فانظروا كيف بدأ الخلق

لـ
فانظروا كيف بدأ الخلق
خالد بن مبارك الوهيبي
(قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت:20) في هذه الآية يأمرنا الله تعالى بالسير في الأرض والنظر في كيفية الخلق، إذن لدينا من هذه الآية معطيان:
– أن أمر الله بالنظر في كيفية نشأة الخلق يدلنا على أن كثيراً من الحلقات في سلسلة موضوع نشأة الخلق لا تزال لغزاً لم يكشف الله لنا في كتابه عن معالمها، والمطلوب من الأمة سواء كانت أمة الإجابة أو أمة الدعوة – بقدر الوسع والاستطاعة – أن تنبش الأرض وتنظر في الدلائل التي لا تزال مخبوءة عن أصل نشأة الخلق، بما فيها أصل نشأة الإنسان.
– ربط هذا البحث بالمعاد (ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ)، فالبحث في أصل الخلق يكشف عن حقيقة الخالق المدبر لهذا الكون، والذي أوجد كل الكائنات من العدم، وهو كذلك القادر على إحيائها بعد مماتها.
قصة الإنسان
منذ أن طرح عالم الأحياء البريطاني تشالز دارون نظرياته عن أصل الكائنات عام 1859م ومنها الكائن البشري؛ شغلت هذه النظريات العالم، وانقسم الناس حولها بين مؤيد ومعارض لها، ولا يخفى أن الظرف التاريخي زاد الطين بلة، فقد كان الصراع على أشده بين الأفكار المادية والعقائد الدينية، فبظهور نظريات دارون ازدادت سخونة الصراع، واستثمرت أفكار دارون في الإجهاز على العقائد الدينية، ودخلت في هذا الصراع كل الأطراف، فقد استفزت نظريات دارون المسيحيين واليهود والمسلمين على السواء، وهوجمت بشراسة منقطعة النظير، ولم تهدأ تلك الهجمة رغم مرور تلك السنين الطويلة على طرح دارون.
لا يعنينا كل ذلك، وما نحاول التركيز عليه هو كيفية تعاملنا مع قضية أصل نشأة الإنسان، وما هي المحددات التي وضعها لنا القرآن للتعامل مع هذا الموضوع الشائك الذي يكتنفه الغموض من كل جانب.
أولاً: أصل الخلق من الموضوعات التي لم يكشف لنا القرآني كل تفاصيلها، وإنما أعطانا من الإشارات ما نهتدي به، خاصة وأن تراث أهل الكتاب الذي سيطر على الساحة الدينية قبل بعثة النبي عليه السلام ملئ بالأساطير والخرافات في هذا الشأن، وهذا في نظري ما جعل القرآن يعطي المؤمن ما يكفيه من الإشارات في هذا الموضوع للهداية والعبرة دون الخوض في التفاصيل.
ثانياً: أمرنا القرآن بالكشف عن تفاصيل نشأة الخلق بالسير في الأرض والنظر (قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت:20) .
والمشكلة التي شوشت على هذين الأصلين في هذا الموضوع هي المرويات الإسرائيلية التي ألصقت بالدين والتي حفلت بها كتب التفسير والحديث، فصار القرآن يُقرأ وفقاً لضغطها، أما السير في الأرض والنظر فقد طوحت به هذه الإسرائيليات، ولم يعد له اعتباره إلا في القرون الأخيرة لما بدأ الأوروبيون نهضتهم الكونية.
والإشارات الواردة في القرآن في قصة أصل خلق الإنسان هي ما قصه الله علينا من نبأ آدم، ومن ذلك:
– قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ، وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) (البقرة:30-33).
– قوله تعالى: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ) (السجدة:7-9)  1. هذه الآيات وغيرها من الآيات التي تتحدث عن إنسان خلق من طين ونفخ الله فيه من روحه.
2. وعلمه الأسماء كلها، أي أعطاه القدرة على تسمية الأشياء بسماتها، وهذه ميزة في هذا المخلوق القادر على توسيع دائرة معلوماته، بعكس الملائكة التي قالت: (لا علم لنا إلا ما علمتنا).
3. لكن لم يتحدث القرآن نفياً أو إثباتاً عن وجود بشر آخرين سبقوا أو عاصروا آدم، وهذه نستطيع القول باطمئنان إنها من المسكوت عنه في القرآن. رغم أن البعض يرى أن هناك إشارات تدل على وجودهم قبل بما قالته الملائكة: (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:30) فكأن هناك من البشر سبقوا آدم سفكوا الدماء وأفسدوا في الأرض، فخافت الملائكة أن يكون هذا المخلوق الجديد على غرار السابقين.
غلطة دارون وغلطة المفسرين لننحي جانباً كل الأفكار التي طرحا دارون، ونركز فقد على قضية تطور الإنسان التي طرحها من خلال كتابه نشأة الإنسان (Descent of man):
– رأى بعضهم أن دارون قال بوضوح إن الإنسان تطور عن القرد
– ويرى آخرون أن التدقيق في عباراته يدل على أنه يرى أن الإنسان والقرد تطورا عن أصل واحد مشترك.
