه” في قصة وليام سارويان.. بل انه إلى هذا الأخير أقرب ، ذلك الحلاق المميز بمشيته وطريقة كلامه وحركاته ، والذي يستقبلك بفنجان قهوة وشيء من الدهشة كونك لم تزره في صالونه من قبل وهو الشخصية ذات الأهمية الكبرى في المدينة .. سيطلب منك أن تجلس وتستريح “فلن يطول شعرك خلال ساعة” ، ويبدأ إخبارك عن العالم بحنكة رجل مجرب.. الفرق أن شوزيت لن يحكي لي عن عمه الذي قلبت له الدنيا ظهر المجن واضطرته بعد أن كان مصارعا كبيرا يخشاه الجميع أن يعمل في سيرك وتكون مهمته إدخال رأسه في فك نمر  سيمهله بعض الوقت قبل أن يقضمه ذات مزاج سيء ، تماما كما يفعل الموت بنا عادةً ، بل إن شوزيت سيحكي لك عنك إذ يحكي عن نفسه ، سيقول مثلاً  إن فلان الفلاني صدمته اليوم سيارة  عند التقاطع ومات ، سيتحدث عما يجري في دوار الكرة الأرضية بصحار وسيحلله كأي سياسي محنك .. وسيسرد لك أن أحد الوزراء السابقين أسلمه ذقنه اليوم فحلقه بخمسة ريالات مرة واحدة !! ، سيتحدث بمرارة  حكيم عن الزيف الذي يعيشه الإنسان حتى في مأكله ومشربه.. سيقول لك إن الأمراض تكاثرت على الناس اليوم لأن كل مأكولاتهم غير صحية : “دجاج فيه  دوا ، طماط  فيه دوا ، كلش في دوا ” قاصداً بهذا “الدوا” الإضافات الكيميائية المسببة للأمراض .. سيحكي عن حنينه لابنتيه دون أن يحاكي مطلقاً حلاق محمود الرحبي الرخو الذي تسقط دمعته من الحنين على خد زبونه ! .. سيسألني عن أخي سيف إن كان عاد من بريطانيا ولن ينسى أن يجري مقارنة بين احترام الناس للوقت هناك وعدم اكتراثهم به هنا .. وإذا كان جدار مصنع ثلج الردة قدهشمه ذات صباح سائق لكزس نصف سكران فان جدار شوزيت حطمه هو بنفسه بهذه التفاصيل الصغيرة التي يقول عنها فرناندو بيسوا  إنها تمتلك استقلالها المطلق عن أي ارتباط قذر بالواقع .. ألا يكفي مثلاً أن أغيب عدة سنوات عن صالونه ، لكوني اعتدتُ الحلاقة في مسقط ، فيقابلني بالترحاب ويخاطبني بود : “خوين[3] أنته سوليمن ؟”   كيف لم ينسَ اسمي طوال هذه السنوات ؟! ألا يكفي أن يطلب من زملائه خفض صوت الأغنية الهندية في التلفاز بمجرد أن يتناهى إلى أذنه صوت الأذان ، وهو الرجل البانيان ؟! .. ثمة تفاصيل كهذه تجبر المرء على حب شوزيت واحترامه ، سواء من أهل الردة – حتى وان لم يتفقوا تماما عليه كحلاق ممتاز –  أم من أبناء جلدته البنغاليين الذين تجمهروا عند مثلث الردة لإلقاء النظرة الأخيرة على جثمانه القادم من مستشفى صحار والذاهب إلى مطار مسقط في صندوق لم يكلف”أربابه” ود المحمودي بيسة واحدة ، بعد أن تبرع بثمنه أحد البنغاليين الذين كان لشوزيت أياد بيضاء عليه ولسان حاله يقول : “نحن أولى بشوزيت منكم يا أهل الردة ” ! . هناك تحلقوا حول الجثمان زرافات : فلاحون ، وبنّاؤون ، وحلاقون ، يترنمون في دواخلهم : “أنت السابق يا شوزيت ونحن اللاحقون” ، بعضهم كان قد فرغ لتوه من تسجيل صوته في شريط كاسيت ليرسله إلى البلاد البعيدة ، والبعض الآخر بات يسخر من هكذا تسجيلات لم يعد بحاجة إليها في زمن الواتس أب.. البنّاؤون محدودبو الظهور ، والحلاقون منفوشو الشعر ، وكأنهم يريدونك أن تتساءل : إذا كان باب النجار “مخلّع” ألا يصير أن مقص الحلاق مثلوم ؟! .. والروائح التي تنبعث من أجسادهم الكليلة ما كنتَ لتتغاضى عنها لولا هيبة الموت ..في موقف آخر كنتَ بمجرد تسرّب هذه الرائحة إلى خياشيمك ستذكّر شوزيت بتأفف بالقانون الذي سنّته بلدة واترلو التابعة لولاية نبراسكا الأمريكية ، والذي يمنع الحلاقين من أكل البصل بين السابعة صباحا والسابعة مساء ، وستضيف إليه من عندك : “مع ضرورة استعمال مزيل العرق في الفترة المذكورة” .. سيبتسم بمكر وسيقول : سنتفاهم بعد أن أفرغ من حلاقة هذا الأصلع .. والمؤكد أن حلاقاً ذا حس إنساني مرهف كشوزيت سيطلب من زبونه الأصلع هذا نصف الأجر فقط دون أن يخشى جرح مشاعره وإثارة شعوره بنقص الشَعر ، ففي النهاية ليس كل الزبائن ادواردو غاليانو  ، ولن يحتاج شوزيت إلى ثقافة عالية ليعزي زبونه بطريقته الخاصة أنْ لو كان الشعر مهمّا لنما داخل رؤوسنا لا خارجها .

