هل يكون عمر بن الخطاب شخصا آخر !!

لـ

بعد الجدل الذي دار حول مسلسل عمر خرجت مقالات كثيرة ورؤى قيمة تتحدث عن العمل من ناحية فنية وموضوعية  تتناول الأحداث تحليلا وتفسيرا ، ووازت هذي النواحي ناحية شرعية أطلقها بعض العلماء مانعين متابعة المسلسل لعدة أسباب على الرغم من أن العمل حمل كثيرا من القيم التي ينادي بها هؤلاء العلماء أنفسهم فقد رأينا الحلم والآناة في شخص أبي بكر والشجاعة والحنكة في شخص أبي سليمان خالد بن الوليد والصبر في آل ياسر والدهاء في شخص عمرو بن العاص والإقدام والثبات في شخص القعاع بن عمرو وتحمل الآذي في شخص بلال وأبرز الدكتور وليد سيف دور المرأة في عمله فلم يفوت علينا مشهد شخصية أسماء بنت أبي بكر وهي تشق نطاقها ، وظهور الخنساء التي فقدت أربعة من أبنائها في معركة واحدة ، منوها لدور المرأة بشكل عام في مشاركة الرجل نشر الإسلام والأخلاق فلم يهضمها حقا ولا نصيبا ، وجمعا لهذه الصفات كلها ظهرت شخصية عمر بن الخطاب .

ظهرت الشخصية بوسطية تحسب للكاتب حيث عمل على تغليب صفات الشفقة والرحمة واللين من الغلظة والشدة والعنف التي صورت الروايات بها عمر وكأنه رجل متعطش للضرب والبطش والقوة فربما كان البعض لا يعرف عن عمر إلا اسمه أو ذاك الصحابي الذي يضرب كل من يخالف أمره أو رأيه وعمل ( الكاتب ) بجانب ( المخرج ) على نحت لوحات فنية تبين رحمة عمر ، وخشيته من التقصير اتجاه رعيته ولعل أبرز هذه المواقف حين سمع طفلا يبكى ليلة وطلب من أمه أن تسكته فتعللت بأن عمر لا يجري دخلا لمن هم دون الفطام فبكى وقال ( كم طفل من أطفال المسلمين قتلت يا عمر ) ، كان رحميا بالنساء حين بلغه أمر امرأة تفقد وصال زوجها وأصدر امراً بتناوب الجند على الثغور كل أربعة أشهر ، رحميا بالرجال جاثيا على ركبتيه حين سمع بمقتل ثمانية آلاف وخمسمائة رجل من المسلمين في معركة ، رحميا بالأطفال حين رافق صبيا لبيته ، وتعدت رحمته الإنسان فقال قولته المشهورة (لو أن بغلة في العراق تعثَّرت لخفت أن أسأل عنها لِمَ لَمْ أسوِّ لها الطريق ) وإذا ما تجاوزنا صحة هذه الروايات من عدمه فإن وجود مثل هذه الإشارات في سيرة عمر تدلل على وجودها في شخصه، و كما أسلفت أن هذه قيم وأخلاق ينادي بها الدعاة والعلماء ممن منعوا مشاهدة هذا العمل التاريخي بعدة رؤى يعذرون عليها فكما قيل أن من أجازوا مشاهدة المسلسل كان ذلك من أجل الإسلام ومن أجل التعريف بهذه الشخصة الفذة ومن منعوا ذلك كان من منطلق غيرتهم على الإسلام وعلى الفاروق رضي الله عنه .

عودة لبعض وجهات النظر التي أردتُ التعرض لها ، هي تلك التي لا تجيز متابعة المسلسل وظهرت عدة حملات على مواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك وتويتر تطالب القناة بعدم عرضه ، مستهدفا بهذا الطرح الوصول لرؤية شرعية تواكب العصر مِن قِبل العلماء والمفكرين والمتهمين .

وجهة نظر المانعين :

1- من ضمن وجهات النظر التي أطلقها المانعون والتي تعتبر جوهرية ورئيسية ظهور ( ممثل ) يجسد شخصية عمر بن الخطاب ولهذه الرؤية عدة منطلقات منها الغيرة على عمر ، ومنها النظرة التقديسية ، ومنها عدم وجود من هو مؤهل ليمثل هذه الشخصية ، والنتيجة المترتبة حسب رأيهم أن صورة هذه الممثل ( سامر إسماعيل ) سترسخ في أذهان المشاهدين لوقت طويل وخاصة إذا ما اشترك الممثل في دور مغاير لنوعية هذه الأدوار وبالتالي يؤثر على شخص عمر الذي كان يعيش قبل 1400 عام !!

