القانون في فلسفة هيجل

لـ
القانون في فلسفة هيجل
هيجل
قرن وثمانية عقود مرت على وفاة جبار من جبابرة الفلسفة  في العالم , العقل الذي افترض أن الإنسان يعرف كل شيء وأنه لاشيء لا يمكن معرفته , الامتداد النسقي للمثالية العقلية من ديكارت واسبينوزا إلى كانط , لتتوج بفلسفة روحية تاريخية تجعل من الروح أساسا للمعرفة , انه فريدريك هيجل , الفيلسوف الألماني المولود في اشتوتجارت عام 1770م والمتوفى عام 1831م.
ولد هيجل عام 1770 م  في زمن كان يعصف بأوروبا معرفيا وعلميا , ففي هذه الفترة اخترعت الآلة البخارية وأنشأ أول مصنع للنسيج والذي بشر بالثورة الصناعية , وعاش في هذا الزمن جوته و كانط وشيلنج ومالتوس وآدم سميث والكثير من جبابرة العقل البشري , كانت التربة خصبة بالعباقرة لكي تخرج من رحمهم خلاصة فلسفية عميقة , عقلا أجاد خلق النسق المعرفي بين الظواهر عن طريق ايجاد علاقة بين أضدادها , فليس هنالك عبث أو عشوائية , بل هو الترابط المنطقي بين كل أجزاء الكون .
دخل هيجل إلى المدرسة الدينية الثانوية بمدينة اشتوتجارت عام 1780م , وبعد ثلاثة أعوام توفت أمه , تأثر هيجل في مسيرة حياته بفلاسفة كثر وأخصهم اسبينوزا وشيلنج , وكان لشيلنج التأثير الأعمق في فلسفة هيجل وخاصة فيما يتعلق بفلسفة الهوية , وفي عام 1816 صار هيجل أستاذا لكرسي الفلسفة في جامعة هايدلبرج وأعقبه في جامعة برلين ,و في عام 1831 مات هيجل بعدوى الكوليرا مخلفا إرثا ضخما من النتاج الفكري سوف يتبلور في عدة تيارات هيجلية أخرى كالماركسية .
فلسفة هيجل
يمكن حصر فلسفة هيجل في ثلاثة معان , الفكر والطبيعة والروح , وكل منها ينتج من الآخر , ففلسفة الروح هي ناتج من فلسفة الطبيعة , وفلسفة الطبيعة هي خارجة من الفكر والمنطق , فالفكر هو استنباط المقولات المتعلقة بالوجود عن طريق جدلية منطقية , والتي تريد إثبات الوجود الفعلي كفكرة نسقية موجودة في العقل , وفلسفة الطبيعة هو تطبيق المقولات المستنبطة في المنطق على الوجود الفعلي في الأشياء الطبيعية كالحيوان والنبات وذلك بمعرفة الكيف والكم والجوهر والعرض , وهي هنا لاتستنبط موجودات وإنما تستنبط فكرة الموجودات, أما فلسفة الروح فهي الفلسفة التي تحدد معنى الروح في ثلاثة مراحل : الروح الذاتي  والروح الموضوعي والروح المطلق , فالروح الذاتي هي التي تحدد معنى النفس والوعي والذهن الحر , أما الروح الموضوعي فهي تحدد الحق المجرد والحياة الذاتية والحياة الأخلاقية , وتختتم الروح بالروح المطلق وهي مركب الروح الذاتي والموضوعي, وتتجلى في الدين والجمال والفن .
الفلسفة التاريخية
عرف هيجل بالفلسفة التاريخية , وهي فلسفة جدلية تقضي بأن العالم يسير وفق سيرورة منطقية حتمية أساسها الوعي الكلي , فالتاريخ لا يمضي عبثا , وإنما هو يسير وفق كليات ناتجة عن جزئيات خلال المسيرة الجدلية , فهو ليس نظام العلة والمعلول, وإنما هو منهج استنباطي للفكرة الشاملة والضرورية الموجودة مسبقا في العقل الكلي , فالدولة بشكل عام هو ما ينشده العقل وهو في بداية مسيرته أي قبل أن يكون أسرة أو مجتمعا مدنيا , فالكلية هي الأسرة وهي الغاية ولكنها تفرز الجزئية , وذلك بعد أن تتفكك الأسرة إلى أفراد و ذرات ليكونوا بدورهم أسرا أخرى , ومن هذا التفكك يزداد أعداد الأفراد