العلاقة الأصيلة بين الحكومة ومجلس الشورى

حين تابعت كغيري من العمانيين ، البيان الوزاري لمعالي الدكتورة مديحة وزيرة التربية والتعليم ، شعرت شخصيًا ، بأن هناك شئ ما جديد ومستحب في العلاقة مابين الحكومة ومجلس الشورى ، يجب ترسيخه وتجذيره والبناء عليه ، لتنتقل تلك العلاقة من الصراع إلى التكامل ، وهي العلاقة الحقيقية بعينها .

فالمتابع لتجربة الشورى في سلطنتنا الحبيبة ، من مجلس الزراعة والأسماك ، إلى المجلس الإستشاري للدولة ، وصولًا إلى مجلس الشورى عام 1991م ، ومراحل تطور المجلس بعد ذلك ، من الإختيار إلى الإنتخاب المباشر ، مرورًا بجرعات الصلاحيات ، والتي بلغت أوجها مؤخرًا ، يشعر بأن هناك حلقة مفقودة في تجربة الشورى ، وأن هذه الحلقة محورية وأساس .

الأمر الذي ينبغي ملامسته بجدية وشجاعة ، وعلاجه ، ليعلم الشورى ماذا يراد له ومنه ، ولتعلم الحكومة ، دور الشورى والمرجو منه .

أما إذا بقيت الثقافة السائدة ، والشد والجذب هما سيدا الموقف ، فستصل بنا الأمور- كما تشكلت في وجدان ثقافتنا البرلمانية الفتية – إلى حزبان ، حزب الحكومة ، وحزب الشورى ، وكل حزب بما لديه فرحون!!

ومابين شعار الحكومة على خطأ ، أو يجب أن تُخطأ ، وشعار المجلس قاصر ، ويجب تحجيمه ، وأن الحكومة لاتُخطئ ولا تُخطأ ، تتسرب الجهود والممكنات ، وتترسخ ثقافة الكيدية ، وتصيد الأخطاء ، والتربص ، وتسجيل النقاط ، فيذهب ريح الدولة ، بأطيافها ، ومكوناتها ، وطموحها ومقدراتها ، وهذا المناخ البائس ، كفيل بجعلنا قوم سلط الله عليهم ، كُثر الجدل ، وقلة العمل ، والعياذ بالله .

وحين أعود إلى بيان معالي الدكتورة مديحة ، فقد أعجبني فيها الهدوء ، والواقعية في الطرح ، والثقة بالنفس ، وإحترام الرأي الآخر ، رغم شطحات البعض ، وحدتهم ، ومحاكمتهم لعثرات الوزارة ، طيلة أربعة عقود من الزمان في شخص الوزيرة!!

ونموذج الدكتورة مديحة – من وجهة نظري – هو النموذج المثالي لتعامل الوزراء مع المجلس ، فلا صدام أو تعالي أو مراوغة .

حيث إعتدنا ، أن يأتي الوزير متسلحًا بذهنية قصور المجلس وأعضاءه ، وبثقافة قدسية الحكومة ونزاهتها من كل خطأ ، ويأتي العضو بذهنية أن الحكومة خصم ، ويجب تخطئتها ، وتهويل صغائرها ، وتجاهل منجزاتها

بل وإعتقد بعض الأعضاء – كنتيجة لغياب الثقافة البرلمانية – بأن الحدة في الطرح ، والإحراج والتجريح ، هي من سمات العضو الغيور الفاعل!!

واقــع الـمـجـلــس:

الحقيقة إن المجلس ومنذ إنشائه عام 1991م، لم يعلم سر وجوده والدور المنوط به ، المرجو منه حق العِلم والمعرفة ، وإن كان الظاهر هو الدور الإستشاري ، والشريك للحكومة ، في رسم السياسات العامة، والتنمية، والتشريع ، ومرد ذلك برأيي ، إلى عدم وجود تصور واضح من قبل الحكومة ، لدور المجلس الحقيقي ، وما يراد له ، ومنه ، بعد الإنتقال من تجربة الإستشاري إلى الشورى ، وغياب ذلك التصور وقصوره يكمن في بعض المبررات غير المعلنة ، ولكنها جلية لمن يقرأ ما بين السطور، أو يعيش التجربة عن كثب ، ويمكن حصرها في التالي :

(1) شعور الحكومة بأن مجلس الشورى، سيفقدها حظوتها وهيبتها وتفردها برسم السياسات وصناعة القرار.

