الإقصاء الإجتماعي

لـ

 الإقصاء هو الممارسة التي تنفذها السلطة بمختلف أنواعها السياسية أو الدينية أو القبلية تجاه من يختلف معها في الرأي والرؤية لإضعاف التأثير الذي يمكن أن يتركه عليها. فهي عزل صاحب الرأي المعارض عن جمهور السلطة لكي لا يخلق وجوده تيارا مؤثرا في  سلطتها. والإقصاء يتخذ أشكالا كثيرة فقد يكون بالتصفية الجسدية أو بالاعتقال والحبس أو بالتشويه أو بالإفتراء أو بالترهيب النفسي والفكري أو بالتأليب والتحريض أو بالإغراءات وخلافه، وهذه السلطة يمكن أن تكون مؤسسة تجاه بضعة أفراد أو سلطة فرد ضد فرد آخر.

ينتشر الإقصاء أكثر في المجتمعات المنغلقة والأحادية التي ترفض التعددية والتنوع الفكري وتضيق مفهوم الحرية وتقيده. في مثل هذه المجتمعات يكون التشديد والإهتمام بالقالب الواحد للمجتمع، فيجب تجنيد الجمهور خلف مشروع واحد وقيادة واحدة ووضع كل العقول في قالب واحد، وعليه فإن كل أدوات المجتمع كالمسجد والصحافة والمدرسة والجامعة والنادي وغيرها تعمل على تحقيق هذه الأحادية والتحذير مما يمسها ويضعفها. ويتم التأكيد في هكذا مجتمعات على مفهوم السمع والطاعة، وتدريب العقول منذ صغرها على السمع والطاعة والتصفيق وهز الرأس، والتخويف والتحذير من التمرد وكثرة المناقشة وطرح الأسئلة والتشكيك والنقد. وعادة ما تكون الثوابت كثيرة جدا في هكذا مجتمعات، وتنتشر ثقافة الخطوط الحمراء بشكل كبير، وتكون الممنوعات والمحذورات التي لا يحق لأحد لمسها أو الاقتراب منها كثيرة.

الأساليب التي تتبعها السلطة في مثل هذه المجتمعات لإقصاء من يختلف معها أو حتى من يناقشها؛ كثيرة. ويتم ممارستها عبر وسائل كثيرة كالخطب والبرامج الإعلامية والتربية والدروس والكتب والفتاوي والمقالات والبيانات والقرارات وغيرها. وكثيرا ما يتم الاستعانة بمفاهيم من التراث ومن الدين لهذا الغرض، فمثلا يستخدم مصطلح الفتنة بشكل واسع جدا في الإقصاء، حيث يتم تهميش منتقدي السلطة تحت ذرائع من قبيل بث الفتنة والفرقة وتوهين الجماعة وتمزيقها ونشر الخبال في المجتمع، فيخسر هؤلاء الكتاب أو أصحاب الرأي المختلف ليس الجمهور فحسب، بل ويتعرضون للحرب النفسية ويدفعون ضريبة كلمتهم ورأيهم من راحتهم النفسية وراحة عائلاتهم، فيكثر أعداؤهم ويقل المتعاطفون معهم وهذا أقل ما تتمناه السلطة.

العنوان الآخر الذي تستخدمه السلطة هو محاربة الله ومحاربة الدين، وهنا يتم استحضار كل آية أو رواية من أعماق التراث والتاريخ وتطبيقه على هؤلاء النخبة المتسائلة ﻹيهام الجمهور بأن هذه الفئة تحارب الله وتحارب رسوله وتنتقص من الأديان، وهكذا ترتسم صورة شيطانية في أذهان الجمهور عنها، فيصبح تأثيرها معدوما باعتبارها من أعداء الله ومن أعداء الدين ومن أعداء كل القيم الجميلة، وفي الحالات المتطرفة يتم استخدام هذا العنوان في إصدار فتاوي التكفير والتفسيق بل والإغتيال والتصفية الجسدية تقربا إلى الله.