والذي بدوره يؤدي الى خلق نوع من الحاجة لبعضهم لإشباع حاجاتهم الضرورية , وهذا هو مايسمى بالمجتمع المدني والذي يفترض ان تكون هنالك أعمال وحرف يتعين بها الفرد ليحقق ذاته, ويتجه بالتالي الى تكوين نقابات ومن ثم إيجاد جهة للسهر على تطبيق القوانين الناشئة من هذه التجمعات لتنظمها وهنا يأتي دور الدولة , والذي بدورها تتكون من فكرة الدستور والذي يحمل في طياته السلطات الثلاث ( التشريعية والقضائية والتنفيذية أي الملك) وبعد هذه الجدلية تبدأ الدولة بوصفها شخصية مستقلة ذات سيادة وغاية بالصراع مع الدول الأخرى عن طريق الحرب , مما ينشأ نظاما دوليا جديدا للعلاقات بين الدول , وبعد نشوء هذا النظام سيتجه العالم نحو الروح المطلق .
فلسفة الروح
إن فيمونولوجيا الروح هي التي تندرج في قسم الذات , والذات هو المطلق أو اللامتناهي أي الذي لا يمكن تعيينه أو حده , وبالتالي فهو شيء خارج عن المعرفة أو الإدراك , ولكنه باعتباره شيء فهو موجود, ولكنه غير متحقق فعليا على الأقل , وهذا ما تطرق إليه عمانويل كانط إذ أشار إلى أن العقل يدرك بالإحساس أو التفكير طبيعة الأشياء , فهو لديه الضرورة والشمول ولديه كذلك التجربة لكي يدرك الأشياء إدراكا كاملا لظاهرها المتحقق في الخارج , أما الشيء لذاته فهو علة نفسه , أي انه هو العلة والمعلول في نفس الوقت, وبالتالي لا يملك الذهن الأدوات لإدراك الشيء بذاته لأنه لا يتحقق فعليا في الواقع , فهو خارج نطاق الزمان والمكان اللذان هما نطاق أو أدوات الإدراك الحقيقية للأشياء, والتي تفترض تصورا قبليا لها في الذهن ولكنها تتحقق فعليا بالتجربة , وبما أن الشيء بذاته لا يتحقق بالتجربة لأن علته ومعلوله في نطاق ذاته بالنفس , فبالتالي فهو من الأشياء اللاممكن معرفتها , إسبينوزا افترض أن الجوهر هو الشيء لذاته ولكن ذاته متحددة أي قابلة للإدراك وذلك بمقولته ( كل إيجاب له سلب أو نفي ) وبالتالي فهو متعين تعينا ذاتيا أي قابل للإدراك , فهو افتتح فلسفته الأخلاقية بمقولة الله وأشار بأن الله هو الطبيعة , وعلل ذلك بأن العقل لا يمكن أن يؤمن بشيء غير قابل على التعيين أي فوق قدرته على الإدراك, وإلا فسوف يسقط في تناقض ويهوي إلى الإلحاد , وبما أن الطبيعة هي المتعينة ذاتيا  فهي  نتيجة سلب لإيجابيتها وإلا لما تم إدراكها بسبب ايجابيتها اللامتناهية .
أما بالنسبة إلى هيجل فالمقولة تبدأ بأن ( سلب الشيء يعني إيجابه ) يعني بان القوة الهائلة هي السلب le negation , والوجود لا يتحقق إلا من اللاوجود أي من اللامتعين إلى المتعين, وهذا هو عكس ما ذهب إليه اسبينوزا , وهو أن اللاوجود يتحقق من الوجود ,أي من المتعين إلى اللامتعين, فالطبيعة هي شيء متعين وبالتالي لها حدّ يحثنا إلى معرفة ماوراءه , أما الروح فهو الشيء اللامتعين والذي يحثنا إلى تحديده وتعيينه في جدلية دياليكتيكية تتكون من النفي ونفي النفي لإثبات الوجود العيني المطلق .
