منطق اللامنطق في حكم التجمهر

تثير النبرة الواثقة المطمئنة في قناعتها وإيمانها الشديد بحكم الإدانة في قضية التجمهر الأسئلة حول مصدر هذه القناعة الشديدة، ومبعث هذا الإيمان الراسخ، خاصة وأن القناعة والإيمان الشديد لا يمكن اكتسابهما إلا بالخبرة والمعايشة، في حين أن القاضي يوسف بن سالم الفليتي بني قناعته وإيمانه الجازم بثوت الجرم بناءً فقط على قراءته للمحاضر التي دونها ووثقها القاضيان السابقان عليه، ولم يُتَح له أن يعايش ويخبر ما شهدته قاعات المحكمة من إفادات المتهمين ودفاعاتهم ولا دفوع المحامين ولا أقوال شهود الإثبات والنفي ولا حتى مرافعات الإدعاء العام، وما صاحب جلسات قاعة المحكمة من مساجلات حافلة بالكثير من الحجج الوجيهة، وهي الأحداث التي عايشها القاضيان السابقان عليه ومع ذلك لم يصلا إلى كل هذا الإطمئنان والقناعة والإيمان الذي يستمده القاضي الثالث من المحاضر التي سجلاها!

ويحفل نص تسبيب الحكم في قضية التجمهر بالكثير من الجمل والعبارات الإيمانية مثل:”فإن المحكمة وفقاً لما استراح لها وجدانها وأستقرت لها عقيدتها فأن واقعتي التجمهر المؤثمة بنص المادة 137 من قانون الجزاء وتعطيل حركة المرور وإعاقتها المؤثمة بنص المادة 137مكرر من ذات القانون ثابتين ثبوتاً كافياً في حق جميع المتهمين من خلال توفر أركان الجريمة وذلك من خلال ما ورد بمحضر التحري المرفق بملف الدعوى” ص 13 وأيضاً :” الأمر الذي تطمئن إليه المحكمة ويطمأن إليه وجدانها” ص20، كما يشير نص الحكم إلى أن ما ساقه المحامين من أسباب لعدم صحة الإتهام بسبب عدم وجود دليل ومطالبتهم ببراءة المتهمين “لاتجدها المحكمة ذات أثر فيما انتهت إليه من قناعة وجدانية وما كونته من عقيدة” ص22 وكذلك أيضاً “فإنه لا ينال مما كونته المحكمة من عقيدة وما توصلت إليه من قناعة وجدانية بشأن إدانة المتهمين” ص23.

ولعل في استخدام عبارة “قناعة وجدانية” في نص تسبيب الحكم القضائي ما يثير الدهشة والاستغراب، إذ أن قناعات المحكمة تبنى على اليقين العقلي البرهاني المدعم بالأدلة المادية الواضحة التي لاتقبل الشك أو الدحض، أما القناعات الوجدانية العاطفية فقد تُقبل من المتصوفة الذين يكتسبون قناعاتهم وإيمانياتهم الراسخة من خلال ما يسمونه بـ”الكشوفات” أو “الفتوحات الربانية”، والتي تجعل المتصوف أو الولي الصالح واثقاً برؤياه، مؤمناً بقناعته الوجدانية، في حين أن القناعة التي يتم تكوينها في المحكمة يجب أن تكون قائمة على اليقين العقلي المستند إلى أسباب واضحة، وأدلة مادية ثابتة، وبراهين قاطعة، وهو ما يستدعي مراجعة البدهيات القانونية، والأسس المنطقية، والشواهد الموضوعية التي انبنى عليها نص تسبيب الحكم في قضية التجمهر، وتحليل المنهج العقلي الذي تم اتباعه في العرض والتدليل والاستنتاج، وبالتالي معرفة مدى متانة الأسس التي تقوم عليها قناعة المحكمة الوجدانية بثبوت الجريمة، ومدى يقينية الحجج المادية والمنطقية التي ساقت بها التهمة نحو الحكم بالإدانة.
يمكن الإطلاع على نص تسبيب الحكم في مدونة مواطن عماني على الرابط التالي:

