ملاحظات على كتاب الإيمان بين الغيب والخرافة ( الجزء الثاني)

لـ

مصدر المعرفة: بين العقل والنص

لعلي بداية أناقش مقولة أن “الغيب حقيقة قائمة لا يمكن أن يرفضها عاقل أو ينكرها الحس”. فهي في رأيي بداية غير موفقة في فهم التصور الكلي لقضية الغيب. فالكتاب يقول إن الغيب حقيقة لا يمكن رفضها من عاقل. وهنا تتم المصادرة منذ البداية على العقل. فالعقل حسب هذه المقولة مرهون بالإيمان بالغيب، وهكذا ندور في حلقة:

 

  • ·فلكي تكون عاقلا لا بد أن تؤمن بالغيب.
  • ·ولكي تؤمن بالغيب لا بد أن تكون عاقلا.

والأوْلى منطقيا أن يُبدأ بالعقل لأنه مناط الحديث في الكتاب، وهو الذي يُستعمل لدحض الخرافات والأوهام. ونقطة البداية مهمة لأنها تعاود الظهور مجددا؛ فحين يكون العقل هو المنطلق الأساس للتفكير في القضايا ومحاولة معرفة إدراجها في الحقيقة أو في خانة اللاحقيقة (الأوهام والخرافة) فلزام أن تأتي كل المقدمات متوافقة مع هذا المنطلق الأساس.

ويقوم الكتاب بتبيان البرهان على أن الغيب حقيقة قائمة:

“فرغم أنها لا تلامس حواسنا إلا أنها منبثة في كل خلية من خلايا أجسادنا، وفي كل ذرة من ذرات وجودنا”،

وهنا أيضا تتم المصادرة على المطلوب إثباته. فالكتاب مع الأمر البدهي أن الغيب لا يلامس الحواس، وهذا ما أتفق معه. ولكن أن نقول أنها حقيقة منبثة في كل خلية من خلايانا، وفي كل ذرة من الوجود، فهذا كلام عائم أقرب أن يكون عاطفيا أو وجدانيا.

وبالتالي فلكأن البرهان هذا يقول:

 

  • ·الغيب حقيقة لأنها حقيقة موجودة في أجسادنا ووجودنا.

فهو لا يشرح لنا عقليا لماذا الغيب حقيقة، وكيف هي منبثة في أجسادنا ووجودنا، فكأنه يجبرنا على اعتناق هذه الحقيقة بلا برهان.

والبرهان المتقدم من الكتاب تنقض جملته الثانية جملته الأولى؛ فالجملة الأولى تقر أن الغيب ليس مما يمكن معرفته بالحواس، وإذن كيف نعرف انبثاثه في كل خلية من خلايا أجسادنا؟ بأي حاسة نعرفه وبأي وسيلة؟ أهو حدس داخلي، أم شعور؟ وهل ينبغي لنا أن نأخذ حدسنا وشعورنا كنقطة انطلاق في مسألة تتطلب الدلائل المطلقة.

ولكنْ لماذا في رأينا يجب معرفة نقطة البداية؟

لأن الكتاب مبني كله على مقولة أن العقل هو مناط التفكير، وأنه حين تكون القضية غير عقلانية فإن المؤمن عليه أن يتركها. وهنا بالضبط تصبح القضية مسألة ابستيمولوجية:

فمصدر المعرفة في الكتاب ليس العقل حقيقة، ولكنه العقل المقيد بالنص الذي هو القرآن من خلال تتبعي للكتاب، لكن هذا العقل المقيد بالنص حينا نجده يتجاوز النص حينا آخر. فلا نعرف أيهما له الغلبة في التصور الكلي للكتاب:

 

  • ·فحين يراد لنا أن نؤمن بالغيب نجد المؤلفيْن مصرين على أخذ هذا الغيب من النص.
  • ·وحين يراد لنا أن نرفض الخرافة نجد المؤلفين مصرين على أن ُنعمل العقل.

بالتالي كان لزاما معرفة أيهما المُقدَّم في البرهان: العقل أم النص؟ ولماذا على العاقل بداية أن يؤمن بالنص نفسه؟ والمؤلفان يسكتان عن هذه القضية، وهو أمر مفهوم إلى حد ما، ذلك لأنهما:

 

  • ·لا يناقشان في الكتاب مصادر المعرفة.
  • ·وهما يخاطبان المؤمن.