ومهما يكن الأمر فإن هناك ربطاً تم بين الإنسان والقرد في عملية التطور، واستثمر هذا الربط في الأدبيات المادية في خلخلة القيم والأخلاق والعقائد طوال أكثر من 100 سنة مضت، وسواء كان دارون مدركاً لذلك أو لا.
دارون اعتمد على ملاحظات كونية من خلال ما توفر لديه من معطيات في زمنه، ووصل إلى تلك النتائج التي اصطدمت بموروث تاريخي لدى اليهود والمسيحيين والمسلمين، فمثلاً اليهود والمسيحيون يرون أن الكائنات الحية موجودة بالصورة التي هي عليها الآن منذ بدء الخليقة دون أي تغيير مثلما تحدث العهد القديم، فدارون أشار إلى أن عمر الأرض يقدر بمئات الملايين من السنوات اعتمادا على الحفريات التي كانت متاحة في عصره.
فهم يعتقدون أن عمر الأرض لا يتجاوز (6000) سنة، ونظرية دارون هدمت لهم هذا المعتقد بالقول إن عمر الحياة البشرية يصل إلى ملايين السنيين، أما الغالبية العظمى من المسلمين فرأوا أن نظرية دارون –كما تصوروا– تهدم الأصل الذي يعتقدونه من خلال المرويات في كتب التفسير أن آدم هو أول البشر على الإطلاق، ليس بمتطور عن قرد أو يشترك مع القرد في الأصل الذي نشأ عنه.
دارون في نظري كان أكثر وفاء لنهج النظر في كيفية بدأ الخلق رغم النتائج الخاطئة التي توصل إليها، وهذا النهج هو الذي صحح من بعد لدارون أخطاءه، وكشف الكثير من أسرار خلق الإنسان.
إذا كان دارون مخطئاً في بعض نتائجه التي قال بها، فإنه ليس الوحيد في هذا المضمار، فمثلاً المفسرون المسلمون وقعوا في أمور لا تقل فداحة عما وقع فيه دارون فيما يتعلق بقضية أصل الإنسان، والتي اعتمدوا فيها بالكلية على استجلاب موروث أهل الكتاب، وهو موروث خرافي لا يمت بصلة إلى وحي السماء، وهذا الطابع الخرافي فتنة للناس وصد لهم عن دين الله.
لنأخذ بعض الأمثلة على ذلك من تفسير الطبري-وهو من أوسع التفاسير وأقدمها-
1. وعن ناس من أصحاب النبـي صلى اللـه عليه وسلّم: (لـما فرغ اللـه من خـلق ما أحبّ، استوى علـى العرش، فجعل إبلـيس علـى ملك سماء الدنـيا، وكان من قبـيـلة من الـملائكة يقال لـهم الـجنّ وإنـما سموا الـجنّ لأنهم خزّان الـجنة. وكان إبلـيس مع ملكه خازنا، فوقع فـي صدره كبر وقال: ما أعطانـي اللـه هذا إلا لـمزية لـي هكذا قال موسى بن هارون، وقد حدثنـي به غيره، وقال: لـمزية لـي علـى الـملائكة فلـما وقع ذلك الكبر فـي نفسه، اطلع اللـه علـى ذلك منه، فقال اللـه للـملائكة: إنّـي جاعِل فِـي الأرْضِ خَـلِـيفَةً قالوا: ربنا وما يكون ذلك الـخـلـيفة؟ قال: يكون لـه ذرية يفسدون فـي الأرض ويتـحاسدون ويقتل بعضهم بعضا قالُوا رَبَّنا أتـجْعَلُ فِـيها مَنْ يُفْسِدُ فِـيها ويَسْفِكُ الدّماءَ ونَـحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ قَالَ إنّـي أعْلَـمُ مَا لاَ تَعْلَـمُونَ يعنـي من شأن إبلـيس. فبعث جبريـل إلـى الأرض لـيأتـيه بطين منها، فقالت الأرض: إنـي أعوذ بـاللـه منك أن تنقص منـي أو تشيننـي فرجع ولـم يأخذ وقال: ربّ إنها عاذت بك فأعذتها. فبعث اللـه ميكائيـل، فعاذت منه فأعاذها، فرجع فقال كما قال جبريـل. فبعث ملك الـموت، فعاذت منه فقال: وأنا أعوذ بـاللـه أن أرجع ولـم أنفذ أمره. فأخذ من وجه الأرض وخـلط، فلـم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبـيضاء وسوداء فلذلك خرج بنو آدم مختلفـين…).
2. عن ابن عبـاس، قال: (كان إبلـيس من حيّ من أحياء الـملائكة، يقال لهم «الـجن» خـلقوا من نار السموم من بـين الـملائكة، قال: وكان اسمه الـحرث. قال: وكان خازنا من خزان الـجنة. قال: وخـلقت الـملائكة كلهم من نور غير هذا الـحيّ. قال: وخـلقت الـجنّ الذين ذكروا فـي القرآن من مارج من نار، وهو لسان النار الذي يكون فـي طرفها إذ ألهبت. قال: وخـلق الإنسان من طين، فأوّل من سكن الأرض الـجنّ، فأفسدوا فـيها وسفكوا الدماء، وقتل بعضهم بعضا. قال: فبعث الله إلـيهم إبلـيس فـي جند من الـملائكة، وهم هذا الـحيّ الذين يقال لهم «الـجنّ»، فقتلهم إبلـيس ومن معه حتـى ألـحقهم بجزائر البحور وأطراف الـجبـال. فلـما فعل إبلـيس ذلك اغترّ فـي نفسه، وقال: قد صنعت شيئا لـم يصنعه أحد. قال: فـاطلع الله علـى ذلك من قلبه، ولـم تطلع علـيه الـملائكة الذين كانوا معه فقال الله للـملائكة الذين معه: إنـي جاعِلٌ فـي الأرْضِ خَـلِـيفَةً فقالت الـملائكة مـجيبـين له: أتَـجْعَلُ فِـيها مَنْ يُفْسِدُ فِـيها وَيَسْفِكُ الدّماء كما أفسدت الـجن وسفكت الدماء؟ وإنـما بُعثنا علـيهم لذلك. فقال: إنـي أعْلَـمُ ما لا تَعْلَـمُونَ يقول: إنـي قد اطلعت من قلب إبلـيس علـى ما لـم تطلعوا علـيه من كبره واغتراره، قال: ثم أمر بتربة آدم فرفعت، فخـلق الله آدم من طين لازب واللازب: اللزج الصلب من حمأ مسنون منتن. قال: وإنـما كان حمأ مسنونا بعد التراب. قال: فخـلق منه آدم بـيده. قال فمكث أربعين لـيـلة جسدا ملقـى، فكان إبلـيس يأتـيه فـيضربه برجله فـيصلصل أي فـيصوّت قال: فهو قول الله: مِنْ صلْصَالٍ كالفَخَّارِ يقول: كالشيء الـمنفوخ الذي لـيس بـمُصْمِتٍ، قال: ثم يدخـل فـي فـيه ويخرج من دبره، ويدخـل من دبره ويخرج من فـيه، ثم يقول: لست شيئا للصلصلة، ولشيء ما خـلقت ولشيء ما خـلقت لئن سلطت علـيك لأهلكنك، ولئن سلطت علـيّ لأعصينك. قال: فلـما نفخ الله فـيه من روحه، أتت النفخة من قِبَل رأسه، فجعل لا يجري شيء منها فـي جسده إلا صار لـحما ودما. فلـما انتهت النفخة إلـى سرّته نظر إلـى جسده، فأعجبه ما رأى من حسنه، فذهب لـينهض فلـم يقدر، فهو قول الله: وكانَ الإنْسانُ عَجُولاً…).
3. روى الطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : (لاَ تُقَبِّحُوا الوَجْهَ فًّانَّ ابْنَ آدَمَ خُلِقَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمنِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى).
نظريات في أصل خلق الإنسان
قدمت في السنوات الأخيرة في الأوساط الإسلامية نظريات عدة في تفسير أصل خلق الإنسان، وهي محاولات جيدة في مجملها، لكن تحتاج في كثير من جوانبها إلى السير في الأرض والنظر، كي تكون بمثابة البراهين العملية على إثبات النظريات التجريدية، ومن أبرز هذه النظريات:
– نظرية د/عبدالصبور شاهين في كتابه (أبي آدم)
– نظرية جميعة التجديد الثقافية البحرينية في كتاب (كما بدأكم تعودون)
1. أبي آدم، عبدالصبور شاهين
هذه النظرية طرحت في تسعينيات القرن الماضي وأثارت ضجة كبيرة في وقتها، إلا أنها حركت الأذهان تجاه مزيد من البحث في هذا الموضوع، يرى عبد الصبور شاهين أن:
– (منطوق القرآن ومفهومه يؤكدان وحدة الخلق البشري الذي بدأ بأول بشر خلق من طين)اهـ، أي أنه يرى بدأ الحياة العاقلة منذ آدم.
– لكن (لا مانع في نظرنا من أن نتصور البشر الأول بلا وظيفة سمع ولا بصر ولا فؤاد، ثم كان ذلك في مراحل مختلفة على طريق استكمال مقومات هذا الخلق البشري)اهـ والكاتب يشير هنا إلى قول الله عز وجل: (هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً، إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً) (الإنسان:1-2)، فيرى أن تخليق البشر الأوائل قد تم بمواصفات مختلفة عما عليه آدم، تطوروا بعدها إلى المرحلة الآدمية (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً) (نوح:14) .
– أما اللغة فيرى المؤلف أن (اللغة من أخطر مقومات هذا الخلق، ويبدو أنها بلغت درجة من الكمال في المرحلة الآدمية الحاسمة، حتى تفوق آدم على الملائكة في أول اختبار، لقد كانت مرحلة هائلة!! تلك التي استغرقها خلق البشر وتسويته وتزويده بالملكات العليا التي أصبح بها إنساناً… لقد استغرقت هذه الملحمة ملايين السنين، ولكنها مرت ظلاماً في ظلام، أو غيباً في غيب، حتى أذن الله للصبح أن ينبلج، فأشرق الإنسان من سلالة البشر، واكتمل الخلق وجاء آدم) اهـ، بتصرف.
– بل يذهب د/عبدالصبور إلى ما هو أبعد من ذلك، فلا يستبعد أن يكون لآدم أبوين، (ليس غريباً أن نتصور بناء على هذا أن آدم جاء مولوداً لأبوين، وأن حواء جاءت كذلك) اهـ.
– وفي خاتمة ما طرحه قال: (إن هذا التصور لا يتصادم مع حقيقة خلق الإنسان من طين. ذلك أن الخلق الذي بدأ منذ ملايين السنين بالجسد الطيني؛ كان هدفه النهائي والوحيد خلق آدم، وكل ما مضى من أحداث بين التاريخين-إن كان ثمة تاريخ- إنما هو وقائع بناء جسد آدم وعقله وروحه وملكاته وخصائصه، وقد تم ذلك كله في غيبوبة الزمان، حيث استوى الصفر والمليون، فما هي إلا سنة استمرت بضعة ملايين من السنين حتى استوى الإنسان.. آدم.. الذي نبت في التراب، وانبثق من الأرض، لقد تبددت الأحداث والوقائع ولم يبق منها سوى الحقيقة الترابية) اهـ
2. كما بدأكم تعودون، جمعية التجديد الثقافية البحرينية
والنظرية التي طرحتها الجمعية-وهي مؤسسة ثقافية اجتماعية- اعتمدت على نظرية عبدالصبور شاهين وبنت عليها، في الكتاب الذي أصدرته بعنوان (كما بدأكم تعودون)، وأعطوا ملخصاً لها على موقعهم على الانترنت  (www.tajdeed.org) :