 بداية كلنا نعلم أن من ضمن المشاركين في العمل ، علماء لهم قدرهم وجهدهم كالدكتور سلمان العودة والشيخ يوسف القرضاوي وعلي الصلابي وعبدالوهاب الطريري وغيرهم ، فهؤلاء أيضا لهم وجهة نظر معتبرة كما لأولئك ، وأظن أن بوجود هؤلاء تعادلت الكفة ، وتجاوزا لهذه المسئلة فإن أغلب المسائل الفقهية والشرعية لا تخلو من خلاف بين محرم ومجيز إذا ما كانت من مسائل الرأي لا الدين ويسع فيها الخلاف ، فكل مجتهد له أجره حسب استفراغه من البحث والتقصي في الإدلة الشرعية والقاعدة الفقهية تقول (الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم ) ، وحتى يثبت التحريم على الدليل أن يكون قطعي الدلالة والثبوت ، ولم أجد حقيقة للمانعين من أدلة قطعية الدلالة على تحريم تجسيد الشخصية من خلال التمثيل الذي يعتبره البعض محرما إجمالا كون التمثيل مجرد كذب ولهم أدلتهم على ذلك ، ويقال فيه ( التمثيل ) ما قيل في جواز تجسيد الصورة للصحابة من حيث استساغة الخلاف بين العلماء حيث يقول العودة (الكذب يكون في الأخبار وليس في التمثيل، فالممثل في السير مثلاً يبرز وضع حالة معينة مثل الأبرص والمنقطع وهذه الأشياء ، والمسألة فيها اختلاف يجب أن يحترم، ويجب أن يبقى خلافاً فلا أحد يفرض رأيه، ومن اجتهد فيه شرعياً أعذرهم ) ومن وجهة نظري أن الكذب يكون في المكذوب لا في المكتوب فالأدوار التي مثلها هؤلاء الممثلون مثبتة نصيا في كتب الحديث والتاريخ والتراجم وليست بالكذب والافتراء على شخوصهم .

من جهة آخرى تنبهت اللجنة المشرفة على العمل من العلماء على هذه النقطة ووضعوا عدة شروط على الممثل من ضمنها أن لا يكون قد عمل في أي عمل درامي أو مسرحي من قبل ، لذلك فضل (حاتم علي) مخرج العمل الممثل ( سامر إسماعيل ) الذي لم يسبق له التمثيل كبطل للمسلسل ، واشترطوا عليه أن لا يعمل في أعمال فنية لسنوات قادمة تجنبا للرؤية أعلاه ومَخرجا منها وحسب وجهة نظر العودة ( لو ظهر المسلسل من دون شخصيات سيكون هزيلاً ) .

 لا أتوقع من وجهة نظري على الأقل أن المشاهد سيخلط بين شخصية الممثل وبين شخص عمر فالجميع يعلم من صغير وكبير أن هذا ليس عمر بن الخطاب صاحب رسول الله وإنما شخصية توصل رسالة من خلال التمثيل فوقوع الخلط هنا نسبته قليلة جدا إن لم تكن معدومة ، وهذا ما قصدته من عنونة المقالة بهذا العنوان هل سيكون عمر بن الخطاب شخصا آخر في أذهان من تابعوا المسلسل يا ترى !!

2- اعتمد المانعون على نظرية الاحتياط وهي نظرية يطول القول فيها فمن علماء الأصول من أدرج هذه النظرية ضمن الأدلة الشرعية التبعية وهناك من هو معارض لها فما يراه عالم احتياطا قد يراه عالم آخر غير ذلك وتعريف بسيط لها يقول الباحث محمد سماعي في دراسته بعنوان – نظرية الاحتياط الفقهي – ( ولذلك جاءت تعريفاتهم – علماء الأصول- متبانية تباينا ملحوظا وسارت في اتجاهات مختلفة فالبعض راعى في تعريفه معنى التردد والشك ، وهو السبب الملجئ للعمل بالاحتياط والبعض راعى معنى التحفظ والتحرز من الوقوع في المحذور وهو الأثر المرجيء من العمل بالاحتياط والبعض الآخر راعى المعنيين معا ) من إجمال هذا القول بين التردد والاحتراز لا يفوتنا أن العمل بالنظرية (ألاّ يفضي الاحتياط إلى تفويت مصلحة راجحة ) ونظرا للعمل ونتائجه نجد أن المصلحة حاضرة بقوة في عدة نقاط منها :