مع هذا لا بد من طرح هذه القضية لأن الاعتداد الظاهر طوال الكتاب أن الغيب ليس خرافة ولكنه حقيقة يقرها العقل. والخطأ في نظري قائم على أن الكتاب يتخذ نقطتيْ بداية ولا يشرح أسبقيتهما وأقدميتهما بل يوازي بينهما أو يزاوج حسب القضية المراد مناقشتها. فكيف يصل العاقل مثلا أنه يجب عليه أن يؤمن بالنص الذي سيدله على حقيقة الغيب؟

قد يقول قائل هنا أن المعوَّل عليه حسب ما يُرى في الكتاب هو النص الذي هو القرآن؛ فالمؤلفان يقومان بالبحث عن القواعد الضابطة للإيمان بالغيب من القرآن. فإذا أضفنا أنهما يخاطبان أصلا المؤمن الذي يؤمن بالقرآن فبديهي أن ينبع السؤال الآتي:

لماذا يحتاج المؤلفان إذن إلى الاهتمام بالعقل كل هذا الاهتمام، ويجعلانه أساسا آخر في التقصي مع النص؟

فالأبسط طريقا كان أن يقول المؤلفان أن المؤمن يؤمن بالقرآن، والقرآن يقول كذا وكذا عن الغيب، وسوف نقوم بالتقاط القواعد المُحدِّدة للغيب من القرآن الذي تؤمن به أيها المؤمن، وعليك أن تصدق لأنه من القرآن. لكنّ القارئ للكتاب سيدرك أن القضايا المختلف عليها (القضايا التطبيقية)، هي:

 

  • إما مذكورة في القرآن بشيء من الإبهام أو الإيجاز.
  • أو أنها قادمة من نصوص أخرى موزاية للنص القرآني، أي الأحاديث وأقوال العلماء والمفسرين.

بالتالي يجد القارئ نفسه أمام تقسيم واضح:

 

  • فكل ما في القرآن مقبول، حتى وإن كان ظاهره غير عقلاني.
  • وكل ما في النصوص الأخرى من أمور غيبية تُحاكم بالقرآن؛ فإن كانت موافقة له قُبِلت، وإن كانت زائدة عليه أو مخالفة له فهي مرفوضة بالعقل.

وعليه فكل قضية غير عقلانية تحاكم بالمصدر الذي جاءت منه:

 

  • ·فإن كانت موجودة في القرآن فهي حقيقة، وهي غيب، لكننا غير قادرين بعقولنا القاصرة أن نفهمها لأن عقولنا تحتاج إلى مقدمات، والمقدمات في قضايا الغيب هي ذكرها في القرآن.
  • ·وإن كانت القضية غير العقلانية غير موجودة في القرآن فهي ليست حقيقة وليست غيبا يجب الإيمان به، بل هي وهم وخرافة.

ولندلل على ذلك بمثالين:

 

  1. فعمر نوح كان تسعمئة وخمسين سنة، وهذه قضية يوردها المؤلفان ضمن ما يسميانه الغيب الماضي. وعلينا أن نصدقها لأنها موجودة في القرآن. لكن عقولنا حسب المشاهدات اليومية وحسب قرآتنا في التاريخ لا تؤيد هذه الحقيقة عقليا، (على الأقل حتى الآن). ولكن بعد التصديق بها يمكن أن يُبحث لها عن تأويل؛ فقد يكون العدد هنا مختلفا عن الأعداد التي نعرفها. وخصوصا أن الكتاب يشير إلى أن الأعداد في القرآن لها معانٍ مختلفة ودلالات غير التي نفهمها نحن الآن.
  2. الحديث الذي يذكر أن “هناك نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك”. ففي هذا الحديث يقر الرسول أمر الخط على الرمل وما يعرف منه من مستقبل الإنسان. ولكن “كشف الغيب يعارض صريح القرآن” ولذا فلا يمكن التصديق بالخط على الرمل وإنما هو وهم وخرافة.

