قراءة في الأعمال الرمضانية العمانية ( 3 ) كلمتين رأس و شيّابنا بديلٌ يُحرج رسمي .. وشيّاب بإخراج الثمانينات!!

لـ

 

كلمتين رأس

برنامج يوتيوبي قادم من منطقة الإعلام البديل التي باتت تشكل وعي المجموع الجديد، كلمتين رأس قادم ليضرب ضرباً حسناً عدّة رؤوس في ثمان دقائق، في لغة متوسطة فنياً عميقة موضوعياً يطرح شباب كلمتين رأس أنفسهم كخيار خارج التلفزيون العماني ولكنه بداخل التلفزيون اليوتيوبي الذي يقتحم كل جهاز لوحي وكل جهاز هاتف مرتبط بالإنترنت، هذا الفعل الشبابي العماني الهاوي وصل إلى أنه يُحرج الإعلام الرسمي بشقيّ إنتاجه العام والخاص الذي يفترض أنه محترف أو يتلمّس الاحتراف، العمل فيما يبدو لفت اِنتباه قمة هرم الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، فالأخبار تواردت عن أن معالي رئيس الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون أخذ  شباب البرنامج في ( كلمتين رأس ) بينه وبينهم .. في بادرة تحسب له بالتأكيد في احتضان مواهب الشباب والأخذ بيدها، هذا اللقاء الذي يمكننا أن نستشفّ منه أنه عرض عمل من الهيئة لفريق عمل البرنامج لعمل حلقات في رمضان القادم بطريقة المنتج المنفذ، أما مصدر إحراج الإعلام البديل للإعلام الرسمي فيكمن في أن الأول تفوق على الثاني في الأخذ بأسباب التفاعل الحديثة إلى جانب صيغة التناول وبعض الثيمات الذكية التي سنأتي على ذكرها، فهذا البرنامج اليوتيوبي الذي يطرح نفسه في تجربته الأولى قدم رؤيا مختلفة الإنتاج، قائمة على عناصر مواكبة للغة ولأنماط تفكير الجيل الحالي ذو خارطة التلقي الواسع.

كلمتين رأس ينتهج في مواضيعه التي قدمها حتى الآن في حلقتيه (المسؤولية والإيجو) ينتهج خط ما يسمى بمناهج التنمية الذاتية ومواد البرمجة اللغوية والعصبية المعروفة، والتي راجت مؤخرا في صورة إنتاج بصري وسمعي ومحاضراتي في الوسط العربي؛ كمرحلة ثانية بعدما غزت القارئ العربي عن طريق الكتب، من مثل أطروحات وأدبيات صلاح الراشد وإبراهيم الفقي وغيرهم والتي تُعنى بمفاصل علم  LNP  ذو المنشأ الغربي والذي يرتبط بإطلاق قدرات الإنسان نحو منشد الكمال والإيجابية .

كلمتين رأس يقدمه شابان عمانيان، عصام البلوشي وسعيد الريامي يظهران بمظهر غير متكلف وفي نفس الوقت مخطط له نطاق الحركة وأسلوب التقديم، خطابهما نصائحي ولكنه غير تلقيني كعادة خطابات النصح المباشرة، ينقصه بعض التطوير الأدائي ليصبح جاذباً لمشاهِده بشكل تام .. جُمل التقديم قصيرة، مكثفّة ، تنقل الفكرة بوضوح مع مستويات لغة جسد محايدة تحتاج إلى مزيد من الإشتغال، الشابان يلبسان ( الكمّة ) العمانية في كسر واضح ومتعمد لحاجز الشكل النمطي في التقديم البصري العماني والقائم عادة على ( رزّة ) العمامة الرسمية، وهنا نقطة اِقتراب واضحة من تفكير العنصر الشاب في المجتمع يمهد لقبول المطروح في الثمان دقائق، يدعم حديثهما المأخوذ في الأغلب بكاميرا واحدة وأحياناً بكاميرتين أحدهما جانبية والأخرى أمامية للمتحدثين الذين يتناوبان على التقديم، يدعمه لقطات تأخذ صيغة الـ Insret كتقطيع يُحدث إيقاع بصري يحتاج إلى ابتكارات جديدة حتى لا يقع في مطب الإيقاع المحفوظ لا سيما مع إدراك أن مشاهد اليوتيوب سريع الملل وبحاجة لتنويع أكبر في المادة اليوتيوبية، هذه اللقطات تأتي في معظمها كدلالة مباشرة موضِحة لمحتوى نقطة الحديث كأن يأتي الحديث عن مسؤولية قائد العمل في حلقة ( المسؤولية ) وأثناء حديث عصام تأتي لقطة تجمع شباب في طاولة  ذات جو خارجي كمقهى، يتم توجيههم من شاب يأخذ صيغة المسؤول، هذه اللقطات ذات أبعاد التمثيل الصامت التعبيرية لا يخلو بعضها من هنّات إتقان الأداء المتكلف، كما لا يخلو العمل من ضعف واضح في اختيار الموسيقى التصويرية المصاحبة لحديث عصام وسعيد فهي موسيقى لا تُحدث تأثير يوازي التأثير المراد إيصاله من رسالة فكرة الموضوع، وهنا لا بد من مراعاة هذا الجانب جيدا مستقبلا لأن الخلفية الموسيقية جزء أساسي ومهم في صياغة القبول وتدرجاته.