إذن فالروح بعد أن كان من المحرم أو الممنوع التفكير أو المعرفة بها, وذلك بسبب أنها علة نفسها, فإن العقل غير قادر على إدراك مالا يمكن معرفته , وبالتالي فإن كانط أشار بأنه من العبث الإبحار في هذا البحر المغرق , فإن هيجل قرر بأن الإبحار في الروح هو الممكن الحقيقي للانطلاق في بحر الفلسفة , وأنها تتجسد وتتعين فعليا في الواقع بخروجها من الروح الذاتي إلى الروح الموضوعي , والذي يكون مركبا من نفي النفي إلى الروح المطلق , فاللحظة الأولى هي لحظة السلب والتي هي الخالقة للحظة ثانية ألا وهي الإيجاب والذي ينتج بلتالي التحقق الفردي العيني , فبدون تعيين الروح الذاتي لن نصل إلى روح الموضوعي .
ومن هنا تظهر فلسفة هيجل التاريخية , حيث أن فلسفة التاريخ عند هيجل  ليست مجرد أحداث تتخذ منها العبرة , بل هي مسيرة واعية للعقل نحو الروح المطلق قد تنقطع فترة ولكنها تستمر مرة أخرى عندما ترجع للوعي الكلي , فهو مبدأ الحتمية والذي لا يفترضه اسبينوزا , إذ إن الرحلة عند اسبينوزا هي من المتعين إلى اللامتعين بينما الرحلة عند هيجل هي من اللامتعين إلى المتعين أي إلى الروح المطلق , فالصراع مع الطبيعة عند اسبينوزا هو أمر لا متناهي إما هيجل فهو يفترض الوصول إلى نهاية حتمية ألا وهي الروح المطلق أي إلى التعيين الكلي .
السيرورة
تبدأ السيرورة عند هيجل من الروح الذاتي, وذلك من النفس الطبيعية ثم إلى الوعي فالإرادة, ومن  الإرادة تبدأ النفس بالإستعداد بتعيينها في الخارج, أي في الطبيعة وذلك بالروح الموضوعي عن طريق الحق المجرد, ومن ثم الأخلاق الذاتية منشأًةً بذلك مركّب الحياة الأخلاقية , والحياة الأخلاقية تتجسد بالأسرة كنواة, ومن ثم تتفكك لكي تنشأ طبيعيا المجتمع المدني, ومن ثم تتعين في الدولة والتي ينشدها العقل الكلي من البداية ولكنها لا تتعين إلا بهذه الجدلية المتكونة من مركب الذات والموضوع أي من الحق المجرد + الحياة الذاتية = الحياة الأخلاقية أي الدولة .
المباديء المستنبطة من فلسفة الروح
من المبادئ المستقاة من فلسفة هيجل الجدلية هي:
1- الإرادة : والتي تتمثل بحرية الإرادة في التملك , فالشخصية المتعينة هي شخصية حرة تحقق إرادتها بالتملك على الشيء الذي ليس له إرادة, وهذا مايفرق بين الإنسان والحيوان .
2- الحرية : وهو أن الشخص باعتباره وجودا متحققا عينيا فهو غاية , وبالتالي لايمكن أن تمتلكه غاية أخرى لأنه ليس شيئا قابلا للتملك , فهو هنا بالتالي يلغي العبودية بين البشر , وينفي أن يكون الزواج بين الرجل والمرأة عقدا لأن العقد هو منصب على شيء أما المرأة فهي ليست شيئا وإنما هي غاية ,وبالتالي فهو اتحاد بين شخصيتين في شخصية واحدة .
3- الحب : وهو ما جعله أساسا للإتحاد بين غايتين وليس مجرد نزوة أو شهوة عابرة , فالوجدان هو الجانب العاطفي الجاذب بين الرجل والمرأة , ولكنه إرادة جزئية لأنه متقلب, ولا يحقق كليته إلا إذا اندمج مع الإرادة الكلية ألا وهو الرغبة في تكوين أسرة و الاستعداد الكامل للإتحاد في شخصية واحدة والتنازل عن الأنانية.
4- العدل : وهو أساس العقاب , إذ أن الانتقام هو حالة سلبية لا تؤدي إلى إيجاب أبدا بل إلى سلبيات أخرى , وبالتالي فإن العدل هو الرجوع إلى الضمير والخير لتحقيق تجاوز عقلي كلي على  إرادة جزئية والتي تجسدت في الخطأ , وهو هنا يؤيد الحكم بالإعدام لتجاوز الخطأ , لأن حرمان الإنسان من الحق في الحياة في جريمة القتل هو إنكار للحق ككل وليس تحايلا عليه , وبالتالي فإن تجاوز هذا النفي يكون بنفيه من أساسه لكي يتحقق العدل بصورته المطلقة وذلك بتطبيق القصاص عليه , وبالمقابل, فإن حالة الانتقام والثأر الموجودة سابقا في المجتمع البربري هي خاطئة وذلك بسبب عدم وجود قانون أو دولة تنشد العدالة الكلية والتي يفترضها هيجل هنا , ولهذا فهو يرى بأن الجريمة هي عدم وهي تحمل نفيها في جوهرها , فالفاعل هو صاحب الإرادة الحرة في الفعل وبالتالي فالعقاب هو موجود في جوهر الحق وذلك لكي يزيحه من أمام الحق بنفيه.