(لقد أثبت القرآن، كما صدّقه العلم والآثار، بأنّ الإنسان العاقل انبثق انبثاقاً، وقد سبقه وجودُ بشرٍ همجٍ لم يستطع التطوّر عبر ملايين أو مئات الآلاف من السنين، ولم يترك أيّ أثر لحضارة أو علم، ولكن ثمّة قفزة حصلت في التاريخ، أوجدت هذا الإنسان المبدع العاقل صاحب الحضارة والعلم والدين، لقد قارنوا بين جينات الاثنين فلم يعثروا على تجانس بينهما، وقد كان التفسير العلمي أو المادّي منه يعزو الأمر لطفرة صدفة، وإلى تطوّر القرد إلى بشر فإنسان بانتقاء طبيعيّ، أمّا التفسير الديني السائد الذي هو إرثٌ لتصوّر توراتي انسحب على التصوّر الإنجيلي والإسلامي بعدئذ، يُصرّ أنّ هذه القفزة لم تكن قفزة، بل كانت خلقاً جديداً أنشأه الله سبحانه من الطين مباشرة (تمثال من الطين) نفخ فيه من الرّوح وسمّاه الإنسان، وهذا تفسير راجع لتصوّر كهنوتي ساذج لم تصله بعد شمسُ صراحةِ نصوص القرآن بلسانه المبين، ولا اكتشافات العصر الآثاريّة، بل ولا السبر التاريخي للتواجد الإنسانيّ والهمجيّ. ومع ذلك فنحن مع التفسير الديني التقليديّ في أنّ انبثاق الإنسان ككائن جديد لمْ يتمّ صدفةً أو انتقاءً طبيعياً وطفرة، بل بتدخّل ربّاني مخطّط مخصوص بالعناية، يدعم هذا منطقُ العقل السليم مستقرئِ الآثار ومحلّلها موضوعياً بلا سبقيّات أو أهواء، وبيّن ذلك القرآن الكريم وكتبُ السماء وكلّ أساطير أمّتنا العربيّة منذ (سومر) الذين أكّدوا نزول ملوكيّة الإنسان من السماء.
ومن ناحيةٍ أخرى على خلاف التصوّر الديني القائم، إذا ما علمنا أنّ “الهمجيّة” ما زالت كامنة فينا، بل أكثر البشر قد سيطرت عليهم جوهراً ومظهراً، فليس بإمكاننا إلاّ أن نُعلن أنّنا جئنا على أعقاب الهمجيّة وأردافها، وهذا ما قد أخبرنا القرآن به (كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ)(الأنعام:133) و(إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)(صّ:71-72)، البشر الذي أخبرت عنه الملائكة عدم صلاحيّةِ أخذِ عيّنةٍ منه للاستخلاف (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)(البقرة: من الآية30)، فهناك جنسٌ لكائن بشري تم خلقه من الطين، وبعد أحقاب صار (سلالة من ماء مهين)، ثمّ بعد مئات الآلاف من السنين، أمر الربّ (ولدى أسطورة الخلق البابليّة، أمَر “مردوخ”) أن يُؤتى بأحد تلك الكائنات البشريّة المنحدرة من سلالات الطين، ليتمّ من جثمانها تسوية الكائن الجديد (ليقبض على واحد من إخوتهم ولْيُقضَ عليه من أجل خلق البشر) أي الإنسان، ولدى السومريّين، تُجيب إحدى القوى الربانية (من الملائكة) آمرَها بخلْقِ الإنسان (الكائنُ الذي نطقت باسمه موجود)، فسُوّي الإنسان بصفّ جيني مغاير متميّز لتُشحذ فيه القوى، وقٌوّي فيه العقل ليحكم غرائز النفس البشريّة ويعلو عليها، ثمّ نُفخ فيه أمر لا نعقله اليوم مادّياً لأنّه فوق مستوى العقل يُسمّى (روح)، هو الذي صيّر البشر إنساناً، واعياً، مفكّراً، مبدعاً (ثُمَّ نَفَخَ فِيها مِنْ رُوحِهِ فَمَثُلَتْ إِنْساناً ذَا أَذْهَان يُجيلُهَا، وَفِكَر يَتَصَرَّفُ بِهَا) كما قال علي (ع)، وأُعطي اسمَ “آدم” أيْ المثيل المصغّر للربّ (ومنه جاءت كلمة “دمية” أي صورة ومثيل)، فالإنسانية كانت -ولن تكون إلاّ- بأثر من تفعيل الروح، والهمجيّة تسودنا باستيلاء غرائز النفس، والعقل إمّا أنّه يُحكَم بالغرائز فيسفل الإنسان إلى المستوى المنحطّ الذي كان فيه قبل رفعه، أو يُحكَم بالروح الأعلى، فيُشرق، ويُبدع، ويرتفع الإنسان ويُزكّي نفسه لتأتي مطمئنّة في النهاية، هذا زبدة امتحان كلّ نفس، أن يتحوّل من بشريّته إلى إنسانيّته، أن يُحلّق من جهله إلى علمه، ومن غضبه إلى حلمه، ومن نفسه إلى ربّه، ليكون “إنساناً خليفةًً” مثيلاً للربّ بإشراق روحه التي نفخها فيه منه) اهـ.
كلمة أخيرة
كما أسلفت أن قضية الخلق ونشأته هي قضية بحث ونظر في الكون، نستهدي في فهم معالمها بهدي القرآن، أما حشر الآراء التي بنيت على الإسرائيليات وإلصاقها بالدين فهو صد عن سبيل الله، والأدهى أنه قد يرمى من يخالفها بالفسق أو الشرك، إذن علينا أن ننأى بأنفسنا عن نظر قاصر بعيد كل البعد عن مرامي الكتاب ودلالته، والقيام بنبش الأرض طولاً وعرضاً تفعيلاً لقول الله تبارك وتعالى (قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت:20).