اِختزال حديث الشابين بشكل مكتوب على الشاشة في جملة مكثّفة، إحدى الطرق الملاحظ حضورها في عمل كلمتين رأس كمحاولة تأثير أراها ذكية وإن لم يخدمها عنصر الجرافيك المستخدم بشكل كبير .. قائمة الأسماء في نهاية العمل اِتكأت على إدراج عناوين فريق العمل في موقع تويتر كإشارة واضحة تستهدف مواكبة متابعي هذا الموقع الذي بات يسحب العمانيين إليه بشكل ملفت، تذكرنا هذه الثيمة بإدراج MBC هاشتاقات بأسماء برامجها في فواصلها الترويجية، ليس من مبدأ أن تويتر موضة بل من مبدأ أن تويتر واليوتيوب أصبحا عنصر تسويقي مؤثر لكثافة مشتركينه ونوعيتهم  .. وليس أدل على ذلك من اِشتغالات الشباب السعودي في صاحي وإيش اللي ولا يكثر وغيرها .

العمل في مجمله محاولة شبابية قد تشكل بذرة مهمة يمكن أن تتطور مستقبلا مع بعض التركيز والاهتمام الفني، كما أن تجربة ظهوره تلفزيونياً لو صحّت الأخبار الواردة بعد كلمة الرأس التي دارت بين معالى الدكتور وبين شباب كلمتين رأس، سيعطي للتجربة مجال نضج أكبر شريطة أن لا تتدخل التعقيدات والاشتراطات الفنية والموضوعية الكلسيّة إياها في سير عملهم من مثل لا بد وأن تلبسوا ( المصرّ ) ولا بد يا عصام أن تقصّ شعرك من الخلف ولا بد أن تتم مراقبة المادة المكتوبة قبل بثّها بعقليّة شيل هذا وحط هذاك  .. إلخ .

شيّابنا

” شيّابنا .. لهم كل التقدير وكل الاحترام وكل الحشيمة .. ” جملة يرددها الأستاذ محمد المرجبي في الإعلان الترويجي الخاص ببرنامج شيّابنا الذي يأتي في نسخته الأولى عبر الشاشة العمانية، فهو في كل حلقة يقترب من الشيّاب العمانيين في مناطقهم، كشكل ميداني اِجتماعي يأتي في حوار يتعلق معظمه حول ما كان وما هو كائن والفرق بينهما في صيغة اِستدعائية للماضي، الجملة السابقة تحمل إشارة تأكيد، أعلم من معرفتي بأستاذي محمد المرجبي أنها ليست اِعتباطية أو مرتجلة أو عابرة وإن جاءت ضمن سياق برموشن، بل هي مقصودة ومقصودة جداً، أما قصديتها فهي أن ما سوف نشاهده في برنامج شيّابنا لن يخرج عن إطار حفظ كرامة الشايب العماني بعيدا عن ذاكرة لا زالت حية بمشاهد لبرامج أخرى تناولت الشيّاب بأسلوب أقرب إلى (تعالو نضحك مع / على .. الشياب)، فكرة الضحك هذه فعلا كانت حاضرة في أسلوب بعض البرامج والجمهور العماني طرح استياءه منتدياتياً وقتها، أيام لم يكن بها الواتس اب والبي بي ولا حتى الفيس بوك وتويتر.. فالفكرة العامة التي سعى إليها المرجبي مع فريق عمل البرنامج إلى جانب تقديم ذاكرة شايب عماني حول مكان ما، رحلة ما، تفصيل حياتي ماضوي ما، هي أن هذا البرنامج ليس كبرامج سابقة تناولت شيّابنا بشكل لا يليق باحترامهم وتقديرهم، وفعلا هذا ما تحقق في شيّابنا، فمحمد يظهر مقابلاً الشياب وهو بكامل الإتزان والهدوء والإحترام والتقدير لهم، ولكن برنامج شيّابنا وكما ذكرت في إشارة سريعة بالمقال الأول قد خانته يد الإمكانيات الفنية القصيرة التي مُدت له، فالبرنامج في دقائقة يظهر ثقيلاً متثاقلا وكأنه فعلاً يعبر عن مرحلة الشيّاب العمرية – الله يعطيهم العافية والصحّة -، فإيقاعه يعيدنا إلى برامج تسعينيّة ثمانينيّة، فليس هناك تفعيل لأدوات الانتقال البصري السلس بين نقطة وأخرى في الحوار؛ لأن المخرج اِعتمد على كاميرا يتيمة بكوادر اِعتيادية جداً، فمحمد يظهر في أسلوب التقديم الإفتتاحي للحلقة عبر الطريقة القديمة ويستعرض حواره مع ضيوفه متحركاً أو جالسا أو واقفا وخلال الحوار تأتي لقطات من هنا وهناك للمكان، وبعد فترة زمنية بسيطة يأتي فاصل مأخوذ من المقدمة أحيانا ومن لقطات تجميعية أُخرى من حلقات البرنامج لنعود للكرّة من جديد .. من الواضح أن اللاخيال واللاعمق وفوقهما المدرسة الإخراجية الكلاسيكية كلها عناصر واضحة في شكل إخراج شيابنا مما أظهره باهتاً ثقيلاً، هذا النمط الإخراجي لم يساعد في ظهور مبتغى فكرة البرنامج وهي توثيق لحظات هؤلاء الشياب بمروياتهم قبل أن تنقضي سنينهم، كذلك لم يُظهر المرجبي كمقدم له ثقله الذي يستند على خبرة عريضة؛ لأن الحوار لم يخرج فنيا بالشكل المأمول على الرغم من حضور بعض الشياب بكاريزما ملفتة وبمادة حوارية فيها إضافة كحلقة أول سائق سيارة من ولاية المضيبي ورحلة سيارة ( البيت فورت ) قديما من مطرح إلى المضيبي وحلقة الرجل الظفاري وطريقة معيشته في جبال ظفار وغيرها من الحلقات .