5- الطلاق : ولقد أيده هيجل مع التضييق عليه وذلك لأن علاقة الزواج من عناصرها الوجدان وبالتالي فالوجدان هو حالة متقلبة قد تجعل من الحياة الزوجية جحيما ينبغي تجاوزه.
6- الحرب : اعتبرها هيجل ضرورة منطقية في حسم العلاقات بين الدول لكي يتم تجاوز الإرادة الجزئية في فرض سيادة الدولة على الدول الأخرى باعتبارها هي أيضا غايات , وبالتالي فإن الدخول في صراع بينها هو ضرورة ولازمة لكي يتم السلب والرجوع إلى العقل الكلي مما ينتج منه قانون يحكم العالم بأسره , وهو هنا متفق مع غروسيوس في إدارة الدول بقانون دولي عام , إلا أن هذا القانون عند هيجل لاينشأ إلا بالحرب كحالة سلبية تؤدي في النهاية إلى التعين والتحقق الذاتي .
7- العمل : وهو سبب للتحقق الذاتي للفرد والذي يكتمل كإرادة جزئية في المجتمع المدني , حيث أن العمل واجب لتحديد عينية الفرد , فبدون التعيين لن يصل إلى التحقق العيني والذي سوف يجعله لاحقا عضوا في نقابة او جمعية حرفية, والتي تتطلب أن يخلق لها نظام يحميها لتطبق عليها القوانين المنشودة.
8- القانون هو أساس الدولة : كثرت الاتهامات ضد هيجل بأنه مروج للفلسفة التوتاليتارية أو الشمولية وذلك على حساب الديمقراطية والليبرالية , ولكن الناظر إلى فلسفة هيجل سيدرك أن هذا القانون هو التعبير الحقيقي عن إرادة الفرد وحريته وذلك بوصفه أساسا للدولة وسيادتها , فالقانون ليس خارجا عن الدولة أو انه مشرع من مصادر خارجة عنه , بل القانون هو الإرادة الحقيقية للفرد اختارها بكل إرادته لكي تعبر عنه وتحقق له اكبر قدر من الاستقلالية.
فلسفة هيجل تتحقق فعليا
يبدو أن نظرية هيجل كان لها الصدى الأوسع خلال الحربين العالميتين , إذ أن أغلب هذه الدول التي خاضت الحرب قد جسدت معنى الدولة الهيجلية وبالتالي فهي عبرت عن رغبتها في تجاوز معضلة الصراع بين شخصياتها عن طريق هاتين الحربين, والذي أسفر عنهما منظمات حقوقية للإنسان ومنظمات للعمل والبيئة والثقافة , وكذلك توجت بظهور الأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي , ولكن قد يقول القائل بأن هذه المنظمات صاحبة دور ضعيف في تنظيم العلاقات بين الدول وخاصة بين الدول الغنية والفقيرة , ويتم الرد على هذا الموضوع هو ان الفلسفة الهيجلية تفترض وصول كل دول العالم إلى تحقيق إرادتها الكلية بوصفها إرادات تعبر عن أفرادها , وبما أن الدول الفقيرة لاتعبر في حكمها عن الفرد وإنما عن سلطة عليا غير ناتجة من الشعب , فبالتالي عدم التوازن هو أمر منطقي إلى أن يتم التحقق الفعلي العيني للدولة.
المصادر المستقاة:
1- هيجل – أصول فلسفة الحق – المجلد الأول- ترجمة أ.د إمام عبدالفتاح إمام
2- هيجل –  فلسفة هيجل ولترستيس/هيجل والديموقراطية- المجلد الثاني –   المترجم السابق
3- هيجل – تطور الجدل بعد هيجل – تأليف أ.د إمام عبد الفتاح إمام
4- التربية عند هيجل – د. عبدالفتاح الديدي  د.عصام الدين هلال