ما يُحزنني من أمر شوزيت أن عينه أغمضت للأبد قبل أن ترى اليوتيوب الذي طالما حثثتُ أخي خالداً على أن يريَه إياه ، خاصة وأن علاقة خالد به مميزة ..   أو هكذا كنتُ أظن قبل أن أعرف أن خالداً ينفذ إضرابا مفتوحا عن شوزيت ويعاقبه ببابو!! ، لأن الأول لم يستجب لرغبة خالد المستعجلة في حلاقة سريعة متجاوزة لأدوار الآخرين !! .. خلال فترة الإضراب هذه كان شوزيت يسأل مراراً عن خالد ويبعث له المراسيل ليعود ، فعاد ولكن كتطييب للخاطر أكثر منه زبونا ، سلام من بعيد فقط مخافة الإصابة بالعدوى بالـ hepatitis الذي أصيب به شوزيت وجعل الدم يخرج من أذنه أحيانا .. كان عليَّ أن أستجمع شجاعتي وأريه الحلقة بنفسي .. لماذا كنتُ متهيباً من ردة  فعله لهذه الدرجة ؟! .. لعله كان سيسعد أنه أول حلاق في عُمان – على كثرتهم – تجسد شخصيته في مسلسل كارتوني .. لعله كان سينظر إلى النصف المليء من زجاجة الكولونيا الرخيصة :  ثمة كاتب أراد أن يجسّد شخصية حلاق فكان شوزيت هو النموذج ..  لا فهيم ، ولا بابو ، ولا راجو ، ولا ميثول ، ولا كشوم ، ولا أوديب ، ولا بيدان .. ولعله كان سيطلب أن أرسل له المقطع على هاتفه النقال .. ولعله سيفرح حين يفهم من السياق أن هذا الحلاق تسبب  في تشويه أنف عضو مجلس الشورى بالندبة السوداء التي تركتها ماكينته في أنفه ، خاصة إذا ما تبرع أحدهم بإيهامه  – ولو على سبيل الاستظراف – أن هذا العضو الذي يجسده عارف البرذول هو كفيل الحلاق المنافس بابو .. ولعله – أي شوزيت – سيغضب وسيطلق شتيمة نابية كتلك التي هتف بها في حضور جميع زبائنه فأضحكتْهم عندما سمع صراخ عجلات سيارة “تفحط” في الشارع المقابل لمحله متذمرا من عدم استطاعته النوم ليلا في غرفته التي تقع خلف محل الحلاقة بسب هؤلاء المفحطين المراهقين الأوغاد .. حينها سأحلف له أن راجو هو الذي ألهمني هذه الندبة وليس هو .. نعم .. أنها ندبة راجو في أنفي تجسدت على الورق .، ولكني لم أشأ أن أسمي الحلاق راجو لأنه ليس ثرثارا كما تتطلب الشخصية .. كلا .. لا تفهمني خطأً يا شوزيت : أقصد أنك ترفع الكلفة مع زبائنك وتتحدث كثيرا إليهم ولا تتحرج من سؤالهم عن خصوصياتهم ، وهذه هي الصفات التي كنتُ أريدها في ذلك السرد.. ثم انك الحلاق الذي يشعر زبائنه بالألفة إليه فيعطونه أسرارهم الشخصية ، تماما كحلاق اللاعب سيسك فابريغاس الذي عرف قبل الجميع أن زبونه سينتقل إلى برشلونة لأنه لا يحب ريال مدريد ولا تشيلسي .. ودعْني أَقُلْ شيئا أثق أنه سيصل إلى رمادك : ذلك الحلاق لم يظهر إلا ثواني معدودة في بداية الحلقة ولكن حبكتها كلها ما كانت لتقوم بدونه .. ألا يشعرك بالزهو أن تكون على الشاشة – كما كنت في الحياة – ضيفاً خفيفا  عابراً ولكن بتأثير بالغ ؟! .. .. بلى ، لشوزيت أن يزهو  أنه ترك بصمته في الردة التي دخلها شابا فمنحها ما تبقى من عُمُره فوهبتْه هي بدورها رؤوس أهلها ، تمرغ في رمل شاطئها ولسان حاله حكمة ابن بلاده الشاعر البنغالي الكبير طاغور ، المتفائل بطريقته الخاصة : “إذا لم أقصد العبور من أحد الأبواب فسأقصد بابا آخر ، أو أصنع بابا” .. صنع شوزيت بابه ومضى دون أن يقبض على لؤلؤة الردة العصية ، سعيداً – مع هذا – بشرف المحاولة ، شيء من روحه باق يضمخ المكان .. أما الجسد الفاني فاحترق بالنار في بنجلاديشوتناثر رماد ذكراه في الردة .

