ملاحظات على كتاب الإيمان بين الغيب والخرافة ( الجزء الثالث )

لـ

المعجزة والنبوة والكرامة

الآية في القرآن لها معان مخلتفة، وما يهتم به المؤلفان نوعان من الآيات:

• قسم معتاد وقوعه، وهو السنن والشرائع الكونية السائرة في الوجود.

• وقسم غير معتاد وقوعه، وهو يختلف في ظاهره عن السنن والشرائع الكونية المعتادة.

والمؤمن تكفيه الآيات المعتادة، أما الآيات غير المعتادة فقد جاءت لخطاب المشركين “الخرافيين”. وهناك مجموعة أشراك يقع فيها قارئ القرآن تحول بينه وبين حقيقة الآية غير المعتادة، وهذه الأشراك هي: الشرك التأويلي والشرك البياني والشرك العقلي والشرك الاجتماعي.

والشرك التاؤيلي هو “ما ينصبه التراكم المعرفي التأريخي لقارئ الآية، حيث يظل اللاحق ينقل عن السابق حتى يصبح هذا التأويل الأصل الذي يصعب تجاوزه”.

ويأتي المؤلفان للتدليل على هذا الشرك بقصة النبي يونس والحوت. فهما يريان أن القرآن لم يقل أن الحوت ابتلع يونس في بطنه ثم فلحه. إلا أن هذا ما قر في نفوس بعض المفسرين وعليه سار من جاء بعدهم. بل إن القرآن يقول أن الحوت التقم النبي يونس. وهنا يجادل المؤلفان أن الالتقام هو الوقوع في الفم أو الإمساك به. ويقران أن القرآن يطرح مصيرين ليونس، هما: إمكانية الابتلاع واللبث في بطن الحوت دون خروج، أي أن يأكله الحوت، وإمكانية الإلقاء والنبذ واللفظ.

وعليه فالقرآن، حسب نظرهما، يقول أن الحوت التقم يونس في فمه ثم دفعه إلى اليابسة. وهما هنا يدللان على أنه ورغم أن الظاهر أن الآية /المعجزة هي آية غير معتادة إلا أنها حقا من الأمور الاعتيادية. وإنما فهمها الأولون أنها “معجزة” بسبب الشرك التأويلي الذي وقعوا فيه.

والغريب أنهما وهما يحاولان أن يؤولا معنى الالتقام بشكل عقلاني نسيا أن يشرحا المصير الثاني المحتمل ليونس وهو الابتلاع. فحتى لو سلَّمنا معهما أن الذي حدث حقا هو التقام بالفم ثم فلح، يتبقى لنا أن نعرف أن المصير الثاني كان أن يلبث يونس في بطن الحوت إلى يوم القيامة، وهو مصير لا يمكن شرحه بما يقولانه من أكل الحوت ليونس؛ فإن الأكل معناه التحلل والتفتت وليس معناه اللبث، وحتى إن دل اللبث على الأكل فإن يونس بالتالي لن يبقى في بطن الحوت، بل إن الحوت نفسه سيموت بعد زمن يقصر أو يطول. وعليه فحتى وإن لم تكن المعجزة قد حصلت كمعجزة هنا فإن وقوعها وارد، وإنما التعويل على أن الله اختار مصيرا ليونس رغم أن المصير الآخر وارد جدا، والمصير الآخر هو مصير إعجازي لا يمكن تفسيره عقليا.

والشرك البياني هو “ما يقع فيه قارئ الآية (القرآنية) لانحباسه في ظاهر اللغة دون النظر في أي سياقات معرفية واجتماعية أخرى، وهذا يحدث نتيجة عدم توصل المعارف الإنسانية إلى هذه السياقات أو الإعراض عنها بعد اكتشافها”.

ويأتيان بمثال فرعون موسى للتدليل على الشرك البياني، ويقولان أن تنجية بدن الفرعون لم يكن لفظ البحر له على منطقة مرتفعة، كما ذهب إلى ذلك المفسرون الأوائل، بل هي تحنيط بدنه. ليكون لمن بعده، وهم العالمين وليس فقط بني إسرائل كما رأى المفسرون القدماء، ليكون لهم آية.