https://docs.google.com/file/d/0BwZ-OiMt7odiTHFpUGhGa2VXcWs/edit?pli

وربما تنبغي الإشارة هنا، ولو بشكل عاجل، إلى ما حفل به نص تسبيب الحكم من أخطاء إملائية ولغوية جسيمة، ومن بعض الركاكة في صياغة الجمل والعبارات، فالتسامح مع هذه الأخطاء قد يكون مقبولاً في بقية المهن، أما في مهنة القضاء فإن اتقان اللغة ضروري، فعمل القاضي يقوم على قراءة وتحليل ما يقرأه ويسمعه من كلام المتهمين والشهود والمحامين ومن الأدلة المكتوبة المتوافرة لديه، كما أنه يبني حججه ويسبب أحكامه باللغة، وهو ما يقتضي ضرورة الفهم الدقيق لمعاني الكلمات والعبارات، فاللغة هي أداة العمل في مهنة القضاء مثلما أن عُدَّة الجراحة هي أداة عمل الطبيب الجراح، وكما يجب على الطبيب أن يتقن استخدام أدواته الجراحية حتى لا يؤذي صحة المرضى، كذلك على القاضي أن يتقن استخدام اللغة حتى يضمن سلامة وصحة أحكامه على المتهمين، فاستخدام اللغة هو تمظهر للعقل وتجسد للمنطق.

القرائن والأدلة!
يؤكد نص تسبيب الحكم في قضية التجمهر ص13 على أنه “يشترط لتحقق الجريمة وقيامها، وللوصول إلى إدانة المتهم والحكم عليه بالعقوبة المقررة، توفر الركن المادي المتمثل في إتيان فعل مجرم أو الامتناع عن فعل واجب بالإضافة إلى توفر الركن المعنوي المتمثل في القصد الجنائي بشقيه العلم والإرادة.” ورغم هذا التأكيد على هذه الحقيقية البدهية إلا أنه يتم إغفالها عند التطبيق، فرغم كل الصفحات الحافلة بسرد تفاصيل الأحداث والوقائع إلا أنه لم تتم الإشارة لأي دليل مادي يثبت وقوع الفعل المُجَرَّم وهو “الإخلال بالنظام العام” أو التهمة الثانية وهي “تعطيل حركة المرور” كما أنه لم يتم ذكر أي دليل مادي يثبت وجود القصد الجنائي بشقيه العلم والإرادة لدى المتهمين، إضافة إلى أنه لم يتم تقديم أي دليل أو حتى شبه قرينة تثبت وجود علاقة سببية بين فعل التجمهر وبين الجريمتين المزعومتين، وهو بالفعل ما أكدته دفوع المحامين حين أشارت بوضوح إلى أن “العلاقة السببية منعدمة جملة وتفصيلاً” (أنظر المذكرة التكميلية للمحامين ص10)، وبالتالي فإن كل ما اعتمد عليه القاضي في حكم الإدانة هو شهادة شاهدين ثبت وجود تناقضات بينهما في الأقوال، ولكن نص الحكم يؤكد أن:”المحكمة استنتجت الحقيقة ولاترى ما يعيب استنتاجها من اختلاف رواية الشاهد مع الشاهد الآخر في بعض تفاصيلها..”! ص16