فلكأن القاعدة يمكن أن تطرح على هيئة سؤال وجواب هكذا:

السؤال: ثمة أمر غير عقلاني متداول عند الناس، هل هو حقيقة (من حقائق الغيب) أم خرافة؟

والجواب: إن كان هذا الأمر مذكور في القرآن، فهو حقيقة وقد لا نعرفها لقصر عقولنا، وقد تتكشف لنا وقد لا تتكشف لنا في مستقبل الأيام. وإن كان غير موجود في القرآن أو يناقضه فهو خرافة حتى يقوم دليل حسي عليه.

لنضرب مثالا ذكره المؤلفان لكننا نصرفه قليلا إلى وجهتنا: فالسؤال عن الجراثيم، أحقيقة هي أم خرافة؟

يكون الجواب عليه هكذا: الجراثيم غير مذكورة في القرآن، وإذن كانت قبل اختراع الميكروسكوب خرافة، ولكن بعد اختراع الميكروسكوب واكتشافها بأحجامها متناهية الصغر فقد أصبحت حقيقة. أما لو كانت الجراثيم مذكورة في القرآن وكنا نحن لا نعرفها بعدُ فإنها تكون غيبا مستقبليا. وحين نكتشفها نميط اللثام عن هذا الغيب ونُدخلها في نطاق دائرة الحواس (الشهادة).

هنا كان على المؤلفيْن فعل أمر مهم حتى وإن كان على هامش الكتاب، وهو أن يخبرانا من أين تحقق لهما أن الغيب الذي هو الإيمان بالقرآن كتاباً من عند الله، من أين لنا أن نعد هذا حقيقة؟

هذا الأمر مهم لأن عليه سينبني الإيمان بالغيب؛ فمن خلال القرآن يستخرج المؤلفان القواعد المُقنِّنة للغيب. فكان لزاما أن يكون المصدر نفسه حقيقة لا خرافة ووهما. فهناك عالم الحواس الذي نراه ونشاهده ونلمسه ولذا فهو حقيقة، وهناك العقل الذي هو أيضا حقيقة على ما يبدو من خلال سير الكتاب. فإن ابتدأنا بهاتين الحقيقتين كمقدمتين لبناء نظام كلي عن الحقائق والأوهام فإننا نحتاج إلى الآتي:

 

  • ·أن نعرف أن القرآن نص من عند الله.
  • ·وأن نعرف أن محمدا نبي من عند الله.

فلكي تترابط القضايا معا بطريقة معقولة:

 

  • ·نبدأ من عالم الجسد والحواس، ومن العقل.
  • ·ثم من هذين نعرف وجود خالق للكون.
  • ·ثم نعرف أن الخالق هذا هو الله.
  • ·ثم نعرف أن الله اختار النبي محمد ليوصل رسالته عبر مَلَك هو جبريل.
  • ·ثم نعرف أن القرآن من عند مبعوث الله جبريل إلى النبي محمد إلى الناس كافة.
  • ·وبعد هذا كله نعرف أن كل ما في القرآن حقيقة لأنه من عند الله.
  • ·وعندها نؤمن بالغيبيات، ونستطيع استخلاص قواعد الإيمان بها من القرآن.

لكنّ هذا التسلسل المنطقي غير موجود في الكتاب.

فبداية يطالعنا خطأ منطقي، وهو:

أن القرآن الذي تُستخرج منه القوانين والقواعد المقننة للغيب هو نفسه داخل في دائرة الغيب كونه كتابا منزلا من عند الله.

فمن الغيبيات التي يجب الإيمان بها حسب القاعدة الأولى: “الله وملائكته وكتبه وأنبياؤه واليوم الآخر والأحداث التي ذكرها الله في كتابه وسائر الغيبيات السمعية“. والحق أن القرآن يجب أن يدلنا على:

“غالبية الملائكة” و”كل كتب الأنبياء السابقين” و”كل الأنبياء السابقين أنفسهم” و”اليوم الآخر” و”الأحداث التي ذكرها الله في كتابه” و”سائر الغيبيات السمعية”.

لكنّ القرآن في المقابل لا يجب أن يدلنا على:

الله، ولا على الملك الذي أنزل من الله للنبي محمد، ولا على النبي محمد، ولا على القرآن ذاته.