والحق أن العقلاني قد يسأل هنا: فلماذا اختص الله بالذكر هذا الفرعون، ونحن نعرف أن الأجساد المحنطة للفراعنة المصريين تشمل أجسادا لفراعنة آخرين وليست فقط لفرعون واحد. فهل كل هذه الأجساد المحنطة هي آيات أيضا؟ وعلى العموم فإن كلا التأويلين لا يدلان على أية معجزة، فلفظ البحر للأجساد الميتة أمر محسوس ومشاهد، وكذلك تحنيط الموتى عند المصريين هو أمر محسوس ومشاهد، أي أن أخذ أي من التأويلين لا يقربنا ولا يبعدنا من فهم الآية المعجزة.

والشرك العقلي هو “ما لا يتبينه قارئ الآية بسبب المغالطات العقلية التي يورثها الحس أو الخداع اللفظي ونحوهما”، وقد جاءا للتدليل على الشرك العقلي بقصة النبي إبراهيم عليه السلام والملك. والحجة أن المَلِك المذكور في الآية حاول أن يمارس الخداع العقلي على إبراهيم. والعقلاني الحق سوف يرى تماما أن في القصة من التفاصيل ما هو مفقود؛ فحين قال إبراهيم أن الله يحيي ويميت قال الملك أنا أحيي وأميت. فواضح وضوحا جليا أن الحياة والإماتة التي قام بها الملك غير ما يقول إبراهيم أن ربه يفعله. وكان أكثر عقلانية أن يرد إبراهيم عليه ليست الحياة والموت بهذا المعنى، وأن يدلل على المعنى الذي يريده بطريقة أخرى. مع هذا حين اختار إبراهيم أن يذهب إلى الدليل التالي وقال: “فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب”، فهنا كان عقلانيا أن يقول الملك أنا لا أستطيع فاجعل ربك يأتي بها من المغرب الآن. أعني أن اللعب العقلي في قضية الإحياء والإماتة الذي قام به الملك كان يجب أن يوجه رده في القضية الثانية وهي قضية القدرة على إتيان الشمس من المغرب. وبما أن هذا لم يحدث أي لم يحاول الملك أن يتذاكى ويلعب لعبه العقلية، فمعنى هذا أن الملك لم يكن حقيقة مخادعا بل متوهما فحسب. أي أنه لم يكن يخادع إبراهيم عليه السلام بل كان يتوهم حقيقة أنه قادر على الإحياء والإماتة في القضية الأولى.

وأيا كان الأمر فمرة أخرى لا يأتي هذا المثال بأي تقريب لنا لفهم الآية المعجزة، بل إنه ربما يكون جيدا التمثيل به حين يراد الكلام عن تأويل القرآن وتفسيره بشكل عام.

والشرك الاجتماعي هو “ما لا يعيه القارئ من سير الحركة الاجتماعية وظروفها التي تحدث فيها الآية”.

ويورد المؤلفان للتدليل على الشرك الاجتماعي قصة أصحاب الفيل ويقولان أن المفسرين جاءوا بغرائب كثيرة في شرحهم لمعنى الطير الأبابيل.

ومع أن الفكرة الكبرى هنا تبدو مفهومة وواضحة من أن المفسر يسقط سياقاته الاجتماعية وعقليته على النص، إلا أن المثل بحد ذاته غير جيد في نظري في الاستدلال. وبداية لنقل هنا أن الإسقاط من السياق الاجتماعي ومن عقلية المفسر على النص هو تحديدا عمل المفسر والمؤول. وإلا لكان الكلام عن تفاسير جديدة بعد التفاسير الأولى الموجودة من القرون الأولى للهجرة عملا غير علمي أبدا. أما كون المثل غير جيد فلأنه في هذا المثل بالذات، قصة الفيل، فإن معرفة المفسرين القدامى هي أقرب إلى السياق الاجتماعي الذي حصلت فيه القصة، فقد حدثت قبل مبعث الرسول بأربعين سنة، أي أن الجيل الأول الذي عايش الحدث أو الجيل الثاني مفروض منهم أنهم أكثر دراية بالحدث وتفاصيله. وهنا أجدني أقول أنه يبدو لي أن ما يريده المؤلفان ليس السياق الاجتماعي بل سياق العلم التجريبي. فهما حين يريدان أن يؤولا الطير الأبابيل فكأنهما يشيران من طرف خفي إلى أن العلم الحديث يمكن أن يعطينا تأويلا أفضل للقصة من حيث أن الذي حصل ربما كان ظاهرة طبيعية كالبراكين أو الزلازل أو سقوط مجموعة نيازك صغيرة.