إحدى الأدلة التي يسوقها نص الحكم لإثبات تهمة الإخلال بالنظام العام هي أن اللوحات التي رفعها المتهمون تحمل مضامين تحريضية حيث يقول” إن المحكمة ولما لها من سلطة تقديرية فأنها ترى أن بعض العبارات التي رفعها المتهمون تعتبر تحريضية وأن المحكمة لاتراها طريقة مقبولة إذ أنها احتوت على عبارات تحريضية وأحدثت خللاً بالنظام العام وقامت على خلق الفوضى وشد أنظار الآخرين بمختلف شرائحهم” ص13، وبطبيعة الحال لا يقدم نص الحكم أي تفسير للكيفية التي أحدثت بها هذه العبارات الخلل بالنظام العام وخلقت الفوضى وشدت الأنظار، كما لايقدم دليلاً يثبت أن هذا الخلل والفوضى الذي أحدثته مضامين اللوحات قد وقع فعلاً، خاصة وأن الشاهدين اللذين يعتمد عليهما كلياً قرار الإدانة لم يشيرا أبداً إلى مضامين اللوحات، فمن أين أتى القاضي بهذا الاستنتاج؟! ومن جهة أخرى نجد أن نص الحكم ذاته يذكر أن المتهم الأول كان يحمل لافتة كتب عليها نص المادة 17 من النظام الأساسي، والمتهم الرابع كان يحمل لافتة مكتوب عليها نص المادة 24 من النظام الأساسي للدولة، وكذلك المتهم الخامس(أنظر ص6،7)، فإذا كان الإخلال بالنظام العام يعتمد على مضمون اللوحات فأين مكمن التحريض في نصوص النظام الأساسي للدولة؟ وكيف خلقت مواد النظام الأساسي للدولة الفوضى وأحدثت الخلل بالنظام العام؟!

يضرب نص تسبيب الحكم صفحاً عن إيراد أي دليل مادي يثبت وقوع جريمتي “الإخلال بالنظام العام” و”سد الطريق” ويتجاوزه نحو محاولة إثبات الركن الثاني للجريمة وهو وجود القصد الجنائي لدى المتهمين، فما هي الحجج التي يسوقها لتأكيد القصد الجنائي؟ نجد أن نص الحكم يذكر، اعتماداً على شهادة الشاهد الثاني، بأن وجود التجمهر “أدى إلى توافد أعداد كثيرة من داخل وخارج الحي التجاري والذي أحاط بالمتجمهرين فمنهم من قام بالإنظمام إليهم ومنهم من أحاط بالمتجمهرين ونتج عن ذلك إخلالاً بالنظام العام وهو ما تراه المحكمة من توافر القصد الجنائي لجميع المتهمين لعلمهم المفترض بالتجمهر وإدراكهم وإرادتهم لتحقيق غاية من هذا التجمهر، وهو الإخلال بالنظام العام” ص15. والسؤال البدهي الذي تثيره هذه العبارة هو: إذا كان هنالك من أحاط بالمتجمهرين وانضم إليهم فلماذا لم يتم القبض عليه؟ لقد أحاطت قوة مكافحة الشغب بـجميع المتجمهرين وعددهم 27 متجمهراً، فأين هم أؤلئك الذين أحاطوا بالمتجمهرين وإنضموا إليهم؟! ثم إن نص تسبيب الحكم يكتفي هنا بالتكرار والإعادة بأن المتهمين لديهم إرادة وقصد من التجمهر وهو الإخلال بالنظام العام ولكنه لايقدم أي دليل أو برهان يثبت بالفعل وجود هذا القصد والإرادة لدى المتهمين!

ويذكر نص تسبيب الحكم أن”القصد الجنائي الخاص تمثل في الإخلال بالنظام العام”ص20، ولكن السؤال الذي يتبادر للذهن:كيف يمكن أن يكون “الإخلال بالنظام العام” هو الجريمة، وهو في نفس الوقت القصد الجنائي؟! ألا يعد هذا تناقضاً واضحاً؟! فالنظام العام هو هنا فعل ظاهر مجَرَّم، بينما القصد الجنائي هو النية الداخلية أو كما عرفته المادة 83 من قانون الجزاء العماني بأنه:”الدافع هو العلة التي تحمل الفاعل على الفعل أو الغاية القصوى التي يتوخاها منه”، وهذا الدافع أو الغاية القصوى للفعل ينبغي إثبات وجوده بدليل واضح لايرقى إليه الشك.