1

ة


[1]   حاولت معرفة السبب في تسمّي بنغالي بهذا الاسم العربي الأنثوي : دلال ، فوجدتُ عددا من الرويات المتناقضة ، احداها  أن هذا الحلاق كان يهوى أن يدندن أغاني بنغالية أثناء حلاقته لرؤوس زبائنه فكان أن أطلق عليه أحدهم تهكماً اسم  دلال أشهر مطربة في صحم في الثلاثين سنة الماضية ، ورواية أخرى تقول انه كان يدلل زبائنه ويمسح على رؤوسهم بحنان ولذلك سمي بـ”دلال” ، وفريق ثالث يرى أن اسم “دلال” هو تحريف لاسمه البنغالي ، كعادة العمانيين عندما  يعربون الاسم الأجنبي حتى وان بدا للوهلة الأولى عصيا على التعريب ، كأن يطلقوا على المكتب أو الـ office حفيس ،   وعلى  الـover time  وار تيم .. وعلى المصباح أو الـ lightـ  “ليت” وهلم جرا

[2] من نافل القول أن أقول بالخطأ فلا أحد يتصور أن يجرح حلاق زبونه بالعمد إلا إذا كان مجرما ، أو بطلاً لأحد أفلام الرعب .. وأظن أن ميلي للهدوء  والصمت أثناء الحلاقة والحلم على غلطات الحلاقين البسيطة هو ذلك الرعب الجواني الدفين  الذي يجعلتي أتساءل داخلي بخوف وأنا على كرسي الحلاق : ماذا لو واتتْه الآن فكرة مجنونة أن يشرط رقبتي بموساه ؟! .. آه ، يا الهي .. من الأفضل أن أغمض عيني لأبعد هذا الخاطر المرعب

[3] أداة الاستفهام العمانية “وين” التي تعني “أين” يسبقها البنغاليون عادة بحرف الخاء لتتحول الى “خوين”

أدب الخامس والعشرون

عن الكاتب

Avatar

سليمان المعمري

اديب وكاتب