hegel_portrait_by_schlesinger_1831

القانون في فلسفة هيجل

ناصر الكندي

هيجل

قرن وثمانية عقود مرت على وفاة جبار من جبابرة الفلسفة  في العالم , العقل الذي افترض أن الإنسان يعرف كل شيء وأنه لاشيء لا يمكن معرفته , الامتداد النسقي للمثالية العقلية من ديكارت واسبينوزا إلى كانط , لتتوج بفلسفة روحية تاريخية تجعل من الروح أساسا للمعرفة , انه فريدريك هيجل , الفيلسوف الألماني المولود في اشتوتجارت عام 1770م والمتوفى عام 1831م.

ولد هيجل عام 1770 م  في زمن كان يعصف بأوروبا معرفيا وعلميا , ففي هذه الفترة اخترعت الآلة البخارية وأنشأ أول مصنع للنسيج والذي بشر بالثورة الصناعية , وعاش في هذا الزمن جوته و كانط وشيلنج ومالتوس وآدم سميث والكثير من جبابرة العقل البشري , كانت التربة خصبة بالعباقرة لكي تخرج من رحمهم خلاصة فلسفية عميقة , عقلا أجاد خلق النسق المعرفي بين الظواهر عن طريق ايجاد علاقة بين أضدادها , فليس هنالك عبث أو عشوائية , بل هو الترابط المنطقي بين كل أجزاء الكون .

دخل هيجل إلى المدرسة الدينية الثانوية بمدينة اشتوتجارت عام 1780م , وبعد ثلاثة أعوام توفت أمه , تأثر هيجل في مسيرة حياته بفلاسفة كثر وأخصهم اسبينوزا وشيلنج , وكان لشيلنج التأثير الأعمق في فلسفة هيجل وخاصة فيما يتعلق بفلسفة الهوية , وفي عام 1816 صار هيجل أستاذا لكرسي الفلسفة في جامعة هايدلبرج وأعقبه في جامعة برلين ,و في عام 1831 مات هيجل بعدوى الكوليرا مخلفا إرثا ضخما من النتاج الفكري سوف يتبلور في عدة تيارات هيجلية أخرى كالماركسية .

فلسفة هيجل

يمكن حصر فلسفة هيجل في ثلاثة معان , الفكر والطبيعة والروح , وكل منها ينتج من الآخر , ففلسفة الروح هي ناتج من فلسفة الطبيعة , وفلسفة الطبيعة هي خارجة من الفكر والمنطق , فالفكر هو استنباط المقولات المتعلقة بالوجود عن طريق جدلية منطقية , والتي تريد إثبات الوجود الفعلي كفكرة نسقية موجودة في العقل , وفلسفة الطبيعة هو تطبيق المقولات المستنبطة في المنطق على الوجود الفعلي في الأشياء الطبيعية كالحيوان والنبات وذلك بمعرفة الكيف والكم والجوهر والعرض , وهي هنا لاتستنبط موجودات وإنما تستنبط فكرة الموجودات, أما فلسفة الروح فهي الفلسفة التي تحدد معنى الروح في ثلاثة مراحل : الروح الذاتي  والروح الموضوعي والروح المطلق , فالروح الذاتي هي التي تحدد معنى النفس والوعي والذهن الحر , أما الروح الموضوعي فهي تحدد الحق المجرد والحياة الذاتية والحياة الأخلاقية , وتختتم الروح بالروح المطلق وهي مركب الروح الذاتي والموضوعي, وتتجلى في الدين والجمال والفن .

الفلسفة التاريخية

عرف هيجل بالفلسفة التاريخية , وهي فلسفة جدلية تقضي بأن العالم يسير وفق سيرورة منطقية حتمية أساسها الوعي الكلي , فالتاريخ لا يمضي عبثا , وإنما هو يسير وفق كليات ناتجة عن جزئيات خلال المسيرة الجدلية , فهو ليس نظام العلة والمعلول, وإنما هو منهج استنباطي للفكرة الشاملة والضرورية الموجودة مسبقا في العقل الكلي , فالدولة بشكل عام هو ما ينشده العقل وهو في بداية مسيرته أي قبل أن يكون أسرة أو مجتمعا مدنيا , فالكلية هي الأسرة وهي الغاية ولكنها تفرز الجزئية , وذلك بعد أن تتفكك الأسرة إلى أفراد و ذرات ليكونوا بدورهم أسرا أخرى , ومن هذا التفكك يزداد أعداد الأفراد والذي بدوره يؤدي الى خلق نوع من الحاجة لبعضهم لإشباع حاجاتهم الضرورية , وهذا هو مايسمى بالمجتمع المدني والذي يفترض ان تكون هنالك أعمال وحرف يتعين بها الفرد ليحقق ذاته, ويتجه بالتالي الى تكوين نقابات ومن ثم إيجاد جهة للسهر على تطبيق القوانين الناشئة من هذه التجمعات لتنظمها وهنا يأتي دور الدولة , والذي بدورها تتكون من فكرة الدستور والذي يحمل في طياته السلطات الثلاث ( التشريعية والقضائية والتنفيذية أي الملك) وبعد هذه الجدلية تبدأ الدولة بوصفها شخصية مستقلة ذات سيادة وغاية بالصراع مع الدول الأخرى عن طريق الحرب , مما ينشأ نظاما دوليا جديدا للعلاقات بين الدول , وبعد نشوء هذا النظام سيتجه العالم نحو الروح المطلق .