darwinsm

فانظروا كيف بدأ الخلق


خالد بن مبارك الوهيبي


(قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت:20) في هذه الآية يأمرنا الله تعالى بالسير في الأرض والنظر في كيفية الخلق، إذن لدينا من هذه الآية معطيان:

– أن أمر الله بالنظر في كيفية نشأة الخلق يدلنا على أن كثيراً من الحلقات في سلسلة موضوع نشأة الخلق لا تزال لغزاً لم يكشف الله لنا في كتابه عن معالمها، والمطلوب من الأمة سواء كانت أمة الإجابة أو أمة الدعوة – بقدر الوسع والاستطاعة – أن تنبش الأرض وتنظر في الدلائل التي لا تزال مخبوءة عن أصل نشأة الخلق، بما فيها أصل نشأة الإنسان.

– ربط هذا البحث بالمعاد (ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ)، فالبحث في أصل الخلق يكشف عن حقيقة الخالق المدبر لهذا الكون، والذي أوجد كل الكائنات من العدم، وهو كذلك القادر على إحيائها بعد مماتها.

قصة الإنسان

منذ أن طرح عالم الأحياء البريطاني تشالز دارون نظرياته عن أصل الكائنات عام 1859م ومنها الكائن البشري؛ شغلت هذه النظريات العالم، وانقسم الناس حولها بين مؤيد ومعارض لها، ولا يخفى أن الظرف التاريخي زاد الطين بلة، فقد كان الصراع على أشده بين الأفكار المادية والعقائد الدينية، فبظهور نظريات دارون ازدادت سخونة الصراع، واستثمرت أفكار دارون في الإجهاز على العقائد الدينية، ودخلت في هذا الصراع كل الأطراف، فقد استفزت نظريات دارون المسيحيين واليهود والمسلمين على السواء، وهوجمت بشراسة منقطعة النظير، ولم تهدأ تلك الهجمة رغم مرور تلك السنين الطويلة على طرح دارون.

لا يعنينا كل ذلك، وما نحاول التركيز عليه هو كيفية تعاملنا مع قضية أصل نشأة الإنسان، وما هي المحددات التي وضعها لنا القرآن للتعامل مع هذا الموضوع الشائك الذي يكتنفه الغموض من كل جانب.

أولاً: أصل الخلق من الموضوعات التي لم يكشف لنا القرآني كل تفاصيلها، وإنما أعطانا من الإشارات ما نهتدي به، خاصة وأن تراث أهل الكتاب الذي سيطر على الساحة الدينية قبل بعثة النبي عليه السلام ملئ بالأساطير والخرافات في هذا الشأن، وهذا في نظري ما جعل القرآن يعطي المؤمن ما يكفيه من الإشارات في هذا الموضوع للهداية والعبرة دون الخوض في التفاصيل.

ثانياً: أمرنا القرآن بالكشف عن تفاصيل نشأة الخلق بالسير في الأرض والنظر (قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت:20) .

والمشكلة التي شوشت على هذين الأصلين في هذا الموضوع هي المرويات الإسرائيلية التي ألصقت بالدين والتي حفلت بها كتب التفسير والحديث، فصار القرآن يُقرأ وفقاً لضغطها، أما السير في الأرض والنظر فقد طوحت به هذه الإسرائيليات، ولم يعد له اعتباره إلا في القرون الأخيرة لما بدأ الأوروبيون نهضتهم الكونية.

والإشارات الواردة في القرآن في قصة أصل خلق الإنسان هي ما قصه الله علينا من نبأ آدم، ومن ذلك:

– قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ، وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) (البقرة:30-33).

– قوله تعالى: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ) (السجدة:7-9)  1. هذه الآيات وغيرها من الآيات التي تتحدث عن إنسان خلق من طين ونفخ الله فيه من روحه.

2. وعلمه الأسماء كلها، أي أعطاه القدرة على تسمية الأشياء بسماتها، وهذه ميزة في هذا المخلوق القادر على توسيع دائرة معلوماته، بعكس الملائكة التي قالت: (لا علم لنا إلا ما علمتنا).

3. لكن لم يتحدث القرآن نفياً أو إثباتاً عن وجود بشر آخرين سبقوا أو عاصروا آدم، وهذه نستطيع القول باطمئنان إنها من المسكوت عنه في القرآن. رغم أن البعض يرى أن هناك إشارات تدل على وجودهم قبل بما قالته الملائكة: (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:30) فكأن هناك من البشر سبقوا آدم سفكوا الدماء وأفسدوا في الأرض، فخافت الملائكة أن يكون هذا المخلوق الجديد على غرار السابقين.

غلطة دارون وغلطة المفسرين لننحي جانباً كل الأفكار التي طرحا دارون، ونركز فقد على قضية تطور الإنسان التي طرحها من خلال كتابه نشأة الإنسان (Descent of man):

– رأى بعضهم أن دارون قال بوضوح إن الإنسان تطور عن القرد

– ويرى آخرون أن التدقيق في عباراته يدل على أنه يرى أن الإنسان والقرد تطورا عن أصل واحد مشترك.

ومهما يكن الأمر فإن هناك ربطاً تم بين الإنسان والقرد في عملية التطور، واستثمر هذا الربط في الأدبيات المادية في خلخلة القيم والأخلاق والعقائد طوال أكثر من 100 سنة مضت، وسواء كان دارون مدركاً لذلك أو لا.

دارون اعتمد على ملاحظات كونية من خلال ما توفر لديه من معطيات في زمنه، ووصل إلى تلك النتائج التي اصطدمت بموروث تاريخي لدى اليهود والمسيحيين والمسلمين، فمثلاً اليهود والمسيحيون يرون أن الكائنات الحية موجودة بالصورة التي هي عليها الآن منذ بدء الخليقة دون أي تغيير مثلما تحدث العهد القديم، فدارون أشار إلى أن عمر الأرض يقدر بمئات الملايين من السنوات اعتمادا على الحفريات التي كانت متاحة في عصره.

