الحي اللاتيني

لـ

رواية  الحي اللاتيني التي كتبها الدكتور سهيل إدريس في عام 1953م، والتي أصبغ عليها بعض من تجاربه الشخصية أثناء وجوده في باريس خاصة فيما يخص الناحية العلمية والأدبية والهوية الثقافية والفكرية والرواية تشكل صورة عميقة عن العلاقة الجدلية بين الشرق والغرب بمفهومها الأيديولوجي الواسع النطاق، والبعيد الغور كما يمكن تصنيف هذه الرواية من الروايات المعنية بالصدامات الحضارية التي تشكل (صدمة الإستعمار) إحدى ركائزها المتينة مثل على سبيل المثال لا الحصر رواية عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم (1938م) ورواية موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح (1966م) ورواية قنديل أم هاشم ليحيى حقي (1954م).

في مسرح الحي اللاتيني الذي يقطنه الطلبة من كل أصقاع العالم لطلب العلم، ومتابعة الدراسات العليا في شتى المجالات؛ تتشكل الرؤيا بأبعادها الفلسفية التي أراد الكاتب أن يصل بها إلى القارئ من خلال الأحداث والصراعات الجدلية بين هؤلاء الطلبة، فالرواية يمكن اختصارها وفق مدلولين إثنين هما: البحث عن الحرية والخلاص والعلاقة بين الشرق والغرب وما يشوبها من خلافات وصراعات داخلية, فنجد أن سهيل إدريس شكل شخصية البطل وفق نطاق من حالة الإعتدال الشديد، فهو يسير وفق ما تمليه عليه (أفكار الفلسفة الوجودية) التي يؤمن بأنها أساس صارخ ومتين في خلق حالات إنسانية معتدلة وفريدة من نوعها، علاوة على أنها هي المنقذ الحقيقي للإنسانية من حالات الضياع الوجودي. على النقيض التام مع أصدقائه الذين يحملون التناقض مع شخصيته؛ فأحدهم متعصب دينيا لدرجة تصل إلى التزمت (عدنان) وأحدهم متطرف سياسيا (ربيع التونسي) وأحدهم لا يأبه بمسألة الأخلاق (صبحي) بينما الآخر يكافح بشراسة غير مجدية نحو إلتزامه الخلاّق بالدفاع عن قضايا أمته لدرجة أنه لا يقيم إعتبار بفقدانه حبيبته لأنها على نقيض فكري معه.

رغم مما يحمله البطل من إمكانات ثقافية واسعة إلا أننا نلاحظه يعاني فراغا عاطفيا سحيقا محاولا ملئ هذا الفراغ من خلال تركيزه على الجنس الذي يفتقد عنفوانه في مجتمعه الشرقي المحافظ، وبطبيعة الحال تخامره الأفكار كثيرا على سهولة الظفر به في هذا المجتمع المتحرر والمنفلت من عقال الإنغلاق؛ لذلك لا يجد بدا من أن تعتمل في ذاته مفارقة منطقية بين جارته في بيروت (ناهدة) الفتاة الشرقية المحافظة والخجولة التي لا هم لها سوى الحفاظ على شرفها وسمعتها وبين (جانين مونترو) الفتاة الغربية المتحررة التي لا يجد ثمة من وسائل تحول دون إنفتاحها مثل جارته (ناهدة) حتى أنه يلمس تضارب خفي على مستوى الحدود النفسية يعتلج في داخله هو وأصدقائه، ويتمثل هذا في حجم الهوة السحيقة بينهم كشرقيين مبتدئو العيش في مجتمع غربي متحرر بكامل تجلياته, لقد كانت بالنسبة لهم صدمة خفية ودهشة كامنة في أعماقهم فذهابهم لباريس كان منطلق واضح؛ ليكتشفوا حياة أخرى لا يحد من حريتها قيد، مخلفين ورائهم أغلال الماضي التليد ومدى سخط الإنغلاق الذي كانوا يشعرون به داخل مجتمعاتهم.