محمد المرجبي لماذا وافق على تقديم هذا العمل وفق مستويات إنتاج أقل ما يقال عنها أنها ضعيفة وبدائية ؟.. وشخصيا أجيب على هذا السؤال حسب معرفتي العميقة بهذه الشخصية المخضرمة، فمحمد في الغالب يوافق على ما يتم تكليفه به من أعمال تُطلب منه أو يضع قالبها وفكرتها هو بشكل شخصي ويضع الأمر الفني لأصحاب الشأن فنياً من باب عدم التدخل فيتصادف أن يُوفق مع فريق عمل ذكي ويخرج بمادة ثرية كحلقات الوجود العماني في زنجبار، أو يكون فريق عمله أقل من المستوى ويخرج بعمل كشيّابنا، وهذا مردة إلى غياب المعيارية الفنية الدقيقة في إسناد الأعمال فنيا والنظرة العشوائية التي تأخذ بنظرية “راح يكون عندك فلان وعلّان وأحنا نشوف أنهم زينين ” !! ، وأعتقد أن هذه النقطة تحديداً يجب أن يلتفت لها محمد جيدا و يُعيد حساباته فيها، فمناقشته للعمل المكلف به من جميع جوانبه والتدخل المشروع والذي يأتي من باب أن يحق للمرجبي بناء على مكانته الإعتبارية، التدخل عميقا في اِختيارات فريق العمل الخاصة ببرامجه ، وضرورة فهم أن هذا التدخل ليس مدعاة تمرد وعدم وفاء مثلا بقدر ما يكون حرص على تقديم ما يليق باسمه وتاريخه ومكانته وتجربته ورؤيته الفنية والموضوعية التي يمكن أن يفيد بها الهيئة لا أن يلتزم الصمت والإنزواء ويرضى بالموجود، لأن هذا الموجود كيفما أتفق يُضر بصورة وقيمة محمد وفي نفس الوقت يُبعد المشاهد عن مناطق الثقة التي يفترض منةالهيئة أن تسحبه إليها .

أخيراً ما يمكن أن يقال في شيابنا وبقية البرامج ذات الطابع الميداني التسجيلي أن طريقة الإنتاج تُشكل عائق أزلي نحو ترجمة الأفكار الورقية إلى شكل بصري يليق بها، فأجزم أن برنامج شيابنا لم يخرج عن ما عهدناه كدستور تعاقدي عتيق من مثل خروج المخرج مع المصور وفني الإضاءة وفني الصوت والمذيع إلى تطواف يذرع عمان في اتجاهاتها الجغرافية البعيدة، مع فقر واضح في اللوازم الفنية الواجب توفرها لإنتاج هكذا نوعية من الأعمال، عطفا على قيمة علاوة مالية هزيلة لكل فرد في فريق العمل لا توازي التعب المبذول فعلياً ضمن مفهوم نصف العلاوة وربعها، وهذه تحديداً نقطة مؤلمة أخرى ضمن الجروح العديدة التي تغرسها بكل روتينية وبيروقراطية اللائحة المالية في جسد وروح العاملين بالوزارة سابقاً و الهيئة حالياً و الـ ( مدري ويش ) مستقبلاً، وإذا كانت الهيئة غير قادرة على إنتاج نوعية برامج تسجيلية مُقنعة وتراعي شكل وتكوين الذائقة الحديثة فليستريح قسم الإنتاج البرامجي الخارجي  في مكاتبه ولتوكل مهمة الإنتاج لشركات خاصة خارجية وداخلية تتوافر فيها الشروط الإنتاجية العالية .

حميد البلوشي

@hameedalbloushi /تويتر

0 1742 14 أغسطس, 2012 الثامن و العشرون, ثقافة وفكر أغسطس 14, 2012
Avatar

عن الكاتب

كاتب وإعلامي عماني

عرض كل المواضيع التي كتبها حميد البلوشي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.