التحليل والمنطق!
في ظل عدم وجود دليل مادي يثبت وقوع الجريمة أو يبرهن على القصد الجنائي للمتهمين تثور التساؤلات من جديد حول الأسس التي بنت عليها المحكمة قناعتها وإيمانها الشديد بحكم الإدانة، وهو ما يستدعي البحث في مكان آخر وهو المنهج العقلي الذي اتبعه القاضي يوسف بن سالم الفليتي في تحليل الوقائع والشواهد، والآليات المنطقية التي اعتمد عليها لاستنباط النتائج من المقدمات المعروضة أمامه، ولاشك أن الجانب التحليلي للوقائع، والحجج العقلية، والاستنتاجات المنطقية هي أحد الجوانب المهمة التي تبني عليها المحكمة قناعاتها وأحكامها، وهذا ما نجده بالفعل في نص تسبيب الحكم إذ أنه ينقسم إلى قسمين أولهما توثيقي لأقوال المتهمين وشهود الإثبات والنفي ومرافعات الإدعاء العام ودفوع المحامين، وثانيهما هو التحليل العقلي المنطقي الاستدلالي والاستنتاجي الذي يجريه القاضي على هذه الأقوال وما تتضمنه من وقائع، وشواهد، وتفاصيل، وما يستخلصه منها من أدلة واستنتاجات يبني عليها حكمه، ويعلل بها ما انتهى إليه الحكم من قرار بالإدانة.

إذا تمعنا في المنهج العقلي المتبع في نص تسبيب حكم الإدانة في قضية التجمهر سنجد أنه يعتمد من حيث الشكل الخارجي منهجين عقليين في التحليل والاستنتاج وهما:
أولاً.المنطق الأرسطي:
وهذا المنهج العقلي المنسوب إلى الفيلسوف أرسطو يعتمد على إيراد مقدمات بدهية لا تقبل الشك، وبعد ذلك يتم استنباط النتائج والأحكام منها، وهو يقوم على مقدمة كبرى، تليها مقدمة صغرى، وبعد ذلك الإستنتاج، ولعل المثال الأبرز للتدليل عليها هو المثال الذي ذكره الفيلسوف أرسطو نفسه:
“كل إنسان فان
سقراط إنسان
إذاً سقراط فان”
ونلاحظ في هذا المثال على التوالي المقدمة الكبرى:”كل إنسان فان” والمقدمة الصغرى: “سقراط إنسان” والاستنتاج:”إذاً سقراط فان”. إن النتيجة الاخيرة “إذاً سقراط فان” كانت متضمنة أصلاً في المقدمة التي تؤكد أن كل إنسان مصيره الموت والفناء، وبالتالي ما دام سقراط إنسان، فإن مصيره سيكون ذات المصير الذي ينتهي إليه كل إنسان وهو الموت والفناء.

نلاحظ أن نص تسبيب حكم التجمهر يستعير الشكل الخارجي لهذا المنطق الأرسطي، ولكنه لايتقيد بأسسه المنطقية المحكمة القائمة على استنباط النتائج من مقدمات كلية شاملة تكون النتائج مستودعة أصلاً فيها منذ البداية. إذ نجد أن نص تسبيب الحكم يعرض أثناء محاججته العقلية بعض الوقائع العرضية ويعتبرها مقدمات ثم يقوم لاحقاً باستنباط النتائج منها، وكأنه يؤسس بناء عقلياً شبيهاً بالمنهج الاستنباطي الأرسطي من حيث الشكل ولكنه مخالف له تماماً من حيث الضبط المنهجي القائم على البرهان المنطقي اليقيني كما يتضح في المثال التالي:
” ب- ثبوت واقعتي التجمهر وتعطيل الحركة المرورية من خلال القرائن المستقاة، ومن ذلك:
1- توجيه اللوائح باتجاه المارة بالطريق ومن ذلك اعتراف المتهم محمد الجامودي (الإسم الصحيح: محمود الجامودي) بأن اللوائح لم يرى منها سوى واحدة وأن اللوائح الأخرى قد وجهت بإتجاه الطريق ومما لاشك فيه من أن المارة يثار لدى حافظتها تلاوة ما هو مكتوب في اللوائح مما ينتج عنه حتماً التباطؤ في حركة المرور المؤثمة بنص المادة137 مكرر”ص16.