(2) شعور الحكومة بأن المجتمع العماني، مجتمع حديث عهد بهذه الأساليب من المشاركة، وبالتالي لا زال في مراحل التشكل الأولي، فكريًا وذهنيًا، الأمر الذي يوجب إنتاج تجربة تكون فيها للحكومة السيطرة والسطوة وجملة من الخيارات لإدارتها بما يبقى لها اليد الطولى.

(3) غياب الخصوصية العمانية في تجربة الشورى ، خلقت في وجدان الحكومة والشعب معًا، إستيراد أنماط تجارب برلمانية ومحاكاتها، وتقليدها ، وبالتالي خشية الحكومة من فلتان الأمور وسقوط هيبة الدولة، من جراء الإنفلات الذي قد يصاحب التجربة بصورة جزئية أو كلية ، وهذا مرده أولاً وأخيرًا إلى غياب العمق الفلسفي للإطار العام لتجربة الشورى  العمانية الضامن الآمن لها ، وصمام أمنها ، من ثم الحراك بداخل ذلك الإطار رأسيًا وأفقيًا، وبكل إرتياح على قاعدة “كن أنت ذاتك، لا كما يريد الآخرين”.

فالديمقراطية ومشتقاتها ، سلع ، إن تم إنتاجها محليًا ، سهل تطويرها ، وتطويعها ، لمنظومة القيم والأخلاق والثوابت ، وإن استوردتها ، فلا بد أن تبقى تحت رحمة وتوجيه المُنتج الخارجي ، وتمتثل لثقافته ، وآلياته وأخلاقه .

(4) كان من نصيب المجلس في جميع فتراته ، أعضاء ، غالبيتهم ، غير واعين أو مدركين لهذه التجربة ومتطلباتها، وثقافتها، وحدود وهامش حركتهم ، بما لا يستفز الحكومة المستنفرة أصلاً، ولا يخل بدورهم الوطني في البناء والنقد الإيجابي والمشاركة ، وإن كنا لانستطيع تجاوز أو تغييب إخلاصهم وغيرتهم ، ومرد ذلك إلى جملة من الأسباب نوجزها فيما يلي:

أ- غياب الحوافز المادية والمعنوية الجاذبة لعضوية مجلس الشورى، والكفيلة بإستقطاب العناصر الفاعلة والواعية، والتي يمكن تطويعها وتكييفها سريعًا ودون عناء، لخوض هذه التجربة، والنهل من ثقافة الرأي والرأي الآخر، دون تجريح أو تشهير أو تصلب أو تسجيل نقاط ، ويعود هذا الأمر برمته إلى مسؤولية الحكومة وعلى عاتقها، للحد من هذه التجربة وتحجيمها، ربما لعدم توفر القناعة الكافية لأطياف بداخلها، لترشيد هذه التجربة وإنجاحها، وقد تجسد ذلك في التأرجح ما بين صلاحيات المجلس ومزايا الأعضاء وشروط العضوية ، في كل فترة من الفترات، بما يمكن تفسيره ، وفهمه ، بأن هناك شيء من الضبابية لدى الحكومة والتوجس تجاه تجربة الشورى ، الأمر الذي سبب التوجس المضاد لدى المجلس والشعب فيما بعد ، وكرس الصدام وثقافة تسجيل النقاط ما بين الطرفين الشريكين، الحكومة ومجلس الشورى.

ب- إستباق الحكومة للدراسات الجادة في المجلس، بالعمل على إستصدار مراسيم سلطانية، أو قرارات إدارية، تحمل مضامين جزئية من تلك الدراسات وتوصياتها قبل إكتمالها، وبالتالي ضمان لنسفها قبل أن تكتمل وتشكيلها عبئ معنوي أو قانوني أو أخلاقي على الحكومة، وهذا الإجراء للأسف سبب شرخًا في العلاقة التكاملية بين الحكومة والمجلس، زاد من رصيد التربص وثقافة تسجيل النقاط..