فيجب على العقلاني (الذي هو عقلاني حقا) أن يصل إلى حقيقة هذه الأشياء قبل أن يفتح القرآن. لأنه كيف لنا أن نستدل على الله، الحقيقة الغيبية المذكورة في القرآن، من غير أن نستدل بداية على أن القرآن كتاب من عند الله؟ ومن غير أن نستدل أن النبي مبعوث من عند الله؟ ومن غير أن نستدل أن جبريل هو المَلك المبعوث من الله إلى النبي محمد بالقرآن؟ ومن غير أن نستدل على أن الله هو خالق الكون؟

قد يجيب أحدهم بأن هذه القضايا غير مهم الاستدلال عليها لأن المُخاطَب في الكتاب هو المؤمن الذي يؤمن أصلا بأن القرآن كتاب منزل من عند الله. بالتالي فإن الاستدلال في الكتاب واقع هكذا:

 

  • ·المؤمن يؤمن بالقرآن.
  • ·في القرآن الغيب هذه قوانينه.
  • ·إذن على المؤمن أن يؤمن بالغيب الذي قننه القرآن ويترك الباقي الذي هو وهم وخرافة.

حسنا، إذن أين هو العقل هنا؟ فمن الواضح أنه يكفي للتدليل على كل القواعد العودة إلى القرآن بدون التوجه إلى العقل. فما دام النص القطعي موجودا، وهو الحاكم هنا، فإنه غير مطلوب من العقل أن يدخل في أمر كهذا. والتصور الأصح إن كنا سنبدأ من المؤمن بالقرآن أن نقول هكذا:

 

  • ·ثمة قضية مطروحة.
  • ·هل وجدت في القرآن؟ نعم.
  • ·إذن هي حقيقة. انتهينا.

ماذا لو كانت هذه الحقيقة غيبية لا تعقلها عقولنا ولم تثبتها حواسنا؟ تظل حقيقة، لأنها مذكورة في القرآن. لاحظوا بالتالي أننا لا نحتاج هنا لاستخدام العقل في إثبات أن أمرا ما حقيقة. فالعقل، حسب التجارب والمشاهدات، يقول لا يمكن أن يكون عمر إنسان ما تسعمائة وخمسين سنة، والعقل يقول لا يمكن أن يخلق الإنسان من أم فقط من غير أب؟ مع أننا بالطبع لا نعرف بعدُ علميا من أين تولّد الناس الأول الذين أنسلوا الناس بعدهم جميعا.

هنا يجب أن نقول أنه لو شك المؤمن في القرآن أنه حُرِّف فإن أول ما سيشك فيه حتما هي الأمور غير العقلانية التي فيه. وهذا بالضبط ما يقول به المؤلفان وهما يتناولان قضية الأحاديث المروية عن الرسول. لكن قبل أن نتطرق إلى الأحاديث ربما نسأل مع السائل الافتراضي الذي ذكره المؤلفان:

 

  • إذا كنت لا أحس بالمغيبات فلماذا يطالبني الله تعالى أن أؤمن بها؟”

والإجابة التي يطرحانها أن ذلك ابتلاء:

 

  • ليتميز المؤمن عن سواه حين يكشف الله عز وجل له حقيقة من الحقائق؛ فالضال هو الذي يماري في الحقائق التي ذكرها الله وبرهن عليها من خلال النظر الكوني

هنا يحدث خطأ منطقي آخر:

فالإيمان بالغيب من ناحية هو ابتلاء، أي أنه لا يمكن للإنسان أن يراه أو يلمسه أو يحسه بحواسه، ولكن الله جعله ابتلاء للإنسان ليعرف من يؤمن ومن يكفر. والإبتلاء مصمم هنا لكشف من سيخاف الله بالغيب.

من ناحية أخرى الكلام المتقدم يقول أمرا مختلفا:

“أن الله كشف عن الحقيقة وبرهن عليها من خلال النظر الكوني“.

وهنا يتداخل العالمان: عالم الغيب وعالم الشهادة؛ فمن خلال النظر الكوني وكشف الله للحقائق نصل إلى الغيب. وهذا ما ينقضه الكلام المتقدم أصلا من أن العلم بالغيب لا يتأتى بالنظر في الكون. ولو كان يتأتى بالنظر في الكون، فلماذا يكون غيبا أصلا؟ فإن كان العقل قادرا على النظر في الكون وتبين الحقائق التي برهنها الله، فأين هو الغيب أصلا؟

هنا نأتي لخطأ منطقي ثالث، وهو في تعريف الضال.