إذا حللنا البنية المنطقية الاستدلالية في هذا النص سنجد أنها تتشبه من حيث الشكل الخارجي بالبنية المنطقية الأرسطية القائمة على إيراد مقدمات عامة يتم منها استنتاج النتائج:
المقدمة الكبرى: “اللوائح وجهت باتجاه الطريق كما ذكر المتهم محمد الجامودي”
المقدمة الصغرى: “مما لاشك فيه من أن المارة يثار لدى حافظتها تلاوة ما هو مكتوب في اللوائح”
الاستنتاج: “مما ينتج عنه حتماً التباطؤ في حركة المرور”

إن مقدمات المنطق الأرسطي تقوم على حقائق بدهية شاملة لايمكن إنكارها، وبعد إثبات صحتها يتم استخراج ما تتضمنه من نتائج منطقية بدهية لا تقبل الشك، في حين أن نص تسبيب الحكم يعتمد في مقدمته التسبيبية على حادثة عرضية ذكرها أحد المتهمين وهي أن اللوائح كانت باتجاه الطريق، ولكن توجيهها باتجاه الطريق لا يعني بالضرورة أن “المارة يثار لدى حافظتها تلاوة ما هو مكتوب في اللوائح” فقد لا يكون هنالك مارة أصلاً، أو قد يكون مكان وقوف حاملي اللوائح بعيداً إلى حد أن المارة لايستطيعون قراءة ما هو مكتوب أو ربما لايلاحظون أن هنالك أحد يقف في المواقف البعيدة! أو ربما هنالك سيارات في المواقف تحجب الواقفين بلافتاتهم عن العابرين بسياراتهم في الطريق. وإذا كان “المارة يثار لدى حافظتها تلاوة ما هو مكتوب في اللوائح” فهل ينطبق ذلك أيضاً على لوائح الطريق المكتوب عليها”روي، القرم، الوطية..إلخ”؟! وهل في هذه الحالة ” ينتج عنه حتماً التباطؤ في حركة المرور”؟!

إن استنتاجات نص تسبيب حكم التجمهر المستنبطة من المقدمات هي استنتاجات عرضية؛ ولاتتوفر فيها شروط اليقينية المطلقة التي يستلزمها المنطق الأرسطي، ناهيك أصلاً عن أن المنطق الأرسطي القديم في القياس والاستنتاج، والذي يعتمد على التفكير المجرد، لايصلح أساساً للتعامل مع القضايا الجنائية، والتي تتطلب الاعتماد على المنهج الاستقرائي القائم على جمع الأدلة وتحليلها، وفرض الفروض، واختبار صحة هذه الفروض، وبعد ذلك الوصول إلى حكم يقيني معتمد على التجربة والبراهين والأدلة الملموسة الغير قابلة للدحض أو التشكيك.

ثانياً. منهج تنزيل الأحكام على الوقائع: وهذا المنهج الإسلامي اعتمده الفقهاء وعلماء الدين وفق ضوابط لاستنباط الأحكام الشرعية، حيث يعتمد على فهم النص القرآني بتأويلاته وأسباب نزوله ومقاصد أحكامه، وفهم السنة النبوية فهما دقيقاً، وبناء على ذلك يتم إنزال أحكام النصوص الدينية الفقهية على الوقائع، وكأنه يسلط عليها الضوء من الأعلى، ومن خلال تحليل الواقعة تحليلاً عقلياً دقيقاً يتم النظر في مدى اتساق هذه الواقعة أو تلك مع نص الحكم الديني وعلى هذا الأساس يتم إنزال الحكم الفقهي على هذه الواقعة أو تلك.