حاول سهيل إدريس رسم خطوط فكرية واضحة المعالم والأفكار مؤمنا بأن الحرية هي الأساس المتين التي لابد أن تقوم معه الحياة ويتمثل هذا الأساس كما ذكرنا سابقا بمدى إيمانه البليغ بفلسفة الوجودية التي يعول عليها كثيرا بإنتشال الإنسانية من مواقع التردي والبؤس, فنجد أن بطله لا يخفي مدى إعجابه الشديد بسارتر ونوازع فلسفته التي يروج لها ونجده أيضا لفرط شؤمه من تردي الحال يتمنى أن يترجم مسرحية العادلون لألبير كامو حتى يدرك القراء العرب معنى جميل لوجودهم حتى يصيروا أبطالا فدائيين كأبطال المسرحية, كان يدرك أنه ينبغي أن يعاني كثيرا حتى يستيقظ حسه الواعي ولابد أن يضيف تجربة عميقة في ميزان الشعور حتي يشعل في روحه جذوة من الإمتهان في حساب وجدانه.

كان أهم منعطف وجداني رسمه سهيل إدريس في الرواية هو إستجابة (جانين مونترو) لبطل الرواية بعد ملاحقات عديدة , فمن هذا المنعطف بدأت الرواية تأخذ شكلا آخر ليس بعيدا عن الإطار العام حيث تبدأ بصراعات خفية تدور رحاها في نفس البطل إلى أن تتطور بشكل دراماتيكي إلى أن يقع في غرامها، الأمر الذي كانت قد حذرته أمه من مغبة الإندفاع العاطفي نحو بنات باريس (أعود فأحذرك يا بني من نساء باريس) (أخشى يا بني أن يصرفك الغرب عنا وأخشى فوق ذلك أن تسحرك اِمرأة من هناك فتقع في شباكها)..من خلال تلك الأحداث التي وقعت بشاكلتها عليه اِستطاع بطل الرواية أن يلمس مدى فداحة الحرمان والكبت الذي تعانيه الفتاة الشرقية وخوفها الدائم من الرجل الذي تحبه والذي ينبغي في واقع الأمر ان تثق به أكثر، فقد كانت تربكه الدلالات المعرفية لدى (جانيين مونترو) خاصة حين أخبرته ذات يوم بأنها تعرفت على الشرق مما كتبه فلوبير رغم أنه مدرك أن فلوبير حين كتب عن الشرق كان حريصا بشدة على تصوير نواحي التأخر والحيوانية في حياة أهل الشرق.

رغم عشقه (لجانيين مونترو) ومدى اِنفتاحه الواعي إلا أن النزعة الشرقية لا تزال تجثم عليه وتكبله بأغلال خفية، فقد وضعه سوء الحظ في مغبة أخرى فحين تكتشف أمه هذا العلاقة بعد أن أرسلت له جانين رسالة تخبره بأنها حامل أثناء عودته المؤقتة لبيروت الأمر الذي حدا بالأم أن توقظ فيه حس النباهة الشرقي بوسائل عديدة كإخباره بمدى فداحة الخطأ الذي زج بنفسه فيه أو إمتعاضها الواضح من مدى تقبل فكرة زواج اِبنها بفتاة غربية متحررة ومنسلخة من كل القيم، الأمر الذي يشكل هاجس بالنسبة له ويقرر التخلي عن (جانين) وهي في محنتها حتى تقرر أن تجهض الجنين في أحشائها وعند عودته لباريس تتكالب عليه جحافل الندم لإحساسه بأنه ظلم الفتاة وبعد رحلة بحث عنها ظفر بها، وكانت على حالة يرثى لها من الضياع والتشرد حتى أنها كانت قد ذهبت لتغير حياتها بشكل جذري وذلك بعكوفها الدائم للذهاب إلى (كهف سان جرمان) لمعانقة أفكار سارتر للتحرر من المسؤولية والإنسياق وراء الإختيار الوجودي لنسيان هول الصدمة التي ألمت بها, وفي النهاية تختفي بعد أن يقرر الزواج منها وترسل له رسائل تخبره بوجوب التغيير والعودة للشرق وممارسة الحياة الإعتيادية هناك (دعني هنا أتابع طريقي حتى النهاية وعد أنت يا حبيبي العربي إلى شرقك البعيد الذي ينتظرك ويحتاج إلى شبابك ونضالك).

لقد اِستطاع سهيل إدريس في رواية الحي اللاتيني أن يكتشف مواضع الخلل في النفس الإنسانية التائهة بين معسكرين حيث الشرق الغارق في أتون التخلف والغرب المتحرر ذو النزعة الإستعمارية.

0 2833 12 أغسطس, 2012 الثامن و العشرون, ثقافة وفكر أغسطس 12, 2012

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.