فالضال حسب المقولة السابقة هو الذي يماري في الحقائق. بمعنى أن الأمر يكون واضحا لديه ويفهمه عقله تمام الفهم، لكن الضال، مع هذا الفهم، يختار أن يضل. وهذا الكلام مصادرة على العقل نفسه. فالجملة تحمل في طياتها أن هناك دلائل الله مبرهنة والحقائق معروفة والإنسان بالضرورة يعرفها، لكن الفرق بين المؤمن والضال:

 

  • أن المؤمن يقول هذه الحقيقة.
  • والضال يخفي هذه الحقيقة ويماري فيها.

والموضوع هنا معقد جدا وتبسيطه مُخِلٌّ؛ فأولا هل كل من استخدم عقله وصل إلى الحقيقة وكان مؤمنا؟ ماذا عن المجتمع مثلا: “فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه”؟، وماذا عن درجة العقل ذاتها، فهل كل شخص عاقل عاقل بذات الدرجة لكي يعرف الحقائق المبثوثة في الكون والتي دلَّل الله عليها؟ ما هو الحد الأدنى من العقل اللازم لكي يعرف الإنسان حقائق الكون المبثوثة فيه من قبل الله؟ لو أعمل الإنسان عقله في الأمور ولم يجد هذه الحقائق على من يكون الخطل؟ أعلى نفسه أم أنه يمكن أن نقول أن عقله ضل؟ ولماذا يضل عقله؟ وهنا طبعا ربما يقال أن الذي لا يصل إلى الإيمان فهو ليس بعاقل، وبما أنه ليس بعاقل فلا يجب أن يبتلى أصلا. وهنا تُدخل قضية الاختيار والجبر رأسَها في هذه الإشكالية؟ فالهداية، أهي من الله أم من الإنسان، والضلالة أهي من الله أم من الإنسان؟

نعود للمصادر التي يجب أخذ الغيب منها: فهي يجب أن تكون قطعية، وهذا طبعا يخرج الأحاديث ظنية الدلالة، بل ويخرج حتى المتشابه من القرآن، فالمتشابه يُردُّ إلى المحكم من القرآن ويُؤَّول. والأحاديث والمرويات تُرجَع إلى القرآن فإن كانت تطابق القرآن فيؤخذ بها أما إن كانت تخالفه فلا يؤخذ بها.

لكن ما الذي يمنع أن نعرف الغيب عن طريق الرسول صلى الله عليه وسلم وأقواله؟ ما الغضاضة في هذا؟ ففي القرآن يقول الله تعالى: “عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول” فهنا كلام واضح على أن الرسول يمكن له أن يعرف الغيب عن طريق الله. وإذن لا ينبغي ترك هذا المصدر وحذفه على إطلاقه. فالرسول إنسان نعم، وهو كإنسان لا يعلم الغيب ولا يمكن أن يطلع عليه إنما يأتيه من قبل الله.

هنا تكمن فجوة في كلام الكتاب فبما أنه يمكن أن يعرف الرسول الغيب عن طريق الله، فلماذا لا تكون أقواله دالة دلالة مؤكدة على الغيب؟ قد نتفق مع الكتاب أنه لو كان ثمة أمر ذكر في حديث وهو يخالف محكم القرآن فمن الضروري رده، لكن ماذا إذا كانت القضية مذكورة في الحديث ولكنها مذكورة في القرآن في المتشابه، وماذا إن كانت القضية مذكورة في الحديث وهي غير مذكورة أبدا في القرآن؟

مع هذا يجب أن نستدرك هنا على أن المؤلفين ليسا قرآنيين ظاهريين، أي أنهما مع إيمانهما بالقرآن يؤمنان أيضا بوجود السنة النبوية والأحاديث، لكنهما لا يجعلان من الأحاديث دليلا قطعيا على الغيبيات.

نعود الآن إلى تقسيم الكتاب للغيب إلى: غيب ماض وحاضر ومستقبلي ومطلق. ونرجع أيضا إلى مقولة ابتدئ بها نقاش القاعدة الأولى وهي “أن هناك فئتان: الأولى لا تؤمن بوجود أبعاد للحياة غير ما تقع عليه الحواس، والثانية تؤمن بأن هناك عوالم أخرى وراء العالم“. وواضح أن الكتاب يقصد بالفئة الأولى الماديين وبالثانية المؤمنين.