(5) ترك المجلس بإمكانياته البشرية والتشريعية والإدارية المحدودة يجتهد في كيفية خوض التجربة ورسم ملامحها، وترجمة دوره ، أدخل المجلس في دوامة من الإجتهادات ، والرؤى ، والتفاسير المتباينة، والتي جعلته يراوح مكانه في كثير من المراحل والأوقات ، ويفقد بوصلة الإهتداء الحقيقية لتحقيق أهدافه والقيام بالدور المنوط به على الوجه الأكمل ، ووفق الإمكانات المتاحة.

(6) تنازع الإختصاصات وتداخلها، ما بين المجلس ومجلس الوزراء ومجلس الدولة ، ووزارة الشؤون القانونية، ومكاتب أصحاب المعالي المستشارين لجلالة السلطان المعظم ، والوحدات الحكومية والهيئات و غرف تجارة وصناعة عُمان و المجلس البلدي بمسقط ، ساهمت جميعها وإلى حد كبير في إعاقة عمل مجلس الشورى ، وجعلته يتلمس صلاحياته وهامش حركته بصعوبة كبيرة ، وهذا الأمر أي تنازع وتداخل الإختصاصات لا يعاني منه المجلس لوحده ، بل الجهاز الإداري للدولة برمته ، لغياب المراجعة الجادة للتشريعات والقوانين السارية ، واللهاث خلف المزيد منها دون الإلتفات نحو تنقيح ومراجعة الموجود منها، وإدخال الفاعلية والمرونة والواقعية عليها.

ومن المرجح زيادة معاناة مجلس الشورى ومضاعفة ضبابية موقفه ، في ظل وجود جهاز الرقابة المالية والإدارية وصلاحياته الجديدة ، وإستقلالية القضاء وتنوعه ، والمجالس البلدية المنتخبة في المحافظات ، والتقسيم الإداري الجديد للبلاد إلى محافظات.

(7) لم يستوعب مجلس الشورى، قدراته الحقيقية، وهامش حركته، وحقيقة دوره، وهذا مرده إلى جملة الأسباب التي ذكرناها سابقًا، وكانت نتيجة ذلك أن قدم المجلس نفسه للحكومة والمجتمع ، وكأنه “بيت خبرة شاملة” تقدم الدراسات والبحوث وفق إختصاصات اللجان الدائمة فيه، وبالتالي أخرج المجلس أعدادًا هائلة من “التقارير”، منذ إنشائه، وأسماها دراسات ، وهي لا تتمتع بأية صفة من صفات الدراسات أو البحوث ، في منهجيتها أومضامينها ، وكل دراسة من تلك تحتوي على مئات الصفحات التي لن يقرأها أحد للأسف الشديد ، وهذا كنوع من التعويض عن النقص الذي يعتري المجلس والتهميش الذي يعانيه وعدم الوضوح والضبابية التي تكتنف مسيرته ودوره وصلاحياته.

(8) ترسخ إعتقاد لدى المجلس بإمكانيه قيامه بكل شيء ، ودراسة أي شيء ، وما لم تأخذ الحكومة بجميع توصياته وتطبقها، فإنها بالضرورة تريد مجلس صوري ديكوري للتلميع والمزايدات السياسية لا أكثر ولا أقل، وفي المقابل ترى الحكومة إن المجلس كتجربة وكمكونات لا زال قاصرًا وبعيدًا عن الواقع ، دون رغبة منها في تغيير هذا الواقع إلى ما يفك هذا الإشتباك ، وتضييق مساحة الإستعداء والصراع الخفي بين الحكومة والمجلس ، والذي سيصل بالنتيجة إلى إستعداء وفقد ثقة ما بين الحكومة والشعب ، وهي مرحلة خطيرة جدًا، ما لم تعالج بعقل اليوم.