يوحي نص تسبيب حكم التجمهر بأنه يستخدم هذا المنهج الفقهي الإسلامي بإنزال الأحكام على الوقائع، حيث يرد في النص:
“وحيث إنه بإنزال ما تقدم على واقعة الدعوى على النحو المطروح على بساط البحث، وكان البين أن الوقائع على الصورة المتقدمة قد ثبت وقوعها، وتوافرت الأدلة على صحتها وتأكيد ثبوتها في حق المتهمين ثبوتاً واسناداً من خلال ما ذكر، وتؤدي إلى ما يترتب عليه ثبوت الإتهام في حق المتهمين وهو ما يستلزم وجوب أخذه بالعقوبات المقررة للجرائم وفق ما سقناه من أدلة وقرائن..” ص22،23

نبحث في “ما تقدم” على هذه الفقرة علَّنا نجد قراءة تأصيلية متفقهة في النصوص القانونية وغاياتها وأبعادها، ومراميها ومقاصدها في تحقيق العدالة وحفظ الحقوق، أو عن شرح توضيحي لنص المادتين القانونيتين الخاصتين بحكم التجمهر ليتم بعد ذلك إنزالهما على واقعة الدعوى، إلا أننا لا نجد سوى سرد مسهب للتفاصيل والأحداث التي جاء بعضها على لسان شاهدي الإثبات والبعض الآخر في خطب الإدعاء العام! وقائع يتم مراكمتها على وقائع وتفاصيل! أي أنه بدلاً من إنزال الأحكام على الواقع يتم، في مفارقة عجيبة، إنزال الوقائع على الوقائع، مع أنه يستحيل منطقياً تنزيل واقعة على واقعة أخرى، لأن الوقائع والأحداث تتساوى مع بعضها في انتمائها للمجريات العملية في حين أن الأحكام تعلو عليها لاستنادها إلى الوحي الديني أو التصورات العقلية المجردة ومن هنا جاء استخدام مصطلح “تنزيل الأحكام” المطلقة على الوقائع المحددة!

إن تحليل البنى العقلية والمنطقية لنص تسبيب الحكم يكشف أنه استند إلى هياكل عقلية شكلية تتشبه تارة بالمنهج المنطقي الأرسطي وتارة أخرى بالمنهج الفقهي الخاص بتنزيل الأحكام على الوقائع، ولكنها في حقيقتها لا تأخذ من هذين المنهجين سوى شكلهما الخارجي بينما أسسها المنطقية يتضح أنها واهية وغير مترابطة، لأنها تنطلق من وقائع عرضية لا دليل يقيني على صحة وقوعها، ولا تصلح أساساً للاستدلال أو قاعدة عامة للاستنتاج والحكم. كما أن اسهاب نص تسبيب الحكم في شرح الوقائع واستنباط التهم منها إضافة إلى التوسع في تفسير النصوص القانونية مخالف تماماً للقاعدة القانونية التي تلزم القاضي بعدم التوسع في تفسير النص القانوني في حال كان الحكم بإدانة المتهم، والتوسع في تفسير النص القانوني في حال كان الحكم لصالح براءة المتهم، وتفسير أدنى شك في الأدلة لصالح براءة المتهم في حين أن ما حدث في نص تسبيب حكم التجمهر هو العكس تماماً!

توثيق الوقائع!
إذا كان نص تسبيب الحكم في قضية التجمهر حافلاً بكل هذه التناقضات والمغالطات في الاستدلالات والتحليلات والاستنتاجات المنطقية فهل يا ترى توافرت فيه أولى شروط وقواعد تسبيب الأحكام ألا وهي النقل والتوثيق الموضوعي لأقوال جميع أطراف القضية؟ ربما أفضل طريقة لاختبار مدى موضوعية النص في النقل والتوثيق هو استنطاق النص ذاته عبر مقارنة فقراته مع بعضها البعض، والمقارنة بين ما حرص النص على إيراده من أقوال وشهادات وما تم حجبه من وقائع ودفوع جرت في جلسات المحكمة المتعددة.