ولكنّ المادي يؤمن بأن هناك أشياء كانت موجودة وغيَّبها الزمن فأصبحت مجهولة، وأن هناك أحداثا وقعت في الماضي ثم نُسيت أو اندثرت مع الزمن. فهذا بالنسبة للمادي جائز حدوثه حسب المشاهد والمجرب. المشكلة فقط أنه يريد الدليل الحسي على الحدوث.

وكذلك بالنسبة للحاضر؛ فالمادي يؤمن بأن هناك أشياء غير معروفة وموجودة، لكنه لا يدخلها إلى الحقيقة طالما أنها مجهولة بعدُ ولم تتعدَ حاجز الاكتشاف.

وكذلك فيما يتعلق بالمستقبل؛ فالمادي يعرف أن ثمة أشياء يمكن أن تحدث في المستقبل ولم يكن بالإمكان تخيلها حتى.

وكل ذلك لأن الأحداث هذه: الماضية والحاضرة والمستقبلية، جائزة الحدوث في الواقع وتؤيدها الدلائل الحسية. فالأهرامات موجودة والمادي لا يعرف كيف بنيت، ولا يعرف كيف حنط قدماء المصريين موتاهم. والمادي يعرف أن الجراثيم موجودة رغم أن الإنسان لم يعرفها إلا حديثا. والمادي يعرف أن التقنيات والعلوم تتطور ولذا فإمكانية الوصول إلى كشوفات علمية وارد جدا. فالفكرة ذاتها من وجود شيء غير معروف أو كان معروفا ثم أصبح مجهولا أو هو مجهول وسيكتشف مستقبلاً، هذه الفكرة هي فكرة حسية تؤيدها الدلائل المشاهدة والتاريخ القريب للبشر.

فما الذي يرفضه المادي إذن؟ إنه يرفض الوقائع غير الجائزة. فأعمار الناس قصيرة نسبيا، وحين يطول عمر نبي إلى تسعمائة وخمسين سنة فإن المادي يقول هذا لا يصح عقلاً. هل يمكن أن يولد في المستقبل علم صحي يجعل الإنسان يعيش لأعمار طويلة؟ هذا ممكن طبعاً، لكنه لم يحدث بعدُ. فالمادي يحتكم في الحقائق على الجواز في حدوث الأشياء، ثم على حدوثها بالفعل. وهذا يجعلنا نعود إلى التقسيم؛ فالتقسيم إلى غيب ماض وحاضر ومستقبلي وغيب مطلق، يمكن أن يُعدَّل إلى:

 

  • ·غيب جائز الحدوث.
  • ·وغيب غير جائز الحدوث في نقطة زمنية ما.

لماذا الحديث عن المادي هنا؟ لأنني أرى أن المؤمن المُفترَض الذي يسعى الكتاب إلى إيجاده هو مادي أيضا بمفهوم من المفاهيم. فالكتاب يسعى إلى إيجاد المؤمن الذي لا يؤمن بكل شيء إلا بعد بينة. وهذا بالضبط ما يفعله المادي؛ فهو لا يؤمن بالشيء إلا بعد بينة حسية. والمؤمن المفترض لا يجب حسب الكتاب أن ينطلق في الأحاديث المروية وفي التصورات الأسطورية بل عليه أن يطلب البينة، وحين يجد البينة عليه أن يؤمن بها. الفرق بين الاثنين أن المادي لم يجد بعدُ البينة على أن القرآن من عند خالق هو الله هو خالق الكون كله، أما عندما يجد البينة على ذلك فلا أظن أنه سيكون هناك بينه وبين المؤمن المفترض فرق في الإيمان.

إن الكتاب يرفض أن يدخل في الغيب أي شيء بدون دليل قطعي. ففي دائرة الحواس (الشهادة) يجب أن يكون الدليل هو التجربة والبحث العلمي، وفي دائرة الغيب يجب أن يكون الدليل قطعيا من النص القطعي الدلالة الذي هو القرآن. هذه الرغبة في إيجاد دليل قطعي قطعية واضحة هي أمر يفهمه المادي فهما جيدا لأنه يقيم عالمه عليه أصلا. أما ما يفعله الكتاب أنه يزيد فقط من اتساع الأدلة القطعية الدلالة لتشمل نص القرآن. والمادي لا يرفض هذا بل يطالب بدليل قطعي قطعية مطلقة أيضا. فالمادي يقول للمؤمن: اعطني الدليل القطعي لكي أجعل من النص القرآني دليلا قطعيا، فأوسِّع عالمي المحسوس إلى عالم غير محسوس.