مـمكنــات الـمـجـلـس:

لا يمكن الحديث عن الممكنات بمعزل عن المناخ الملازم لتحقيقها، والتي يمكن إيجازها في التالي:

1- من الضرورة بمكان أن ينتهج المجلس، سلوك التأهيل الجاد لأعضاءه ومنتسبيه، على الوجه الأكمل، ليتمكن بعدها من القيام بأعباء مسؤولياته بصورة مرضية، على أن يتلمس الخطوات التالية في تقديري:

أ- إستحداث دائرة تُعنى بالثقافة البرلمانية، يناط بها تأهيل الأعضاء الجدد على العمل البرلماني ، وبسط الثقافة البرلمانية ، والأعراف البرلمانية ، وما يتصل بها ، والمسئولية الوطنية للأعضاء ، عبر مطبوعات ومحاضرات وندوات تعقد خصيصًا لذلك ، طيلة الفترة البرلمانية.

ب- قيام الأعضاء في بداية كل فترة ، وبعد إجتيازهم للتأهيل البرلماني، بزيارات ميدانية لجميع ولايات السلطنة ، والمرافق الحيوية فيها، للتعرف على البلاد ومتطلبات المواطنين ، وكي يتحدث العضو بلغة العارف، وبلغة الوطن الواحد، لا بلغة الولاية أو المحافظة على الدوام.

جـ- قيام الأعضاء بزيارات تعارف في بداية فترتهم كذلك إلى وكلاء الوزارات ومن في حكمهم ومدراء العموم ، للوقوف على برامج وخطط وزاراتهم ، وكيفية التنسيق معهم ، وذلك من باب تعرف العضو على إختصاصات الوزارات والوقوف على برامجها وخططها لتجنب الإزدواج في المعالجة وتبني القضايا والحلول ، مع ضرورة خلق قنوات تواصل دائمة بينهم ، لتعزيز الثقة والتعاون ، وترسيخ ثقافة الفريق الواحد .

2- ضرورة مراجعة المجلس لأداءه منذ إنشائه ، وإستعانته بالقدرات التي تعاقبت عليه ، وخلق قنوات تواصل دائمة معها ، وتشكيله هيئة إستشارية دورية ، من الأعضاء السابقون ، ممن يتوسم فيهم القدرة والكفاءة ، لتقييم أداء المجلس وبحث سبل تطويره ، على الدوام ، وللإستفادة من فضيلة الخبرات التراكمية ، لإثراء تجربة المجلس وأعضاءه .

   مع ضرورة إعتماد المجلس ، لأساليب جديدة وفاعلة في صياغة تقاريره ومضامينها وأحجامها ، والتركيز على الكيف بدلًا عن الكم وإعتماد المنهجية التالية :

تجنب المجلس للدراسات والإسهاب فيها بما لا يفيد ولا يخدم الموضوع، واعتماد التقارير، والتي هي في الأساس صلب عمله وإختصاصه، حيث إن الدراسة يراد منها تسليط الضوء على أمر غير معلوم لإبرازه ، وإظهاره إلى الوجود من جميع جوانبه، كدراسات الجدوى وغيرها، أما دراسة ما هو موجود ومعلوم كليًا أو جزئيًا ويعتريه القصور فالأمر لا يتطلب سوى تقرير موجز يرفع بشأنه إلى جهة الإختصاص، مع الإحتفاظ بخلفية ذلك التقرير من زيارات ميدانية أو لقاءات أو إستطلاعات رأي أو إستبانات، في ذاكرة المجلس.

تنسيق المجلس مسبقًا مع جهة الإختصاص ، بشأن الموضوع المنوي دراسته ، توفيرًا للجهد والوقت ، حيث يتبين للمجلس في بعض الأحيان ، أن جهة الأختصاص تدرس ذات الموضوع في نفس الوقت ، وقد يفوق طرحها وعمق توصياتها – بحكم الإختصاص – طرح وتوصيات المجلس ، وبقليل من التنسيق  يمكن الخروج بتصور مشترك ، يخدم المصلحة العامة بغض النظر عن صاحب الفضل والجهد في ذلك .

يجب أن تبتعد لجان المجلس ، عن فكرة ضرورة دراسة أي شئ وكل شئ ، فمالم تجد اللجنة ، مايستحق الدراسة فحري بها الإكتفاء بنشاط اللجان الأخرى ، والمجلس عمومًا ، ويفترض أن يشكل ذلك نهجًا جديدًا للمجلس في تقييمه للجان ونشاط أعضاءها ، أي إعتماد الكيف على الكم .