فلسفة الروح

إن فيمونولوجيا الروح هي التي تندرج في قسم الذات , والذات هو المطلق أو اللامتناهي أي الذي لا يمكن تعيينه أو حده , وبالتالي فهو شيء خارج عن المعرفة أو الإدراك , ولكنه باعتباره شيء فهو موجود, ولكنه غير متحقق فعليا على الأقل , وهذا ما تطرق إليه عمانويل كانط إذ أشار إلى أن العقل يدرك بالإحساس أو التفكير طبيعة الأشياء , فهو لديه الضرورة والشمول ولديه كذلك التجربة لكي يدرك الأشياء إدراكا كاملا لظاهرها المتحقق في الخارج , أما الشيء لذاته فهو علة نفسه , أي انه هو العلة والمعلول في نفس الوقت, وبالتالي لا يملك الذهن الأدوات لإدراك الشيء بذاته لأنه لا يتحقق فعليا في الواقع , فهو خارج نطاق الزمان والمكان اللذان هما نطاق أو أدوات الإدراك الحقيقية للأشياء, والتي تفترض تصورا قبليا لها في الذهن ولكنها تتحقق فعليا بالتجربة , وبما أن الشيء بذاته لا يتحقق بالتجربة لأن علته ومعلوله في نطاق ذاته بالنفس , فبالتالي فهو من الأشياء اللاممكن معرفتها , إسبينوزا افترض أن الجوهر هو الشيء لذاته ولكن ذاته متحددة أي قابلة للإدراك وذلك بمقولته ( كل إيجاب له سلب أو نفي ) وبالتالي فهو متعين تعينا ذاتيا أي قابل للإدراك , فهو افتتح فلسفته الأخلاقية بمقولة الله وأشار بأن الله هو الطبيعة , وعلل ذلك بأن العقل لا يمكن أن يؤمن بشيء غير قابل على التعيين أي فوق قدرته على الإدراك, وإلا فسوف يسقط في تناقض ويهوي إلى الإلحاد , وبما أن الطبيعة هي المتعينة ذاتيا  فهي  نتيجة سلب لإيجابيتها وإلا لما تم إدراكها بسبب ايجابيتها اللامتناهية .

أما بالنسبة إلى هيجل فالمقولة تبدأ بأن ( سلب الشيء يعني إيجابه ) يعني بان القوة الهائلة هي السلب le negation , والوجود لا يتحقق إلا من اللاوجود أي من اللامتعين إلى المتعين, وهذا هو عكس ما ذهب إليه اسبينوزا , وهو أن اللاوجود يتحقق من الوجود ,أي من المتعين إلى اللامتعين, فالطبيعة هي شيء متعين وبالتالي لها حدّ يحثنا إلى معرفة ماوراءه , أما الروح فهو الشيء اللامتعين والذي يحثنا إلى تحديده وتعيينه في جدلية دياليكتيكية تتكون من النفي ونفي النفي لإثبات الوجود العيني المطلق .

إذن فالروح بعد أن كان من المحرم أو الممنوع التفكير أو المعرفة بها, وذلك بسبب أنها علة نفسها, فإن العقل غير قادر على إدراك مالا يمكن معرفته , وبالتالي فإن كانط أشار بأنه من العبث الإبحار في هذا البحر المغرق , فإن هيجل قرر بأن الإبحار في الروح هو الممكن الحقيقي للانطلاق في بحر الفلسفة , وأنها تتجسد وتتعين فعليا في الواقع بخروجها من الروح الذاتي إلى الروح الموضوعي , والذي يكون مركبا من نفي النفي إلى الروح المطلق , فاللحظة الأولى هي لحظة السلب والتي هي الخالقة للحظة ثانية ألا وهي الإيجاب والذي ينتج بلتالي التحقق الفردي العيني , فبدون تعيين الروح الذاتي لن نصل إلى روح الموضوعي .