لنفحص الآن مثالا ذكره الكتاب: ” فالله واحد أحد لكن النصارى يدخلون في الخرافة حين يقولون أنه ثالث ثلاثة“. الحق أنه ليس البعد عن العقل أو القرب منه ما يجعل النصارى، أو بعضهم على الأقل، يؤمنون بأن الله ثالث ثلاثة. ما يجعل هؤلاء يؤمنون بأن الله ثالث ثلاثة هو النص الذي لديهم. فهنا ليس الأمر جائز عقليا أو غير جائز عقليا، بل هل النص قطعي الدلالة أم لا عند من يؤمن به؟ وهل حقا يقول العقل أن الله يجب أن يكون واحدا من خلال الدليل الشائع أن الآلهة ستتنازع وبالتالي سيكون هناك إله أقوى عن إله آخر، أو بأي دليل عقلي آخر؟ أما أن هذا كله برهان بعديٌّ، وُجِد بعد أن ووفق على النص وتم الإيمان به؟ كلنا يكاد يجزم أن الله لا يحتاج إلى أحد آخر لخلق وتنظيم الكون، مع هذا الملائكة لها دور في التنظيم إلى حد ما!

إن ما يؤمن به الثنوي مثلا من أن هناك إله للخير وآخر للشر يعكس أمرا نفسيا وهو أن هناك نوازع خير ونوازع شر. وفي الإسلام هناك من يُلقى عليه تبعة نوازع الشر وهو الشيطان. والشيطان في الإسلام كائن غريب بعض الشيء لأنه يستطيع أن يفعل أشياء كثيرة حتى أنه مُسلَّط على البشر بطريقة ما لإضلالهم وهو مع هذا غير قادر على إضلالهم. ولكي لا نخرج بعيدا، أترك للقارئ الكريم هذين السؤالين:

 

  • ·وجود الشيطان، هل هو أمر جائز؟
  • ·تعدد الألهة، هل هو أمر جائز؟

 

لننطلق الآن إلى جملة أخرى من جمل الكتاب:

طالب العلم في الفروع العلمية يجد نفسه بين سبيلين؛ فإما أن يعطل ذهنه ويفشل في الإبداع والتطور الذهني وإما أن يرمي الخرافة جانبا ويرمي معها بطبيعة الحال الإيمان بالغيب لأنه نشأ على تلازمهما. وبالتالي ينفك عن ربقة الإيمان أو يكون علمانيا على أقل تقدير فيضع الدين في المسجد ولا يصطحبه إلى المعمل والعمل“.

طالب العلم هذا موقفه حسب الكتاب، إما رافض أو “علماني”. وأنا أحبذ أن أستعمل كلمة “مزدوج مصدر المعرفة” بدلا من علماني. فالذي يرفض الخرافة ومعها الإيمان ذو مصدر معرفة واحد، هو العقل. أما مزدوج مصدر المعرفة فإنه يؤمن بمصدرين للمعرفة هما، العقل والنص. يؤمن بهما بالتوازي، وحين لا يعرف كيف يدمجهما معا فإنه يسلك مسلكا فصليا، أي أن يفصل حياته؛ فيضع الدين في المسجد ولا يصطحبه إلى المعمل. ورغم أن الكتاب يضع قيمة سلبية للعلماني، مزدوج مصدر المعرفة هذا، إلا أن قليلا من التمحيص يدلنا على أن الكتاب يشجع حقا الوقوف في هذا الموقف من خلال تبني دائرتين للحقيقة هما دائرة الحواس (الشهادة) ودائرة الغيب، ومن خلال تبنى منهجين في التمحيص هما الدليل العقلي القاطع والدليل النصي القاطع. فالمؤمن المفترض، في الكتاب، حين يواجهه أمر ما يصنفه بداية إلى إحدى الدائرتين ثم يعمل عليه المنهج المتعلق بإحدى الدائرتين. وهذا منهج فصلي (علماني إن شئتم). إنّ تبنِّي منهجين في دائرتين منفصلتين من غير أن يوصل بينهما برابط هو نقطة الخطل الكبرى في تصور العالم حسب رؤية الكتاب، وهو منهج علماني بامتياز.