*كتابة التاريخ الإسلامي إعلاميا يجب أن يكون من شأن المسلمين فقد غزت الشاشات كل بيت وأصبحت لا مفر منها ولا مهرب ( فالعالم يتغير ومن التغيير بروز التمثيل وسطوة الدراما ) فإن كان ولابد يجب أن يكون بأيدي المسلمين أنفسهم لا بيد غيرهم ، وقد شاهدنا كثيرا من الأعمال التي تخص الإسلام والتاريخ الإسلامي قام بها الغرب فمن يضمن أن لا يتعرض هؤلاء مستقبلا لشخص عمر أو أبي بكر أو غيرهم من الصحابة ومن يضمن أن لا يعملوا على تشويه شخوصهم   بقصد أو بغير قصد فحسب سلمان العودة قد ( تم تشويه الصورة الإسلامية في الغرب من خلال الدراما ) فما الضير على العمل لإصلاحها بأيدينا نحن .

*التعريف بشخصية الفاروق رضي الله عنه عن قرب وكثب والتركيز على بعض التفاصيل عن حياته الشخصية وعلاقته بالشخصيات الآخرى من الصحابة وطريقة دخوله الإسلام ويجد المشاهد تفسيرا لمقولة النبي عليه السلام ( اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين ) التي كان البعض ربما يسمع بها دون إدراك مغزاها فبقوة عمر ومنعته أصبح المسلمون يطفون حول الكعبة أمام المشركين ويصلون في وضح النهار ومن خلال حديثي مع أحد الأخوة عن المسلسل وفوائده قال لي أنه عازم على قراءة سيرة عمر بن الخطاب من جديد وأنه ناو على قراءة سير بقية الصحابة وقس عليه كثيرا من الشباب المتعطش لمعرفة هؤلاء الرجال وما كانوا عليه وهذه مصلحة لا يجب أن نفوتها !!

* توظيف وسائل الإعلام لخدمة الدين والمسلمين وتاريخهم وحضارتهم  فقد أصبح التشويق عنصر مهم من عناصر الجذب ، فما نراه اليوم من عزوف البعض عن قراءة الكتب ، وانشغال البعض الآخر يمكن أن يعوضه بالجلوس أمام شاشة التلفاز لفترة معينة معتبرين أنها أصبحت من مصادر العلم والمعرفة الجديدة يقول الدكتور محمد بن سعيد المعمري في مقالة له نُشرت بجريدة الرؤي ( السينما والأفلام والفنون بشكل عام ليست الغناء والموسيقى والرسم والرقص والتمثيل فقط؛ كما يتصورها الكثير من الناس إن الفنون فلسفة متكاملة تأخذ صورها ومضامينها من الحياة والفكر) ، بالتالي فاستخدام التقنية المطورة ورؤية بعض المشاهد القتالية والديكورات والمؤثرات الصوتية والصورة الصحراوية الحية كفيلة للفت الأنظار وهو ما لا يوجد في الكتب وهذا ليس تقليلا منها وإنما ما يصلح في عصر قد لا يصلح في آخر والعكس صحيح ، وقد طالعتنا وسائل الإعلام عن تجمهر الكثير من المسلمين في البلدان غير العربية حول شاشات ضخمة يتابعون المسلسل لما ضمّنه من مشاهد رائعة وأقرب للواقع في بعضها ، وحسب قناة العربية الإخبارية فقد تم ترجمة العمل لعدة لغات منها الإندونيسية ووقعت قناة إندونيسية على حقوق الإستحواذ لبثه مترجما لصالح المسلمين هناك حيث يقدر عدد المسلمين ب 190 مليون مسلم مشكلين ما نسبته 86 % من عدد السكان الأصلي ، كما قامت قناة تركية بنفس الفكرة وعرض الحلقات مدبلجة باللغة التركية لتستهدف سوقا يبلغ حجمها 70 مليون مسلم  ، لينضموا إلى 300 مليون مسلم عربي ، وتعمل قناة الأم بي سي على التفاوض مع عدة قنوات آخر لبث المسلسل مدبجلا والعدد قابل للارتفاع في قادم الأيام للتعريف بسيرة الفاروق رضي الله عنه ، ولا أتصور أن هذا العدد الكبير والهائل سيقبل على قراءة السيرة لو كانت مكتوبة في كتاب .