ومن هنا تظهر فلسفة هيجل التاريخية , حيث أن فلسفة التاريخ عند هيجل  ليست مجرد أحداث تتخذ منها العبرة , بل هي مسيرة واعية للعقل نحو الروح المطلق قد تنقطع فترة ولكنها تستمر مرة أخرى عندما ترجع للوعي الكلي , فهو مبدأ الحتمية والذي لا يفترضه اسبينوزا , إذ إن الرحلة عند اسبينوزا هي من المتعين إلى اللامتعين بينما الرحلة عند هيجل هي من اللامتعين إلى المتعين أي إلى الروح المطلق , فالصراع مع الطبيعة عند اسبينوزا هو أمر لا متناهي إما هيجل فهو يفترض الوصول إلى نهاية حتمية ألا وهي الروح المطلق أي إلى التعيين الكلي .

السيرورة

تبدأ السيرورة عند هيجل من الروح الذاتي, وذلك من النفس الطبيعية ثم إلى الوعي فالإرادة, ومن  الإرادة تبدأ النفس بالإستعداد بتعيينها في الخارج, أي في الطبيعة وذلك بالروح الموضوعي عن طريق الحق المجرد, ومن ثم الأخلاق الذاتية منشأًةً بذلك مركّب الحياة الأخلاقية , والحياة الأخلاقية تتجسد بالأسرة كنواة, ومن ثم تتفكك لكي تنشأ طبيعيا المجتمع المدني, ومن ثم تتعين في الدولة والتي ينشدها العقل الكلي من البداية ولكنها لا تتعين إلا بهذه الجدلية المتكونة من مركب الذات والموضوع أي من الحق المجرد + الحياة الذاتية = الحياة الأخلاقية أي الدولة .

المباديء المستنبطة من فلسفة الروح

من المبادئ المستقاة من فلسفة هيجل الجدلية هي:

1- الإرادة : والتي تتمثل بحرية الإرادة في التملك , فالشخصية المتعينة هي شخصية حرة تحقق إرادتها بالتملك على الشيء الذي ليس له إرادة, وهذا مايفرق بين الإنسان والحيوان .

2- الحرية : وهو أن الشخص باعتباره وجودا متحققا عينيا فهو غاية , وبالتالي لايمكن أن تمتلكه غاية أخرى لأنه ليس شيئا قابلا للتملك , فهو هنا بالتالي يلغي العبودية بين البشر , وينفي أن يكون الزواج بين الرجل والمرأة عقدا لأن العقد هو منصب على شيء أما المرأة فهي ليست شيئا وإنما هي غاية ,وبالتالي فهو اتحاد بين شخصيتين في شخصية واحدة .

3- الحب : وهو ما جعله أساسا للإتحاد بين غايتين وليس مجرد نزوة أو شهوة عابرة , فالوجدان هو الجانب العاطفي الجاذب بين الرجل والمرأة , ولكنه إرادة جزئية لأنه متقلب, ولا يحقق كليته إلا إذا اندمج مع الإرادة الكلية ألا وهو الرغبة في تكوين أسرة و الاستعداد الكامل للإتحاد في شخصية واحدة والتنازل عن الأنانية.

4- العدل : وهو أساس العقاب , إذ أن الانتقام هو حالة سلبية لا تؤدي إلى إيجاب أبدا بل إلى سلبيات أخرى , وبالتالي فإن العدل هو الرجوع إلى الضمير والخير لتحقيق تجاوز عقلي كلي على  إرادة جزئية والتي تجسدت في الخطأ , وهو هنا يؤيد الحكم بالإعدام لتجاوز الخطأ , لأن حرمان الإنسان من الحق في الحياة في جريمة القتل هو إنكار للحق ككل وليس تحايلا عليه , وبالتالي فإن تجاوز هذا النفي يكون بنفيه من أساسه لكي يتحقق العدل بصورته المطلقة وذلك بتطبيق القصاص عليه , وبالمقابل, فإن حالة الانتقام والثأر الموجودة سابقا في المجتمع البربري هي خاطئة وذلك بسبب عدم وجود قانون أو دولة تنشد العدالة الكلية والتي يفترضها هيجل هنا , ولهذا فهو يرى بأن الجريمة هي عدم وهي تحمل نفيها في جوهرها , فالفاعل هو صاحب الإرادة الحرة في الفعل وبالتالي فالعقاب هو موجود في جوهر الحق وذلك لكي يزيحه من أمام الحق بنفيه.

