السلطان مع الحرية والانفتاح المشروطين

في مثل هذا اليوم الثالث والعشرين من يوليو تدخل السلطنة مرحلة جديدة، فهو يوم من الأيام التي تحفظها الذاكرة العمانية، يفرح به العمانيون، يحتفلون ، ويستريحون فيه، وذلك ما قاله السلطان  قابوس في خطابه الثاني في الثامن عشر من نوفمبر1972″”وألاعياد الوطنية للأمم رمز عزة وكرامة، ووقفة تأمل وأمل للماضي، والمستقبل، ماذا فعلنا؟ وماذا سنفعل؟ وليست المهرجانات والاحتفالات والأفراح سوى نقطة استراحة، والتقاط الأنفاس لمواصلة رحلة البناء الشاقة، والانطلاق بالبلاد نحو الهدف المنشود” وحق لصاحب الإنجاز أن يهنأ بالراحة بعد إنجازه، وأن يفرح به؛ ليعود أقوى من الأول، همة ونشاطا، فتنمية الأوطان تنمية مستدامة لا تتوقف أبدا، كلما وضعت الأمم هدفا تسعى للوصول إليه، تجد نفسها وقد ظهر لها هدف آخر ينبغي عليها تحقيقه بعد أن حققت هدفها الأول، وكهذا تستمر التنمية من تقدم إلى آخر، ومن تطور إلى تطور، وهكذا ترقى الشعوب.

لقد وعد صاحب الجلالة شعبه، وفرض على نفسه أن يبدأ بأسرع ما يمكن في أن يجعل الحكومة عصرية، وكان هدفه الأول أن يزيل الأوامر غير الضرورية التي كان الشعب يرزح تحت وطأتها، وهو يعلم ما يتطلبه الاتجاه نحو العصرية، ووعد وأنجز، وتصديقا للقول السابق وهو مسألة استدامة التنمية فقد ظهرت في كل الفترات العديد من الأمور غير الضرورية مما يكدر صفو العيش، ولكن الحكمة القابوسية كانت تقف لها بالمرصاد، وليس من دليل على ذلك تجاوبه مع أحداث السنة الماضية، ووضع يده بيد الشعب، فأضاف هذا النجاح إلى نجاحاته السابقة، وواصلت التنمية مسيرتها. وكأن كلمته” عفا الله عما سلف” ما زال صداها يتردد في أعالي جبال السلطنة.

تبدلت الأحوال وتغيرت المجتمعات، ومرت بظروف التغيير والربيع العربي ولم تكن عمان بعيدة عن هذا التغيير ولم يكن السلطان بعيدا عن مطالبات شعبه فاستجاب لها، ووجه بالاستجابة إلى بقية المطالبات، وما زال الشعب يبحث عن الاستجابة لباقي المطالبات أهمها الحرية الإعلامية التي طالب بها فجوبه بالسجون حاله حال إخوته في الدول العربية، ولقد تنبه السلطان إلى الأمر من قبل منذ بداية السبعينيات وما زال يكررها في لقاءاته وخطبه منها ما قاله في العيد الوطني الخامس” إنهم يفتحون السجون والمعتقلات، ونحن نشيد المدارس ونبني المستشفيات ، يضعون العراقيل، ويزرعون الشوك، ويحصون الناس أنفاسهم، ونحن نزيل العقبات ونسهل مصاعب الحياة، ونشجع الحريات العامة، شريطة أن لا يمس ذلك بأمن الدولة؛ لأن أمن الدولة يعني في ذات الوقت أمن المواطن” أظن أننا بحاجة اليوم أن نسمع ذلك الخطاب مرة أخرى بعد أن فتحت السجون والمعتقلات لبعض شباب البلد لا لشيء إلا لأنهم قالوا كلمة ربما أخطأ بعضهم فيها ولكنه مؤكد أنه كان يريد الحق. ولا أعرف ماذا سيقول من أمر بنشر صور المحكوم عليهم في قضايا الإعابة ومخالفة قانون الاتصال لو قرأ قول السلطان منتقدا أجهزة إلاعلام الشيوعية:” أجهزة أعلامهم سخرت للسباب والتهجم، وتلفيق التهم الكاذبة، وإعلامنا يعمل لخدمة الوطن، وتثقيفه والترفيه عنه، معتمدا على الكلمة الصادقة، والخبر اليقين”. والآن ينتقد العديد من أفراد الشعب إلاعلام العماني ويرونه بعُد عما قاله صاحب الجلالة، واقترب مما انتقد فيه إلاعلام الشيوعي؛ لذا على القائمين على الإعلام مراجعة النفس، والعودة إلى الخط الصحيح. فهم بحاجة إلى أن يكون هذا الكلام حلقة في آذانهم أفرادا ومؤسسات، فمثله لا ينبغي أن ننساه بتقادم السنين، ومن يتتبع خطب صاحب الجلالة سيجده مهتما بأمر الحرية والانفتاح المشروطين، وهو لم يأت الإ بعد أن يئس من الانغلاق الذي كانت تعيشه عمان، فكل ما حدث لا يتعدى كونه جزء من تلك المشاركة التي دعا إليها صاحب الجلالة ،” فخطتنا في الداخل أن نبني بلدنا ونوفر لجميع أهله الحياة المرفهة والعيش الكريم…وهذه غاية لا يمكن تحقيقها الإ عن طريق مشاركة أبناء الشعب في تحمل أعباء المسؤولية، ومهمة البناء، ولقد فتحنا أبوابنا لمواطنينا في سبيل الوصول إلى هذه الغاية” من الخطاب السامي بمناسبة 18 من نوفمبر 1971″

