الإسلام والليبرالية (5/3)

لـ

arthistory04

الإسلام والليبرالية (5/3)


الاستبداد بين الفرداينة والجماعتية

د. زكريا بن خليفة المحرمي


يرتكز الطرح الديني على الجماعة (المجتمع والأمة) بينما يرتكز الطرح الليبرالي على الفرد، روح الجماعة والمصلحة المشتركة هي الأصل في الطرح الديني أما الفردانية والمصلحة الذاتية هي العماد التي يقف عليها التصور الليبرالي، وقد أشار هيجل إلى هذه الملاحظة الحاسمة في كتابيه “فلسفة الحقوق” و”فلسفة الروح” (انظر أشرف منصور (www.marxists.org)). الأمر الذي حدا بهيجل إلى تقديم البديل الاجتماعي لليبرالية، وهو ما تطور لاحقاً في الفلسفة الماركسية.

مبدأيّ الحرية والإرادة يلتقي فيهما الطرح الديني بذات القدر الذي يفترق فيهما مع الطرح الليبرالي، فكلا الطرحين قائم على حرية الاختيار. الحرية في المفهوم الليبرالي لا يحكمها سوى القانون، أما الفهم الديني لمبدأ الحرية فإنه ينتصب على تأطير هذا المبدأ ضمن منظومة القيم الاجتماعية وأحكام الشريعة. وهنا يتجلى مجددا مركزية الفرد في الطرح الليبرالي وضمور الحضور الاجتماعي، بينما يتضخم الحضور الجماعاتي في الطرح الديني بحيث يصير فاعلا بدرجة تقترب جدا من حاكمية القانون في الطرح اللبيرالي. وهذا الاختلاف في الرؤية هو ما يتجلى في صورة الصدام بين قيم الأصالة الإسلامية وبين ما تحمله العولمة الثقافية من مفاهيم غريبة على الحس الجماعي للمجتمعات غير الغربية.

بيد أن ذلك لا يعني بالضرورة فشل الطرح الليبرالي في تعاطيه مع الحرية، بل العكس قد يكون صحيحا، فإن التركيز على الفرد واعتباره قطب الرحى في تأسيس مبدأ الحرية يقلص فرص الأنظمة الفاسدة التي تقمع الفرد باسم الجماعة على الاستبداد، وتضيق على حرية الأفراد متسترة وراء شعار حماية مصالح الجماعة.

إن الليبرالية السياسية تقوم على الحكم الديمقراطي، فيما كانت الأديان وما تزال في أغلب الأحيان وسيلة تستخدمها الأنظمة المستبدة لتطويع وقمع الشعوب، فالاستبداد على مر التاريخ قام على الحراب التي ترفع المصافح والكتب المقدسة.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الديمقراطية الليبرالية حصينة على اختراق الاستبداد، بل أن الليبرالية الاقتصادية أخذت بيد ما أعطته باليد الأخرى، فهي وإن أعطت الناس حق الاقتراع إلا أنها قيدتهم في ولاءات اقتصادية يتحكم فيها نخبة من أصحاب رؤوس الأموال يوجهون أصوات عمالهم باتجاه الريح التي تكدس لهم مزيدا من الأموال، فصار العامل البسيط موجها من قبل مرؤوسيه لاختيار ما يرونه مناسبا لمصالحهم، ويوهمونه أن عقد عمله معلق بوصول هذا الشخص أو ذاك إلى السلطة، فلهذا تجد أن الشركات العملاقة وأصحاب رؤوس الأموال هم من يحسمون أمر كرسي الرئاسة في الدول الاقتصادية العظمى.

الطرح الديني المعاصر بدأ يتخلص من أدران الفكر الاستبدادي المتوارث جيلا عبر جيلا، والذي صار عند بعض الطوائف الإسلامية مختلطا بالنص الخالص، الفكر الإسلامي المعاصر بدأ في عملية فرز للنص الخالص بعيدا عن الركام الروائي المفرخ للاستبداد، لكن ما يزال وجدان بعض المدارس السلفية غير قادر على التخلي عن الكثير من ذلك الركام وهو الأمر الذي تجلى في تنازع المدارس السلفية بين توجهات مدافعة عن الأنظمة المستبدة وأخرى مناهضة لتلك الأنظمة، والكل ينطلق من الدين ويتحدث باسمه، فريق ينطلق من الروايات التي خلفها الاستبداد وآخر ينطلق من وحي النص الخالص الذي حاول الاستبداد طمسه.

0 1267 14 فبراير, 2010 العدد الأول, ثقافة وفكر فبراير 14, 2010

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.