5- الطلاق : ولقد أيده هيجل مع التضييق عليه وذلك لأن علاقة الزواج من عناصرها الوجدان وبالتالي فالوجدان هو حالة متقلبة قد تجعل من الحياة الزوجية جحيما ينبغي تجاوزه.

6- الحرب : اعتبرها هيجل ضرورة منطقية في حسم العلاقات بين الدول لكي يتم تجاوز الإرادة الجزئية في فرض سيادة الدولة على الدول الأخرى باعتبارها هي أيضا غايات , وبالتالي فإن الدخول في صراع بينها هو ضرورة ولازمة لكي يتم السلب والرجوع إلى العقل الكلي مما ينتج منه قانون يحكم العالم بأسره , وهو هنا متفق مع غروسيوس في إدارة الدول بقانون دولي عام , إلا أن هذا القانون عند هيجل لاينشأ إلا بالحرب كحالة سلبية تؤدي في النهاية إلى التعين والتحقق الذاتي .

7- العمل : وهو سبب للتحقق الذاتي للفرد والذي يكتمل كإرادة جزئية في المجتمع المدني , حيث أن العمل واجب لتحديد عينية الفرد , فبدون التعيين لن يصل إلى التحقق العيني والذي سوف يجعله لاحقا عضوا في نقابة او جمعية حرفية, والتي تتطلب أن يخلق لها نظام يحميها لتطبق عليها القوانين المنشودة.

8- القانون هو أساس الدولة : كثرت الاتهامات ضد هيجل بأنه مروج للفلسفة التوتاليتارية أو الشمولية وذلك على حساب الديمقراطية والليبرالية , ولكن الناظر إلى فلسفة هيجل سيدرك أن هذا القانون هو التعبير الحقيقي عن إرادة الفرد وحريته وذلك بوصفه أساسا للدولة وسيادتها , فالقانون ليس خارجا عن الدولة أو انه مشرع من مصادر خارجة عنه , بل القانون هو الإرادة الحقيقية للفرد اختارها بكل إرادته لكي تعبر عنه وتحقق له اكبر قدر من الاستقلالية.

فلسفة هيجل تتحقق فعليا

يبدو أن نظرية هيجل كان لها الصدى الأوسع خلال الحربين العالميتين , إذ أن أغلب هذه الدول التي خاضت الحرب قد جسدت معنى الدولة الهيجلية وبالتالي فهي عبرت عن رغبتها في تجاوز معضلة الصراع بين شخصياتها عن طريق هاتين الحربين, والذي أسفر عنهما منظمات حقوقية للإنسان ومنظمات للعمل والبيئة والثقافة , وكذلك توجت بظهور الأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي , ولكن قد يقول القائل بأن هذه المنظمات صاحبة دور ضعيف في تنظيم العلاقات بين الدول وخاصة بين الدول الغنية والفقيرة , ويتم الرد على هذا الموضوع هو ان الفلسفة الهيجلية تفترض وصول كل دول العالم إلى تحقيق إرادتها الكلية بوصفها إرادات تعبر عن أفرادها , وبما أن الدول الفقيرة لاتعبر في حكمها عن الفرد وإنما عن سلطة عليا غير ناتجة من الشعب , فبالتالي عدم التوازن هو أمر منطقي إلى أن يتم التحقق الفعلي العيني للدولة.

———————————————————————————–

المصادر المستقاة:

1- هيجل – أصول فلسفة الحق – المجلد الأول- ترجمة أ.د إمام عبدالفتاح إمام

2- هيجل –  فلسفة هيجل ولترستيس/هيجل والديموقراطية- المجلد الثاني –   المترجم السابق

3- هيجل – تطور الجدل بعد هيجل – تأليف أ.د إمام عبد الفتاح إمام

4- التربية عند هيجل – د. عبدالفتاح الديدي  د.عصام الدين هلال

0 5940 07 فبراير, 2010 العدد الأول, ثقافة وفكر فبراير 7, 2010
Avatar

عن الكاتب

الاسم : ناصر بن محمد بن ناصر الكندي مواليد : 23/5/1983 حاصر على درجة البكالوريوس في القانون.. شارك في مهرجان الشعر الشعبي السادس..

عرض كل المواضيع التي كتبها ناصر الكندي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.