ثم يأتي المؤلفان بمثال آخر للآية المعجزة، وهي قصة النبي سليمان والهدهد والنمل فهما يؤولان معرفة سليمان لكلام الهدهد والنملة أنها معرفته بطبائعهما، وبالتالي لغتهما ليس المقصود بها لغة سليمان وكلامه البشري، والنملة والهدهد لم يكونا يتكلمان بلغة بشرية، بل اللغة هي لغة النمل ولغة الهدهد أي لغة التفاهم بين جنس النمل وجنس الهدهد. وهنا طبعا يحق لنا أن نتساءل هل حقا حدث الأمر كما يقولان؟ فالآية لا يبدو أنها تستعمل كلمة اللغة بمعناها الاستعاري بل بالمعنى المباشر الواضح، والدليل أن الهدهد لم يكن يتكلم إلا بكلام موزون ومدروس وعقلي جدا، بل بكلام عقدي وسياسي بل وحتى تعليمي، يُعلَّم به النبي سليمان العلم من كائن أعلى في نقطة ما من المعرفة. فالغريب بعد ذا أن يقال أن الهدهد كان يتكلم بطريقة الهداهد التي نشاهدها بالتجربة والعيان المباشر.

وهذا هو الحال مع قصة سليمان وعرش بلقيس. فالمؤلفان يحاولان أن يبينا أنه بالإمكان أن يكون الذي عنده علم قام بنقل كرسي بلقيس بوسائل مخابراتية، وهما يفعلان ذلك لأنهما يحاولان أن يجعلا الذي هو معجز من الآيات متناسق مع السنن الطبيعية للكون والطبيعة. وهما لأنهما يركزان على هذا نسيا أمر العفريت من الجن الذي كان في خدمة سليمان؛ فكون أن العفريت كان في خدمته بحد ذاته يشكل معجزة. فالأولى بالتالي بحث كيف استطاع سليمان التكلم مع العفريت وكيف سُخِّر للعمل تحت إمرته.

عموما، يبدو من خلال قراءة الكتاب أن المؤلفيْن يريان أن المعجزة أو الآية غير المعتادة لم تكن غير معتادة حقا إلا في ظاهرها وهي إنما كانت وفق سنن الله الكونية ووفق ناموس الطبيعة والكون. ولكن عقول البشر لم تدرك ذلك بعد. أي أنهما يقولان إن الآية غير المعتادة هي ليست آية غير معتادة على إطلاقها بل هي آية غير معتادة حتى الآن، والتقدم في العلم سيثبت أن كل هذه الأمور التي أخذت قديما على أنها معجزات إنما هي من سنن الله الكونية الطبيعية ولكن غير المكتشفة بعد. وهي بالتالي على غرار ما حصل لتنجية فرعون ليكون لمن بعده آية.

ويتخذ المؤلفان موقف أن الآية غير المعتادة قد توقفت قبل فترة غير يسيرة من الرسالة الخاتمة، والقرآن هو الآية الوحيدة التي يعجز الناس عن الإتيان بمثلها ولم تأت إلى محمد صلى الله عليه وسلم أي آية أخرى غير معتادة. ويبدو أن المؤلفين يتبعان رأي بعض المختصين في دراسات الأديان، الوارد في كتاب “الله ومسألة الأسباب” لقاسم الكاكائي، الذين يذهبون ” إلى أن الإنجيل في أصله لا الذي حرفه الناس وتلاعبوا به جاء ليرسخ مفهوم السببية في الكون”، بالتالي يشدد الكتاب على أن سنن الله هي السنن الكونية والقوانين الطبيعية وأن المعجزات التي جاءت قبل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم كانت لإقناع الكافرين والمشككين لكنها ليست لإقناع المؤمنين؛ فهولاء تكفيهم السنن الكونية المعتادة والقوانين الطبيعية. مع هذا أشدد هنا أن القرآن نفسه معجزة لدى المؤمنين ونبوة النبي محمد (ص) هي معجزة أيضا؛ لأنها خرق فيما يتعلق بالسنن الكونية فالقول بانتهاء السنن الكونية قبل بعثة الرسول بزمن غير يسير لا صحة له. ويمكن بالتالي وضع الخط الفاصل لانتهاء المعجزات، إن كنا فهمنا ما يريده المؤلفان، بموت الرسول (ص).