* لفتة رائعة من لفتات هذا العمل وهي اللغة العربية وجماليتها وسحر بيانها التي وضع لمساتها الدكتور وليد سيف ، وإن كانت متفاوتة في الأداء من قبل الممثلين ،  إلا أنها وبشكل عام فاتحة طيبة للأعمال القادمة لتغطية اللهجات الغثة في الأعمال الآخرى والتي بات كثير من الشباب يقتبسون منها بعض العبارات الهزيلة والمفردات العجيبة وخلط اللغة العربية الأصيلة بلغات آخرى دخيلة ، إن روعة الحوارات التي دارت بين شخصيات العمل تجدد دماء اللغة العربية وخاصة ذاك الحوار الذي كان يدور بين شخصيتي أبي بكر وعمر حول عدة قضايا تم نقاشها والفصل فيها بلغة هادئة سلسة بديعة .

* من ضمن المصالح المتحققة من وجهة نظري أن المسلسل غطى على مسلسلات كثيرة هابطة تعرض في نفس التوقيت لا تحتوى إلا على البكاء والعويل والتقاتل من أجل المال وغيره  ، فلنتصور لو أن العمل قد تم إيقافه ولم يعرض ألا يكون ذلك داعيا للمشاهد أن ينقلب لقناة آخرى ومسلسل آخر هابط فأي الأمرين خير .

فالتعويل على نظرية الاحتياط تفوت مصالح كثيرة يطول المقام لذكرها في هذا المقال !

3- الرؤية الثالثة التي استند عليها المانعون هي ظهور الصحابيات في المسلسل وهذا لا يجوز حسب رأيهم  وحسب علماء آخرين هو جائز بطبيعة الحال ، وأعتقد أن أصحاب هذه الرؤية مقصد بعضهم الغيرة على نساء الصحابة وآخرون يعتقدون على أن المرأة كلها عورة ، بينما لا يعتبرها الإسلام كذلك فقد كانت مناصفة مع الرجل في المعارك ونشر الدعوة والتعلم من العلماء والتعليم وهذا أمر لا يخفى على أحد ممن تتبع سيرة كثير من النساء اللآتي خلد التاريخ ذكرهن  فقد كنّ يجالسن العلماء لطلب العلم وهو أمر مدون في كتب السير والتاريخ ، وإني من المتسائلين هل رؤية مشاهد تجسدها بعض النساء لشخصيات مهمة كشخصية سمية أم عمار بن ياسر وهي تضرب برمح فتموت صبرا في سبيل الله يعتبر أمرا محرما !!

فكم لهذا المشهد من تأثير على النساء ، وتأثير مشهد الخنساء وهي تحث أبنائها طلب الشهادة في سبيل الله على الأمهات ، ومشهد أسماء وهي تشق نطاقها ، ومشهد نسيبة وهي تقاتل في سبيل الله ، ومشهد رفيدة الأسلمية وهي تطبب المصابين في المعارك ، ألا تحرك هذه المشاهد أحاسيس النساء وهنّ يتابعن الدورالذي قدمته المرأة للإسلام وما صنعت له !!

 هذه أهم الرؤى المقابلة لرؤية المانعين لمشاهدة العمل ، سقتها في هذه المقالة إبرازا للرأي الآخر ، متمنياً من المهتمين والمشتغلين في هذا المجال ممن ينشدون فنا أخلاقيا واعيا يوجه دفة المجتمع أن يعملوا على تصحيح المسار بالنقد البناء والهادف لتستمر العجلة في الدوران ، لا أن تتوقف لعلمنا أن الإعلام بشكل عام وبكل جوانبه بات يشكل ثقافة وهوية لبعض المجتمعات ، والبحث عن بدائل قيمة تهمش الموجود وتبرز المأمول ( وأن إضاءة شمعة خير من لعن الظلام ) ، على أن ما قلته قابل للأخذ والرد والنقاش ، آملا في مقالة لاحقة طرح بعض الأفكار التي تساهم في تشكيل إعلام وفن هادف يراعي الأحكام الشرعية وينشر الهوية الإسلامية الأصلية لا الدخيلة ويوجه المسلم لما فيه الخير في دنياه وآخره والله من وراء القصد .

  

0 1886 30 أغسطس, 2012 الثامن و العشرون, ثقافة وفكر أغسطس 30, 2012

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.