فهم يعتقدون أن عمر الأرض لا يتجاوز (6000) سنة، ونظرية دارون هدمت لهم هذا المعتقد بالقول إن عمر الحياة البشرية يصل إلى ملايين السنيين، أما الغالبية العظمى من المسلمين فرأوا أن نظرية دارون –كما تصوروا– تهدم الأصل الذي يعتقدونه من خلال المرويات في كتب التفسير أن آدم هو أول البشر على الإطلاق، ليس بمتطور عن قرد أو يشترك مع القرد في الأصل الذي نشأ عنه.

دارون في نظري كان أكثر وفاء لنهج النظر في كيفية بدأ الخلق رغم النتائج الخاطئة التي توصل إليها، وهذا النهج هو الذي صحح من بعد لدارون أخطاءه، وكشف الكثير من أسرار خلق الإنسان.

إذا كان دارون مخطئاً في بعض نتائجه التي قال بها، فإنه ليس الوحيد في هذا المضمار، فمثلاً المفسرون المسلمون وقعوا في أمور لا تقل فداحة عما وقع فيه دارون فيما يتعلق بقضية أصل الإنسان، والتي اعتمدوا فيها بالكلية على استجلاب موروث أهل الكتاب، وهو موروث خرافي لا يمت بصلة إلى وحي السماء، وهذا الطابع الخرافي فتنة للناس وصد لهم عن دين الله.

لنأخذ بعض الأمثلة على ذلك من تفسير الطبري-وهو من أوسع التفاسير وأقدمها-

1. وعن ناس من أصحاب النبـي صلى اللـه عليه وسلّم: (لـما فرغ اللـه من خـلق ما أحبّ، استوى علـى العرش، فجعل إبلـيس علـى ملك سماء الدنـيا، وكان من قبـيـلة من الـملائكة يقال لـهم الـجنّ وإنـما سموا الـجنّ لأنهم خزّان الـجنة. وكان إبلـيس مع ملكه خازنا، فوقع فـي صدره كبر وقال: ما أعطانـي اللـه هذا إلا لـمزية لـي هكذا قال موسى بن هارون، وقد حدثنـي به غيره، وقال: لـمزية لـي علـى الـملائكة فلـما وقع ذلك الكبر فـي نفسه، اطلع اللـه علـى ذلك منه، فقال اللـه للـملائكة: إنّـي جاعِل فِـي الأرْضِ خَـلِـيفَةً قالوا: ربنا وما يكون ذلك الـخـلـيفة؟ قال: يكون لـه ذرية يفسدون فـي الأرض ويتـحاسدون ويقتل بعضهم بعضا قالُوا رَبَّنا أتـجْعَلُ فِـيها مَنْ يُفْسِدُ فِـيها ويَسْفِكُ الدّماءَ ونَـحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ قَالَ إنّـي أعْلَـمُ مَا لاَ تَعْلَـمُونَ يعنـي من شأن إبلـيس. فبعث جبريـل إلـى الأرض لـيأتـيه بطين منها، فقالت الأرض: إنـي أعوذ بـاللـه منك أن تنقص منـي أو تشيننـي فرجع ولـم يأخذ وقال: ربّ إنها عاذت بك فأعذتها. فبعث اللـه ميكائيـل، فعاذت منه فأعاذها، فرجع فقال كما قال جبريـل. فبعث ملك الـموت، فعاذت منه فقال: وأنا أعوذ بـاللـه أن أرجع ولـم أنفذ أمره. فأخذ من وجه الأرض وخـلط، فلـم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبـيضاء وسوداء فلذلك خرج بنو آدم مختلفـين…).

2. عن ابن عبـاس، قال: (كان إبلـيس من حيّ من أحياء الـملائكة، يقال لهم «الـجن» خـلقوا من نار السموم من بـين الـملائكة، قال: وكان اسمه الـحرث. قال: وكان خازنا من خزان الـجنة. قال: وخـلقت الـملائكة كلهم من نور غير هذا الـحيّ. قال: وخـلقت الـجنّ الذين ذكروا فـي القرآن من مارج من نار، وهو لسان النار الذي يكون فـي طرفها إذ ألهبت. قال: وخـلق الإنسان من طين، فأوّل من سكن الأرض الـجنّ، فأفسدوا فـيها وسفكوا الدماء، وقتل بعضهم بعضا. قال: فبعث الله إلـيهم إبلـيس فـي جند من الـملائكة، وهم هذا الـحيّ الذين يقال لهم «الـجنّ»، فقتلهم إبلـيس ومن معه حتـى ألـحقهم بجزائر البحور وأطراف الـجبـال. فلـما فعل إبلـيس ذلك اغترّ فـي نفسه، وقال: قد صنعت شيئا لـم يصنعه أحد. قال: فـاطلع الله علـى ذلك من قلبه، ولـم تطلع علـيه الـملائكة الذين كانوا معه فقال الله للـملائكة الذين معه: إنـي جاعِلٌ فـي الأرْضِ خَـلِـيفَةً فقالت الـملائكة مـجيبـين له: أتَـجْعَلُ فِـيها مَنْ يُفْسِدُ فِـيها وَيَسْفِكُ الدّماء كما أفسدت الـجن وسفكت الدماء؟ وإنـما بُعثنا علـيهم لذلك. فقال: إنـي أعْلَـمُ ما لا تَعْلَـمُونَ يقول: إنـي قد اطلعت من قلب إبلـيس علـى ما لـم تطلعوا علـيه من كبره واغتراره، قال: ثم أمر بتربة آدم فرفعت، فخـلق الله آدم من طين لازب واللازب: اللزج الصلب من حمأ مسنون منتن. قال: وإنـما كان حمأ مسنونا بعد التراب. قال: فخـلق منه آدم بـيده. قال فمكث أربعين لـيـلة جسدا ملقـى، فكان إبلـيس يأتـيه فـيضربه برجله فـيصلصل أي فـيصوّت قال: فهو قول الله: مِنْ صلْصَالٍ كالفَخَّارِ يقول: كالشيء الـمنفوخ الذي لـيس بـمُصْمِتٍ، قال: ثم يدخـل فـي فـيه ويخرج من دبره، ويدخـل من دبره ويخرج من فـيه، ثم يقول: لست شيئا للصلصلة، ولشيء ما خـلقت ولشيء ما خـلقت لئن سلطت علـيك لأهلكنك، ولئن سلطت علـيّ لأعصينك. قال: فلـما نفخ الله فـيه من روحه، أتت النفخة من قِبَل رأسه، فجعل لا يجري شيء منها فـي جسده إلا صار لـحما ودما. فلـما انتهت النفخة إلـى سرّته نظر إلـى جسده، فأعجبه ما رأى من حسنه، فذهب لـينهض فلـم يقدر، فهو قول الله: وكانَ الإنْسانُ عَجُولاً…).