ولعلنا يجب أن نذكر هنا سريعا أن الكتاب لم يتطرق إلى قضية النبوة، فلم يوردها في المعجزات (الآيات غير الاعتيادية)، وهي بالطبع ليست مما يمكن أن يقال عنه أنه من السنن الكونية والقوانين الطبيعية. وهي إن كانت بالتالي معجزة فمن الصعب طبعا إيجاد تفسير علمي أو طبيعي لها في المستقبل لأن التفسير العلمي بحد ذاته معناه فهم للعلاقة بين عالميْ الغيب والشهادة، أو بمعنى آخر فهم للعلاقة المادية بين الله وخلقه.

والمؤلفان من باب أولى يغلقان الباب تماما أمام فكرة الكرامة التي يمكن أن تكون لعباد الله؛ فالرسول، حسب المؤلفين، لم يكن له هذه الميزة فكيف بالآخرين كائنا من كانوا أن يحظوا بهذه الميزة التي إن وجدت فهي ستكون مدخلا للخرافة والأوهام. ولكنهم كأنهم يغضون النظر عن القصص القرآنية التي تحكي عن قصص أناس عاديين ليسوا بأنبياء ولا رسل حدثت لهم أحداث غير اعتيادية أبدا. مثل أصحاب الكهف، وأصحاب الرقيم إن كانت القصة المثبتة في السنة هي حقا شرح ما جاء عن أصحاب الرقيم، والرجل الذي أماته الله مئة سنة. أم أن هذه القصص بطريقة أو بأخرى ليست خرقا للعادة في نظرهم؟ أم أن الكرامة توقفت هي الأخرى من زمن غير يسير من بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم؟

والحق أن المؤلفين يبذلان جهدهما من أجل التشديد على سنن الكون وقوانينه، وأن أي أمر آخر يجب أن يُرجع بطريقة أو بأخرى إلى هذه السنن. فالتصور الكلي بالتالي هو أن سنن الله الكونية والقوانين الطبيعية هي التي تحكم الكون تمام الإحكام. بالتالي فالمعجزة هي آية تستخدم السنن الكونية بطريقة قد تبدو في ظاهرها بعيدة عن السنن الكونية أو خارقة لها، لكنها في الحقيقة مسايرة لهذه السنن، وعلى الإنسان أن يكتشفها فقط مع مرور الزمان وتقدم الأحوال. وحتى إن كانت هناك معجزة فهي مما كان في سالف الأزمان لمخاطبة الكافرين والمشككيين، ولكن ذلك انتهى قبل بعثة الرسول بوقت غير يسير. وبأخذ هذا الحد الزمني الفاصل يكون على المؤمن المفترض أن يردَّ المعجزات إلى قوانين وسنن الكون ما قدر إلى ذلك مع التصديق بها طبعا إن كانت وردت في القرآن. أما مع الرسول فقد جاء بمعجزة واحدة غير معتادة هي القرآن أما غير ذلك من المعجزات عن الرسول والكرامات عن الأولياء والصالحين فهي من قبيل الخرافة والوهم. ويجب رد كل ما يخالف ذلك في الأحاديث.

وبالطبع لن تمر مثل هذه الدعوة من غير هجوم سلفي مضاد؛ فالأحاديث تكاد أن تأخذ مكانا مقدسا أكثر من القرآن في فكر السلفيين. وعلى العموم فما أهتم به من شأن السلفيين هو أن هؤلاء لديهم حجة ما في أقوالهم؛ فهم يمدون أمر الإعلام بالغيب إلى الرسول لأنه موحى له، بالتالي ينطبق في نظرهم على ما قاله من الغيب ما ينطبق على الغيب في القرآن، أي يجب أن يصدق به ثم يحاول فهمه وتأويله. وهم يرون صادقين أنه بدون الأحاديث يصبح تفسير القرآن ومعرفة متشابهه بالذات أمرا صعبا جدا. فالآيات حمالة أوجه.