من الممكن أن تختلف الآراء، ولكن اختلافها لا يعني أن تسير عكس اتجاه بعضها خاصة وأننا نتحدث عن مصلحة واحدة هي مصلحة الوطن، ما نحتاجه هو أن ننظف الأعين جيدا حتى نرى الحقيقة على ما هي عليه كما تقول هذه الحكاية” يحكي أن رجلا انتقل مع زوجته إلى منزل جديد، وفي صبيحة اليوم الأول، وبينما يتناولان وجبة الإفطـار قالت الزوجة مشيرة من خلف زجاج النافذة المطلة على الحديقة المشتركة بينهما وبين جيرانهما : انظر يا عزيزي، إن غسيل جارتنا ليس نظيفا ؛ لابد أنها تشتري مسحوقا رخيصا، ودأبت الزوجة على إلقاء نفس التعليق في كل مرة ترى جارتها تنشر الغسيل، وبعد شهر اندهشت الزوجة عندما رأت الغسيل نظيفا على حبال جارتها وقالت لزوجها: انظر لقد تعلمت أخيرا كيف تغسل، فأجاب الزوج: عزيزتي لقد نهضت مبكرا هذا الصباح، ونظفت زجاج النافذة التي تنظرين منها”. وربما نحن أيضا بحاجة إلى تنظيف العيون والآذان والعقول من كل ما علق بها في الفترة الماضية؛ علها تتضح لنا حقائق جديدة كنا نجهلها، وكانت ردات فعلنا عليها عنيفة، وربما غير محسوبة، وحين أتكلم بالجمع هنا فأنا أبدأ بنفسي أولا، وانتهي بالكل، أفرادا ومؤسسات، وخاصة كل من شارك بقول أو فعل، أو حتى متابعة في الأحداث الأخيرة التي مرت علينا، وما ذلك لتغير موقف أو اكتشاف أمر، بقدر ما هو استغلال لصفو هذه الأيام الرمضانية، وانشغال الأرواح بالصيام، والتعلق بخالقها، وترك كل ما يكدر القلوب خلف الظهر، وتأجيل الحديث عنه على أقل تقدير. وحديث السلطان عن الحرية كثير وفي مختلف المناسبات ولم أتحدث عن أحاديثه الماضية القريبة لرسوخها في الأذهان، وتحدثت عن أول ما قاله لأشير إلى أنه –حفظه الله ورعاه- كان واعيا للمسألة منذ بداية النهضة وعلينا أن نكون مثله، وهو القائل في العيد الوطني السادس” نحن نهيب بكم أن تقطعوا على أنفسكم معنا عهدا جديدا لخدمة بلادنا وقضية الحرية والسلام”.

الثامن و العشرون سياسة

عن الكاتب

محمد الهنائي

اترك تعليقاً