يحرص نص تسبيب الحكم على توثيق مضامين اللوحات التي رفعها المتجمهرون، حيث يورد في صفحاته الأولى 16 عبارة يقول أن المتجمهرين رفعوها كشعارات مثل: “أنقذونا من الذين يخترقون القانون” و”متى يصبح المواطن حراً” و”لا للاعتقالات التعسفية” و”أين القانون”(أنظر 4،5)، وهو بهذا يغفل عن حقيقة بدهية وهي أن عدد المتهمين هو 11 متهم فقط، إلا إذا كان قد نما إلى علم القاضي أن بعض المتهمين حمل لافتتين بيديه لا واحدة! وإذا تجاوزنا هذه الجزئية سنجد أنه من بين كل العبارات التي تُسرد بالتتابع لا تتم الإشارة إلى مواد النظام الأساسي للدولة التي رفعها بعض المتجمهرين، وهي الحقيقة التي يوثقها نص الحكم في صفحات لاحقة، حيث يشير في الصفحة رقم6 إلى أن المتهم الأول رفع لافتة مكتوب عليها المادة 17من النظام الأساسي للدولة، وفي صفحة رقم7 يشير إلى أن المتهم الرابع رفع لافتة مكتوب عليها نص المادة 24 من النظام الأساسي للدولة، وكذلك أفاد المتهم الخامس (انظر ص7).

إن هذا الإغفال لنصوص مواد النظام الأساسي للدولة التي رفعها بعض المتهمين، والتركيز على مضامين بعض العبارات يتواصل خلال نص تسبيب الحكم، وهو ما يعتبر حياد عن الموضوعية والدقة في النقل والتوثيق للوقائع، خاصة وأن نص تسبيب الحكم يعتبر مضامين اللوحات “خرقاَ لقوانين وأعراف الدولة والآداب العامة المتعارف عليها..”ص13 وكذلك يشير نص تسبيب الحكم إلى أنه “في تلكم العبارات دلالات ومؤشرات واضحة تؤكد غاية المتجمهرين إلى تحريض الغير لإحداث الشغب والفتنة داخل أوساط المجتمع وتعتبرها المحكمة إخلالاً بالنظام العام كون أن الجميع وعلانية وعبر الوسائل المختلفة يشاهدون ويتلون تلكم العبارات”ص17، لهذا فإن إغفال الإشارة إلى بعض اللوحات المتضمنة لنصوص مواد النظام الأساسي التي رفعها بعض المتهمين، والتركيز على بعض اللوحات واعتبارها كدليل ينسحب على الجميع هو إجراء يفتقر إلى الدقة والموضوعية في آن واحد، فضلاً عما يمكن أن يقال عن هذا التوسع في تفسير التأثيرات المحتملة لمضامين هذه اللوحات على “الجميع” الذين “يتلون تلكم العبارات” و”عبر الوسائل المختلفة”!.

كما أن أحد مظاهرعدم الدقة في النقل والتوثيق لمجريات الجلسات في قاعة المحكمة هو خلو النص تقريباً من الحجج والأدلة الداحضة للإتهامات التي ساقها المحامون في مذكرتهم الدفاعية الأولى ومذكرتهم التكميلية، حيث لا ترد سوى إشارتين عابرتين لها الأولى كانت كالتالي:”وحيث أنه وفيما يتعلق بما جاء بمذكرة الدفاع عن المتهمين من دفوع ففيما يتعلق ببطلان محضر التحري” ص20، أما الثانية فكانت كالتالي:”وحيث أنه وفيما ساقته هيئة الدفاع بشأن عدم اختصاص المحكمة ولائياً بالتهمة الموجهة للمتهم التاسع” ص23. في حين أن نص الحكم في المقابل يفرد مساحات واسعة لكل التهم والتسبيبات التي أوردها الإدعاء العام، ولا يكتفي بذلك بل هو يستعير التعريف الذي أورده الإدعاء العام في إحدى الجلسات لمفهوم”النظام العام” وذلك بعد أن اتضحت هشاشة تعريف شاهد الإثبات الثاني لمفهوم النظام العام عندما قال بأنه”إضطراره إلى استنفار 90% من قوة المركز للتواجد في مكان التجمهر”، ولهذا جاء الإدعاء العام في الجلسة التي تلتها ليسد هذا الخلل المفهومي بتعريف مسهب للنظام العام حسب فهمه وتقديره، ولكن ما يثير الاستغراب والدهشة حقاً هو أن ينقل نص تسبيب حكم التجمهر تعريف النظام العام الذي قدمه الإدعاء العام ويعتمده كتعريف أوحد يقيم ويؤسس بناءً عليه التهم، وهو ما لا يتسق مع شروط الموضوعية، وكان يمكن للقاضي أن يتبنى تعريفاً خاصاً به للنظام العام أكثر وضوحاً ودقة واتساقاً مع روح القانون ونصوصه بدلاً من استعارة تعريف فضفاض للنظام العام قدمه الإدعاء العام!