المشيئة الإلهية

ولكن القول بسير السنن الكونية ومضائها من غير خروقات يصدم المؤلفيْن بقضيتين حساستين هما مشيئة الله والدعاء. فالله بما أنه قادر على فعل الأشياء فإنه قادر على خرق السنن الكونية بما أنه خلقها في المقام الأول. وهنا يعلن المؤلفان مذهبهما في المشيئة الإلهية وهو أن الله يعمل مشيئته وفق سننه الكونية. فهما يوجبان حمل المشيئة الإلهية على هيمنة الله على الكون ونظامه. فالسنن المحكمة التي لا تتغير ولا تتبدل هي خاضعة لقدرة الله وإرادته ومشيئته. لا كما يتوهم البعض عندما يظنون أن القول بإحكام النواميس والقوانين وخضوع الكائنات لها أنه وقوع في القول بسلب إرادة الله.

والحق أن هذا القول في المشيئة سيكون صحيحا تماما ومتجانسا فيما لو صح كلامهما وبرهانهما أن المعجزات أو الآيات غير المعتادة إنما هي سنن من سنن الله الكونية بطريقة أو بأخرى. فهما ينتصران تمام الانتصار لمقولة أن العالم سائر وفق مشيئة الله بسننه الكونية وقوانينه الطبيعية. لكن يجب أن ننتبه لمأزق خطير هنا، فلنقل مثلا أن كل معجزات الأنبياء التي حدثت قبل مبعث الرسول محمد كانت وفق سنن الله المعتادة وقوانينه الطبيعية، ولكننا نحتاج إلى أن نزيح عن أذهاننا الأشراك التي تقيد عقولنا. هنا سنتفق مع أن مشيئة الله تسير بسننه وقوانينه. ولكن سيواجهنا أمر ما وهو أننا لم نعرف بعد تأويل هذه المعجزات وتفسيرها بالسنن الكونية. أي أنه وإن كانت المعجزات تلك سائرة حسب السنن الكونية، فإن السؤال الذي سيظهر لأذهاننا أنه كيف إذن لا تكون الكرامات موجودة، فالكرامات حتى وإن كانت غير مفهومة الآن وفق السنن الكونية فإنها هي الأخرى ستكون مفهومة في مستقبل الإيام؛ فإما أن تكون بحاجة إلى إبعاد الأشراك عن الأذهان أو أنها تحتاج إلى تقدم الزمن حتى يتيسر للإنسان فهمها.

ولأحدد المأزق وأوضحه، لا بد لي أن أذكر أن المؤلفين وهما يناقشان المعجزة لم يتحدثا بتاتا عن موضوع المشيئة الإلهية. فهما لا ينكران أن الله قادر على خرق قوانينه بالمعجزات ولكنهما يحاولان فقط أن يعقلنا هذه المعجزات قدر المستطاع، أي أن يُركِّبانها على السنن الكونية والقوانين الطبيعية. بمعنى آخر هما يحاولان أن يقولا أن المعجزات حصلت فعلا، ونحن لا نعرف بالضبط كيف حصلت، لكننا يجب أن نؤول هذه المعجزات قدر المستطاع بالسنن الكونية والقوانين الطبيعية، فإن لم نقدر الآن فسوف ينكشف لنا أنها ضمن القوانين الطبيعية في المستقبل، كما حصل في أمر تنجية بدن الفرعون. لكن لماذا لم تذكر المشيئة في سياق المعجزات؟ فبما أن سنن الله وقوانينه هي السائدة، فلماذا احتاج الله أن يثبت نبوة أنبيائه بالمعجزات؟ فالله خالق للسنن الكونية ومشيئته في السنن لا خارج السنن، وعليه كان لزاما أن نسأل: لماذا شاء الله أن يخرق القوانين في أمر المعجزات، ولا ينبغي لنا أن نفكر في الخرق في مسألة الكرامات؟

فإن قالا إن الخرق لم يقع حقا وإنما المعجزات تلك هي سنن لم تكتشف بعد أو أنها غيبت عن أذهاننا بفعل الأشراك. قلنا: أن الكرامات هي كذلك ليست خروقا وإنما سنن لم تكتشف بعدُ وغيبت فقط عن أذهاننا بفعل الأشراك. وإن لم نقدر على تأويل الكرامات الآن فسوف يأتي المستقبل فنتبين أن هذه الكرامات ما هي الإ سنن من سنن الله وقوانينه.