3. روى الطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : (لاَ تُقَبِّحُوا الوَجْهَ فًّانَّ ابْنَ آدَمَ خُلِقَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمنِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى).

نظريات في أصل خلق الإنسان

قدمت في السنوات الأخيرة في الأوساط الإسلامية نظريات عدة في تفسير أصل خلق الإنسان، وهي محاولات جيدة في مجملها، لكن تحتاج في كثير من جوانبها إلى السير في الأرض والنظر، كي تكون بمثابة البراهين العملية على إثبات النظريات التجريدية، ومن أبرز هذه النظريات:

– نظرية د/عبدالصبور شاهين في كتابه (أبي آدم)

– نظرية جميعة التجديد الثقافية البحرينية في كتاب (كما بدأكم تعودون)

1. أبي آدم، عبدالصبور شاهين

هذه النظرية طرحت في تسعينيات القرن الماضي وأثارت ضجة كبيرة في وقتها، إلا أنها حركت الأذهان تجاه مزيد من البحث في هذا الموضوع، يرى عبد الصبور شاهين أن:

– (منطوق القرآن ومفهومه يؤكدان وحدة الخلق البشري الذي بدأ بأول بشر خلق من طين)اهـ، أي أنه يرى بدأ الحياة العاقلة منذ آدم.

– لكن (لا مانع في نظرنا من أن نتصور البشر الأول بلا وظيفة سمع ولا بصر ولا فؤاد، ثم كان ذلك في مراحل مختلفة على طريق استكمال مقومات هذا الخلق البشري)اهـ والكاتب يشير هنا إلى قول الله عز وجل: (هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً، إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً) (الإنسان:1-2)، فيرى أن تخليق البشر الأوائل قد تم بمواصفات مختلفة عما عليه آدم، تطوروا بعدها إلى المرحلة الآدمية (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً) (نوح:14) .

– أما اللغة فيرى المؤلف أن (اللغة من أخطر مقومات هذا الخلق، ويبدو أنها بلغت درجة من الكمال في المرحلة الآدمية الحاسمة، حتى تفوق آدم على الملائكة في أول اختبار، لقد كانت مرحلة هائلة!! تلك التي استغرقها خلق البشر وتسويته وتزويده بالملكات العليا التي أصبح بها إنساناً… لقد استغرقت هذه الملحمة ملايين السنين، ولكنها مرت ظلاماً في ظلام، أو غيباً في غيب، حتى أذن الله للصبح أن ينبلج، فأشرق الإنسان من سلالة البشر، واكتمل الخلق وجاء آدم) اهـ، بتصرف.

– بل يذهب د/عبدالصبور إلى ما هو أبعد من ذلك، فلا يستبعد أن يكون لآدم أبوين، (ليس غريباً أن نتصور بناء على هذا أن آدم جاء مولوداً لأبوين، وأن حواء جاءت كذلك) اهـ.

– وفي خاتمة ما طرحه قال: (إن هذا التصور لا يتصادم مع حقيقة خلق الإنسان من طين. ذلك أن الخلق الذي بدأ منذ ملايين السنين بالجسد الطيني؛ كان هدفه النهائي والوحيد خلق آدم، وكل ما مضى من أحداث بين التاريخين-إن كان ثمة تاريخ- إنما هو وقائع بناء جسد آدم وعقله وروحه وملكاته وخصائصه، وقد تم ذلك كله في غيبوبة الزمان، حيث استوى الصفر والمليون، فما هي إلا سنة استمرت بضعة ملايين من السنين حتى استوى الإنسان.. آدم.. الذي نبت في التراب، وانبثق من الأرض، لقد تبددت الأحداث والوقائع ولم يبق منها سوى الحقيقة الترابية) اهـ

2. كما بدأكم تعودون، جمعية التجديد الثقافية البحرينية

والنظرية التي طرحتها الجمعية-وهي مؤسسة ثقافية اجتماعية- اعتمدت على نظرية عبدالصبور شاهين وبنت عليها، في الكتاب الذي أصدرته بعنوان (كما بدأكم تعودون)، وأعطوا ملخصاً لها على موقعهم على الانترنت  (www.tajdeed.org) :