يمكن للمجلس – كنهج جديد –  تكليف باحثين مختصين من خارج المجلس ، أو جهات بحثية ، للقيام ببحوث ، أو دراسات ، ذات قيمة عالية بمقابل مادي ، كجامعة السلطان قابوس ، أو مجلس البحث العلمي .

3- لا شك إن اللقاءات الدورية ما بين مجلس الوزراء ومجلس الشورى، واللجنة الوزارية المشكلة للتواصل مع المجلس، يضاف عليها، اللقاءات ما بين الأعضاء وأصحاب السعادة الوكلاء بصفة دورية مستمرة للوقوف على آخر المستجدات، وما على شاكلتها من قنوات تواصل مثمرة وجادة ، جميعها ستسهم إسهامًا كبيرًا في تقريب وجهات النظر، وخلق قراءة واقعية وجادة للمزاج العام للدولة، ونقل العضو ليصبح في الخندق الأول للمسئولية، والمشاركة الفاعلة عبر ذلك التواصل المثمر، وهذا ما يفترض بالحكومة أن تعتبره فرصة هامة لتزيح عن كاهلها، ثقل التفرد بالمسئولية، والتفكير والتخطيط والتنفيذ، عبر إشراك أطياف من الدولة كمجلس الشورى ومجلس الدولة، والمجالس البلدية، والمحافظين، والنخب الفكرية والأدبية، كل ذلك التفاعل الإيجابي من جميع تلك الأطياف لابد أن يكون له الصدى الإيجابي ، والثمرات الإيجابية، حيث لن تعود الحكومة هي الصدارة في كل شيء والمسئولة عن كل شيء كذلك.

يضاف على ذلك إن هذه السنة الحميدة، ستخلق واقعًا جديدًا في العلاقة ما بين الحكومة وتلك الأطياف ، وعلى رأسها مجلس الشورى ، حيث سيتعمق الوعي والشعور بالمسئولية المشتركة بصورة أكبر، وستزول أعراض التوتر وثقافة تسجيل النقاط بينهم تدريجيًا، والأمر الأهم، إن ذلك سيمثل تأهيلاً كبيرًا للعضو الجاد، في زمن أصبح الشورى ليس شريكًا في التشريع والرقابة فحسب، بل شريكًا مرتقبًا ، في السلطة التنفيذية كذلك، عبر أوامر مولانا جلالة السلطان المعظم – حفظه الله وأبقاه – بتوزير عدد من أعضاء المجلس في كل تشكيل حكومي جديد ، فبتبصيره يكون العضو قريبًا من جو وثقافة رجل الدولة ، بوعيه وطرحه ومسئولياته .

4- يفترض أن يؤمن العضو، بأن الحصول على معلومات ما عن موضوع ما، بطرق غير مشروعة وغير رسمية أو متعارف عليها، قد يعرض أمن بلده للخطر، دون وعي أو قصد منه ، والأمن هنا بمفهومه الشامل، فليس من دور العضو أو المطلوب منه، أن يسعى إلى طرق ملتوية بقصد إلحاق الضرر أو الحرج بالآخرين، وأقلها التقليل من هيبة الدولة والنيل من إحترامها ، أو إحراج الحكومة لمجرد الإحراج ، أو التقليل من صدقيتها ، أوإضعافها ودفعها لسياسات أو قرارات ، تحت تأثير وضغط الرأي العام ، دون دراسة ، وعلى حساب أولويات ملحة أخرى .

فدور العضو الحقيقي هو التحقق من صحة ما يرد إليه عبر الطرق غير الرسمية، وإبداء الرأي فيما يعرض عليه بالطرق الرسمية كذلك ، ما عدا ذلك فإن عواقبه ونتائجه عكسية وسلبية على العضو والمجلس والحكومة والشعب معًا، طالما توفرت قنوات وأساليب مشروعة لتحقيق الأهداف والنتائج دون ضجيج أو إستعراض.