والمأزق الحقيقي في رأيي نابع من اتخاذ موقفين في قضيتين متشابهتين هما المعجزة والكرامة: فهما كأنهما يقولان التالي: المعجزة خرق للسنن، لأن الله قادر على فعل الخرق كما هو قادر على فعل الخلق في البداية. لكن الكرامة لا تجوز، لأنها خرق ولا يجوز الخرق لأن الله أراد أن تكون مشيئته بالسنن الكونية والقوانين. وأصل هذا المأزق هو اتخاذ برهانين في القضايا المطروحة للنقاش: البرهان النصي والبرهان العقلي. والمسألة كانت ستكون أبسط من هذا لو أنهما قالا أن القرآن ليس فيه شيء اسمه كرامة وفيه شيء اسمع “معجزة” أو آية غير معتادة. وبالتالي يُسقِطان الكرامة ويثبتان المعجزة بالنص القطعي بعيدا عن إدخال العقل في الوسط. فهنا يكون المُعوَّل على النص القطعي الذي هو القرآن. وبعدها لهما الحرية في أن يؤولا المعجزة بطريقة السنن الكونية، التي إما أنها ظاهرة وعقولنا عليها غبش الأشراك، أو أنها غير مفهومة بعدُ وسيتكفل الزمن بإفهامنا انها مجرد قوانين وسنن كونية. أما أن يبرهنا على وجود المعجزة بالنص، ويبرهنا على انتفاء الكرامة بالعقل، فهذا مزج بين برهانين لا يستقيمان معا. والسؤال البسيط تماما الذي يمكن أن نوجهه لهما هو: إن كان الله أراد أن يخرق قوانينه في قضية المعجزة، أيا كانت طبيعة هذا الخرق، أكان خرقا مؤقتا يزول مع الأيام أو كان خرقا دائما لن نستطيع اكتشافه حتى مع تقدم العلوم وتطور فهمنا للكون، فلماذا نستبعد أن الله يخرق قوانينه في قضية الكرامة؟

بالتالي كان المنطق سيكون صحيحا لو كان ترتيبه هكذا: المؤمن يؤمن بالقرآن نصا قطعيا. في القرآن توجد المعجزة. على المؤمن إذن أن يؤمن بالمعجزة. الله قادر على فعل الخرق في المعجزة ذلك لأنه ذكرها في القرآن. لم يذكر الله الكرامة وبالتالي ليست الكرامة موجودة. الأصل في الأشياء اتباع السنن والقوانين الكونية ولكن المعجزات مجرد استثناء يتم لو قيل لنا أنه تم في القرآن. إذن نثبت المعجزة وننفي الكرامة. ثم نأتي للمعجزة ونحاول أن نؤولها بالسنن الكونية أو بالقوانين فإن لم نقدر ننتظر الزمن ليفعل ذلك.

هنا يجب أن نشير إلى قضية النبوة التي لم تناقش في الكتاب. فالنبوة بذاتها خرق وهي بالتالي معجزة أو آية غير معتادة. كيف يمكن أن يفسر لنا المؤلفان هذا الخرق بالسنن الكونية والقوانين؟ إنه خرق مطلق في رأيي؛ فالزمن لن يجعلنا قادرين على أن نعرف كيفية حدوثه بالسنن الكونية والقوانين، وإلا كان معنى هذا أن الأجيال القادمة بعد مئات السنين ربما ستصبح جميعها قادرة على الاتصال بالله ووصل دائرة الشهادة بدائرة الغيب.

0 1911 09 سبتمبر, 2012 التاسع والعشرون, ثقافة وفكر سبتمبر 9, 2012
Avatar

عن الكاتب

روائي وأديب عماني له عدة مؤلفات منها رواية الوخز والأحمر والأصفر.

عرض كل المواضيع التي كتبها حسين العبري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.