(لقد أثبت القرآن، كما صدّقه العلم والآثار، بأنّ الإنسان العاقل انبثق انبثاقاً، وقد سبقه وجودُ بشرٍ همجٍ لم يستطع التطوّر عبر ملايين أو مئات الآلاف من السنين، ولم يترك أيّ أثر لحضارة أو علم، ولكن ثمّة قفزة حصلت في التاريخ، أوجدت هذا الإنسان المبدع العاقل صاحب الحضارة والعلم والدين، لقد قارنوا بين جينات الاثنين فلم يعثروا على تجانس بينهما، وقد كان التفسير العلمي أو المادّي منه يعزو الأمر لطفرة صدفة، وإلى تطوّر القرد إلى بشر فإنسان بانتقاء طبيعيّ، أمّا التفسير الديني السائد الذي هو إرثٌ لتصوّر توراتي انسحب على التصوّر الإنجيلي والإسلامي بعدئذ، يُصرّ أنّ هذه القفزة لم تكن قفزة، بل كانت خلقاً جديداً أنشأه الله سبحانه من الطين مباشرة (تمثال من الطين) نفخ فيه من الرّوح وسمّاه الإنسان، وهذا تفسير راجع لتصوّر كهنوتي ساذج لم تصله بعد شمسُ صراحةِ نصوص القرآن بلسانه المبين، ولا اكتشافات العصر الآثاريّة، بل ولا السبر التاريخي للتواجد الإنسانيّ والهمجيّ. ومع ذلك فنحن مع التفسير الديني التقليديّ في أنّ انبثاق الإنسان ككائن جديد لمْ يتمّ صدفةً أو انتقاءً طبيعياً وطفرة، بل بتدخّل ربّاني مخطّط مخصوص بالعناية، يدعم هذا منطقُ العقل السليم مستقرئِ الآثار ومحلّلها موضوعياً بلا سبقيّات أو أهواء، وبيّن ذلك القرآن الكريم وكتبُ السماء وكلّ أساطير أمّتنا العربيّة منذ (سومر) الذين أكّدوا نزول ملوكيّة الإنسان من السماء.

ومن ناحيةٍ أخرى على خلاف التصوّر الديني القائم، إذا ما علمنا أنّ “الهمجيّة” ما زالت كامنة فينا، بل أكثر البشر قد سيطرت عليهم جوهراً ومظهراً، فليس بإمكاننا إلاّ أن نُعلن أنّنا جئنا على أعقاب الهمجيّة وأردافها، وهذا ما قد أخبرنا القرآن به (كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ)(الأنعام:133) و(إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)(صّ:71-72)، البشر الذي أخبرت عنه الملائكة عدم صلاحيّةِ أخذِ عيّنةٍ منه للاستخلاف (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)(البقرة: من الآية30)، فهناك جنسٌ لكائن بشري تم خلقه من الطين، وبعد أحقاب صار (سلالة من ماء مهين)، ثمّ بعد مئات الآلاف من السنين، أمر الربّ (ولدى أسطورة الخلق البابليّة، أمَر “مردوخ”) أن يُؤتى بأحد تلك الكائنات البشريّة المنحدرة من سلالات الطين، ليتمّ من جثمانها تسوية الكائن الجديد (ليقبض على واحد من إخوتهم ولْيُقضَ عليه من أجل خلق البشر) أي الإنسان، ولدى السومريّين، تُجيب إحدى القوى الربانية (من الملائكة) آمرَها بخلْقِ الإنسان (الكائنُ الذي نطقت باسمه موجود)، فسُوّي الإنسان بصفّ جيني مغاير متميّز لتُشحذ فيه القوى، وقٌوّي فيه العقل ليحكم غرائز النفس البشريّة ويعلو عليها، ثمّ نُفخ فيه أمر لا نعقله اليوم مادّياً لأنّه فوق مستوى العقل يُسمّى (روح)، هو الذي صيّر البشر إنساناً، واعياً، مفكّراً، مبدعاً (ثُمَّ نَفَخَ فِيها مِنْ رُوحِهِ فَمَثُلَتْ إِنْساناً ذَا أَذْهَان يُجيلُهَا، وَفِكَر يَتَصَرَّفُ بِهَا) كما قال علي (ع)، وأُعطي اسمَ “آدم” أيْ المثيل المصغّر للربّ (ومنه جاءت كلمة “دمية” أي صورة ومثيل)، فالإنسانية كانت -ولن تكون إلاّ- بأثر من تفعيل الروح، والهمجيّة تسودنا باستيلاء غرائز النفس، والعقل إمّا أنّه يُحكَم بالغرائز فيسفل الإنسان إلى المستوى المنحطّ الذي كان فيه قبل رفعه، أو يُحكَم بالروح الأعلى، فيُشرق، ويُبدع، ويرتفع الإنسان ويُزكّي نفسه لتأتي مطمئنّة في النهاية، هذا زبدة امتحان كلّ نفس، أن يتحوّل من بشريّته إلى إنسانيّته، أن يُحلّق من جهله إلى علمه، ومن غضبه إلى حلمه، ومن نفسه إلى ربّه، ليكون “إنساناً خليفةًً” مثيلاً للربّ بإشراق روحه التي نفخها فيه منه) اهـ.

كلمة أخيرة

كما أسلفت أن قضية الخلق ونشأته هي قضية بحث ونظر في الكون، نستهدي في فهم معالمها بهدي القرآن، أما حشر الآراء التي بنيت على الإسرائيليات وإلصاقها بالدين فهو صد عن سبيل الله، والأدهى أنه قد يرمى من يخالفها بالفسق أو الشرك، إذن علينا أن ننأى بأنفسنا عن نظر قاصر بعيد كل البعد عن مرامي الكتاب ودلالته، والقيام بنبش الأرض طولاً وعرضاً تفعيلاً لقول الله تبارك وتعالى (قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت:20).

0 2849 07 فبراير, 2010 العدد الأول, ثقافة وفكر فبراير 7, 2010

0 comments

  1. Pingback: كيف بدأ الخلق  – چیچیلی

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.