بث الشائعات وتشويه الآراء واجتزاء النصوص هي أساليب رائجة أيضا وتمارسها السلطة بقوة في التحريض على الفئة المتمردة عليها والمنقدة لممارساتها وبالتالي إقصائهم عن مسرح التأثير على الجمهور، وتتخذ الشائعات طابعا مغرضا متعمدا لنقل صورة غير حقيقية ومشوهة، كالشائعات التي تتنتقص الأخلاق أو تسيء إلى المقدسات أو تشكل اتهامات مبطنة وطعن في نزاهة أصحاب الفكرة المعارضة، وربما تتهمهم بالجنون والأمراض النفسية والعمالة لعدو خارجي، وأحيانا يتم اجتزاء النصوص من سياقاتها أو تأويلها على غير مقصد الكاتب لغرض غير نزيه، ويتم تقطيع النصوص وعرض السيء منها على الجمهور للتحذير من هذه الفئة.

وإلى جنب كل هذه الأساليب التي تتبعها السلطة في إقصاء من يختلف معها، فإن هناك أساليب خفية يتم تطبيقها بهدوء بعيدا عن الإحتكاك المباشر بالمعارضين، كتفعيل البلطجة وبث العملاء والجواسيس وصناعة عدو وهمي مخيف متربص بوحدة الجماعة، وشراء الأقلام المأجورة، وبشكل عام نشر الخوف داخل المجتمع، والخوف كاف لتعطيل أهم قوة في الجمهور وهو التفكير المستقل.

بقي أن أشير إلى أن الصورة ليست سوداوية بالطريقة التي قد يتخيلها البعض بعد هذا العرض، وخصوصا في هذا العصر الذي يتسم بكثرة الخيارات التي أمام الفرد ليقدم بضاعته، فإلى جنب استراتيجيات السلطة في الإقصاء، هناك استراتيجيات للمعارضة في الصمود والثبات والوصول إلى الجمهور، ولكنها ليست موضوعا في هذا المقال القصير. ولكن بشكل عام تشكل السباحة ضد التيار تحديا في حد ذاتها للسباح قد تكلفه دفع ثمنا غاليا يجب أن يكون مستعدا له.

إن للإقصاء مساوئ كثيرة، فهو يعطّل الطاقات، ويحرم المجتمع من فئته المبدعة والمنتجة للأفكار، وينحي الجيد من الأفكار لصالح الرديء منها، ما يسهم في ركود المجتمع وتوقفه عن النمو والنهضة، وهو يسيء من حيث يظن أن يحسن، فهو لن يحمي المجتمع من أي عدو، لأنه من الأساس لا يوجد عدو، ولن يستطيع حماية القالب الواحد للمجتمع لأن المؤثرات الخارجية أقوى، بل وقد يقود المجتمع إلى حافة الإنفجار، التي ستكون أسوأ عليه من الأفكار التي كان يحاربها.

ممارسة الإقصاء نفسه هو دليل ضعف وليس دليل قوة، فالفكرة الضعيفة هي التي تحتاج إلى إقصاء بقية الأفكار لأنها غير قادرة على إثبات ذاتها بذاتها، على عكس الفكرة القوية. والضعف في أي طرح يتضح من كثرة التناقضات التي فيه بحيث يبدو كالبنيان المهزوز غير المتماسك، ووجود أطروحات قوية إلى جانبه سوف يزعزع أساساته، لذا يتم اللجوء إلى الإقصاء كأسلوب سهل وقصير وأقل تكلفة مقارنة مع ما قد يترتب على الحوار وعلى الفرص المتساوية. لهذا يمكن أن نقول بيقين أن هذا الأسلوب لا مستقبل له، لأن الأصل في الحياة هو التنوع والتعددية، والأحادية هو وضع طارئ على المجتمع، سوف لا يصمد أمام الطوفان الهائل من الأفكار القوية التي تؤثر وتتأثر فيما بينها. فالطموح الذي يجب أن نصل إليه هو توسيع نطاق الحرية بحيث يتسع المجتمع لقبول كل الأفكار والتحاور معها لإنتاج أطروحات أقوى تضمن مزيدا من القوة والاستمرارية والثقة في المجتمع.

 

moloza@hotmail.com

0 2190 26 أكتوبر, 2012 العدد الثلاثون, سياسة أكتوبر 26, 2012

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.