5-يفترض أن يعلم العضو بأن هامش حركة الوزير والحكومة ، ليس بمرونة وهامش حركة ومساحة العضو والمجلس ، فالحكومة (أي حكومة وفي أي بلد) تؤطر حركتها ، وقراراتها ، وسياساتها ، حسابات وتوازنات داخلية وخارجبة دقيقة ومعقدة في كثير من الأحيان ، قصيرة المدى وبعيدة المدى كذلك ، وبالتالي لايمكنها تلبية كل شئ في أي وقت تشاء أومتى ما طلب منها ، كما لايمكنها أن تفصح عن كل شئ للرأي العام بزعم الشفافية ، فلا وجود لحكومة “الكتاب المفتوح” لمن أراد قراءته ، الا في أذهان الحالمين فقط ، وكذلك الحال بالنسبة للوزير ، والذي في النهاية ينفذ سياسات حكومة في قطاعه ، وفرد في منظومة ادارية مسئولة ، فالعضو يحمل مطالب ، والحكومة جهة تنفيذ لتلك المطالب ، ومالم يتفهم الطرفين ظروف ودوافع كل طرف ، والممكن والطموح ، فسيسود جو التشنج والريبة العلاقة بينهما ، وسينعكس ذلك سلبًا على الدولة ومكوناتها بلاشك .

6- يفترض أن يؤمن العضو، بأن خدمة ولايته، ومواطنيها، يمكن تحقيقهما دون ضجيج أو صخب، وذلك بإلتماسه الطرق القانونية والرسمية لتحقيقها، ولائحة المجلس واضحة وصريحة في هذا الجانب، كما إن سعيه للقاء المسئولين لشرح أهدافه ومطالب ولايته أكثر إثمارًا من إنتظار بيان الوزير والصراع مع الوقت، ويكتفي بعد ذلك في جلسة بيان الوزير بتذكيره بمطالب ولايته ولقاءه معه ، وللعلم فإن هناك أعضاء حققوا لولاياتهم العديد من المشاريع والمنجزات، بعيدًا عن الأضواء والصخب، بلباقتهم وسلوكهم ودأبهم على المثابرة والمتابعة بالرسائل والإتصالات واللقاءات مع المسئولين.

7- لا شك إن حركة العضو اليوم، ومسئولياته من واقع صلاحيات المجلس التشريعية والرقابية، تملي عليه التواصل الدائم والعمل الدؤوب الأمر الذي يدفعنا إلى القول بضرورة أن يكون له مقرًا رسميًا وموظف تنسيق واحد على الأقل، لتنظيم مواعيده، وإتصالاته، وصياغة مراسلاته، وحفظ إرشيفه، سواء كان هذا المقر في المجلس نفسه أو في مكتب الوالي في ولاية العضو، أو بموقع يستطيع العضو تأمينه ويحقق من خلاله ما يصبو إليه.

8- من الضروري جدًا إستحداث وحدة بالمجلس خاصة بإستطلاع الرأي العام، والذي يمكن من خلاله بناء تصورات إيجابية لمواضيع تشكل هاجس للناس ، وتتطلب تسليط الضوء عليها ومعالجتها، وكذلك إعانة اللجان في دراساتها وتقاريرها، وإدخال العلمية ورفع منسوب الواقعية والمصداقية فيها.

9- تقتضي الضرورة الإستئناس برأي الجهة المختصة قبل الإقدام على دراسة موضوع ما، وهدر الجهد والوقت، ويراد من ذلك تجنب الإزدواجية إن وجدت، وتلمس أهمية الموضوع المراد دراسته من جهة الإختصاص والوقوف على حقيقته وحجمه، وتزكية ودعم جهود الجهة المختصة إن تطلب الأمر تبني جزئية في الموضوع، أو كله، أو توصيات بعينها، تحقيقًا للشراكة والتكامل بين الحكومة والمجلس، حيث قد تتوفر للمجلس أحيانًا عوامل النجاح والإقناع في نقل موضوع بعينه، أكثر من جهة الإختصاص، بحكم لائحة المجلس وصلاحياته، أو بحكم تواصل الأعضاء وملامستهم للواقع بصورة تفوق جهات الإختصاص.