ومما يثير الكثير من علامات الإستفهام حقاً هو حرص نص تسبيب الحكم على توثيق أقوال شاهدي الإثبات التي تؤكد التهم المنسوبة للمتهمين بتفاصيلها الدقيقة، وإغفال ما ورد على لسانهم مما قد يشكك في التهم المنسوبة إليهم، إذ أننا لا نجد في نص تسبيب الحكم أي ذكر لما قاله شاهد الإثبات الأول عن حركة المرور من أنه:”لم يشاهد بأم عينه ما إذا كانت الحركة طبيعية أم بها عرقلة” وهو ما أورده المحامون في مذكراتهم الدفاعية، كما لانجد في نص تسبيب الحكم أي أقوال للمتهمين، وإنكارهم للتهم المنسوبة إليهم، وما قاله البعض منهم في قاعة المحكمة من تعرضهم لتعدي على حقوقهم، وتجاوزات لبعض القوانين أثناء إعتقالهم وحبسهم! كذلك أورد نص تسبيب الحكم (ص(8 ما قال شاهد الإثبات الثاني من أنه سأل أحدههم عن الشخص الذي يمثل المتجمهرين والمسؤول عن التجمهر فأجابه بأنه المتهم الأول، ولكن نص الحكم لا يذكر أبداً ولا يشير حتى ولو إشارة عابرة إلى ما جرى في قاعة المحكمة أمام القاضي الثاني، والذي حرص على سؤال جميع المتهمين إن كان المتهم الأول يمثلهم فأجابوا جميعهم بأن المتهم الأول لا يمثلهم، وأن كل واحد منهم يمثل نفسه، وليس هنالك أي شخص مسؤول عن هذا التجمع العفوي، وقد أمر القاضي بتثبيت هذه الإجابات في محضر جلسة المحكمة، كما أن جميع المتهمين واجهوا شاهد الإثبات الثاني بالسؤال: لماذا لم تأتي وتقف أمامنا لتخبرنا أن التجمهر ممنوع، وتخبرنا بالإنصراف؟ وبالفعل لم يجد الشاهد الثاني حجة للرد، ومع ذلك لا نجد لكل هذا أي وجود أو ذكر أو حتى إشارة له في نص تسبيب الحكم!

إن كل القناعات الوجدانية الواثقة المطمئنة إلى سلامة عقيدتها بإدانة المتهمين، والتي حرص القاضي يوسف بن سالم الفليتي على تأكيدها بشدة في نص تسبيب الحكم، تتبدى بعد التحليل أنها قناعات سابحة على أديم النص دون جذور يقينية تغرسها في أرض الحقيقة، فهي ككل القناعات الوجدانية قائمة على الإفتراضات الظنية، والاستنتاجات الإحتمالية، والتفاسير التخمينية، والتي تتوسع في تفسير الوقائع في ابتعاد واضح عن نصوص القوانين التي يفترض أن ترتكز عليها في الحكم، وهي تقفز نحو حكم الإدانة بدون أدلة مادية تثبت وقوع الجريمة أصلاً، وبدون إثبات وجود ركنيها الأساسيين وهما أداة الجريمة ووجود القصد الجنائي لدى المتهمين، وبدون إيجاد العلاقة السببية بين فعل التجمهر والنتيجة المزعومة من “إخلال بالنظام العام” و”قطع الطريق”، مما يجعلها قناعات قائمة على الظن الذي لا يغني عن الحق شيئاً!

الحادي والثلاثون سياسة

عن الكاتب

ناصر صالح

كاتب عماني

اترك تعليقاً