مرة أخرى أجد نفسي ملزما أن أقول أن هذا الخطل كان سيُتجاوَز لو وضعت تراتبية للمصدرين، أي أن يكون أحد المصدرين أقوى من الآخر أو أصلا له، والظاهر على الكتاب نزعته إلى تغليب العقل ذلك لأنه أصلا موجه للقضاء على الخرافة. إلا أنه مع هذا يستخلص القواعد الإحدى عشر الأساسية في التعامل مع الغيب من النص، وهذا ما يجعل الأمر مربكا. وبالطبع هو مربك لأن الكتاب لم يخبرنا كيف توصل العقل اصلا إلى أصحية النص وقطعيته. والخطل ناتج من أن الكتاب يحارب الخرافة بالعقل، وحين يأتي للغيب يثبته بالنص. فمنهجه الإثباتي نصي، أما منهجه الدحضي فعقلي. وكانت المعادلة ستكون أبسط وأوضح لو أن العقل أُخذ كمصدر وحيد، ثم من خلاله أثبتت حقيقة النص وقطعيته. فحينها، وحينها فقط، سيكون ثمة تناسق في الرؤية الكلية للعالم.

ثمة طريقة أخرى لحل الإشكالية، وهي أن يُعترف أن العقل الذي يُتكلَّم عنه في الكتاب ليس العقل الذي نتوهمه، أي ليس هو “آلة التفكير في القضايا“، بل عقل متجاوز للعقل، عقل فوق العقل، هو العقل الذي منه نبعت دائرتا الشهادة والغيب. وبالتالي تكون آلة التفكير والنص كلاهما أداتين أو منهجين في تمحيص الحقائق، غير متناقضتين بل يكاملهما هذا العقل المتعالي. لكنْ حتى هذا التصور لا بد أن يبدأ دليله من نقطة ما، وهو ما لا يمكننا إثباته.

لكنْ إن كان العقل هو آلة التفكير في القضايا فكيف يمكن أن يضل ولا يصل إلى الحقيقة؟ هنا يدخل الكتاب مفهوما جديدا هو الهوى. ويبدو أنه “اللاعقل”، أو بكلمة أبسط: الاستخدام الخاطئ للعقل.

“أما كيف نميز بين العقل والهوى“؟

يجيب الكتاب: “فالفارق بينهما عميق جدًا ويمكن تبينه ببساطة؛ فنحن نعرف العقل بتتبع سنن الله الماضية في خلقه من خلال النظر في الكون بطرائق العلم المتنوعة, فما وجدناه قائما عرفنا أن العقل كان على صواب فيه وتصوره فيه تصور صحيح صادق، وأما الهوى فهو ما يرتسم في الذهن بدون حجة من الواقع إما تقليدا للأسلاف أو وسوسة من النفس، وهذا يعني أنه تصور خاطئ كاذب“.

يبدو هذا التعريف جيدا حين النظر في مسائل عالم الشهادة (الحواس) لكنه مع ذلك لا يردم الهوة بين عالم الشهادة وعالم الغيب. ولا يخبرنا كيف تأتى لنا أن نضع الدليل النصي القاطع في توازٍ مع الدليل العقلي القاطع. ففي سياق البحث عن المعقول واللامعقول يصبح السؤال الآتي جائزا: كيف لنا أن نعرف أن النص ليس هوى، وليس وسوسة من النفس أو تقليداً للأسلاف؟ كيف لنا أن نعرف أن ذلك “الإحساس المنبث في كل خلايانا وفي كل ذرة من وجودنا”، الذي هو الغيب، كيف لنا أن نعرف أنه ليس بهوى ووسوسة من النفس؟

0 2339 02 سبتمبر, 2012 التاسع والعشرون, ثقافة وفكر سبتمبر 2, 2012
Avatar

عن الكاتب

روائي وأديب عماني له عدة مؤلفات منها رواية الوخز والأحمر والأصفر.

عرض كل المواضيع التي كتبها حسين العبري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.