11- أرى من الضروري – ومن باب صقل التجربة وتطورها واثراءها– رفع سقف عدد الأعضاء وتغيير معايير الإنتخاب، بما يسمح بدخول أعداد أكبر في المجلس، وتمثيل أكبر عدد من شرائح المجتمع ، بما يتناسب مع الدور التشربعي ، والرقابي للمجلس ، والصلاحيات الواسعة الممنوحة له ، والدور المأمول منه ، شعبيًا ورسميًا ، وذلك عبر وضع آليات تحدد نسب الأعضاء وتخصصاتهم، وكمثال: لو فرضنا إن عدد الأعضاء تضاعف عن 85 عضوًا حاليًا، وأصبح 170 عضوًا، فلا ضير أن يتم تحديد 60 عضوًا في الإنتخابات القادمة من القانونيين مثلاً و20 من الإقتصاديين و20 من مخرجات علم الإجتماع و20 من التربويين و20 من الإداريين ، والباقي من المعنيين والمهتمين بالشأن العام والذين لا يشترط حصولهم على مؤهل علمي بعينه، والمراد هو إثراء المجلس ولجانه ودراساته، ومراعاة حداثة مجتمعنا بالتعليم الحديث، وعدم الإفتتان بالشهادات كذلك. ويمكن للعدالة توزيع تلك التخصصات على المحافظات، وإعلانها في جميع الولايات قبل وقت كافٍ من الإنتخابات ، عبر المحافظين والجمعيات المهنية ووسائل الإعلام ، مع إبراز مزايا العضوية المادية والمعنوية قبل الإنتخابات كذلك لإستقطاب العناصر الفاعلة، وتقليل الشروط التعجيزية التي لا طائل من ورائها سوى إبعاد وإقصاء عناصر يمكنها خدمة الوطن عبر هذا المنبر الكبير والتجربة الرائدة.

12- ضرورة أن ينسب للمجلس ما قام به من جهد أو مشورة أو طرح ، وتم إقراره وإعتماده ،  في المراسيم السلطانية ، وبيانات مجلس الوزراء ، لتعزيز ثقة الشعب في المجلس ، ونسب الفضل لصاحب الفضل .

13- ضرورة العمل بنظام تجديد الثقة بعضو المجلس ، في إنتخابات تكميلية ، بعد مضي عامين على عضويتة ، ويرجى من هذا الإجراء ، تعزيز ثقة الولاية بمرشحها ، أو سحبها ، في حال ضعف أداءه ، أو تنكره لوعوده للناخبين أوالولاية .

وقبل الختام نقول : مالم تكن لك قناعاتك وأفكارك الخاصة ، فأنت حتمًا ضحية أفكار وقناعات الآخرين ، والمراد ضرورة أن تكون لنا قناعاتنا لرعاية تجربة الشورى ، وألا نستوردها من أحد أو نقلد فيها أحد فتثقل علينا ، ونصبح تحت رحمته ، وأن نعلم بأن الحرية ليست أن نفعل مانريد بل أن نعلم ماذا نريد ، وأن نتيقن جميعًا ، بأن مابين النقد البناء ، والتحريض خيط رفيع جدًا ، يفترض بنا رؤيته ومراعاته .

كما أن طالما هناك من يعمل ، فهناك أخطاء ، وطالما هناك بشر تتعاقب وتتدافع ، فهناك مطالب لاتنتهي ، وطالما هناك طموح ، فهناك تطلع دائم نحو المزيد ، والناس بخير ما اختلفوا فإن تساووا هلكوا ، فالإختلاف فضيلة وثراء وتكامل ، والخلاف رذيلة وضعف وشتات وتناحر.

وعلينا أن نحاكم أنفسنا ، لا أن نجلد أنفسنا ، وأن لا نرى الآخرين من خلال أنفسنا ، بل أن نرى أنفسنا من خلال الآخرين .

ونختم بقول الحق تبارك وتعالى في سورة الأنفال آية (53) :”ذلك بأن الله لم يك مغيرًا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم”(صدق الله العظيم).

ملاحظة: تم نشره سابقا في جريدة الرؤية

أرشيف مقالات الكتاب سياسة

عن الكاتب

Avatar

علي بن مسعود المعشني

خبير في العلاقات الدولية