الحريات في قانون الإجراءات الجزائية

لـ

قانون الإجراءات الجزائية  ليس مجرد وسيلة لمعرفة الحقيقة و تقديم المتهمين للمحكمة من أجل معاقبتهم أو تبرئتهم ، وإنما هو وسيلة يجب أن تكفل الحقوق و الحريات في مواجهة أي مساس بالأصل الثابت في أن المتهم بريئ   .

هو مرآة للاحترام الواجب للحقوق و الحريات في أي بلد.

هو الميزان الذي يحقق التوازن بين حق الدولة في العقاب [ حماية المجتمع ] وبين عدم الافتئات على حريات الناس وحقوقهم .

هو قانون الشرفاء وملاذ الضعفاء ، هو الدستور الذي ينظم سيرورة وحراك الدعوى الجزائية منذ فجر بزوغها إلى نهايتها ، هو الذي يكبح جماح أي طرف من أطراف الخصومة الإجرائية الجزائية ، وهو ذاته الذي يرسم محددات تلك الدعوى ، ينظم دفوعها ويسير بها في طريق وسطي يعطي الدولة حقها في إيقاع العقاب ويضمن للمتهم غاياته ومكوناته المجلوب عليها من حرية وصدق وبراءة .

من حيث سموه وعلو مرتبته هو قانون ذو أصل دستوري وذلك عندما تتناوله دساتير الدول صراحة ، مثاله في الدستور العماني بما تناوله في الباب الثالث المعنون بالحقوق و الواجبات العامة ، بمواده من المادة (51) إلى المادة (31)  الأمر الذي أكدته المحكمة الدستورية المصرية العليا في العديد من مبادئها على شاكلة ما قالت : << لا يضير العدالة إفلات مجرم من العقاب بقدر ما يضيرها الافتئات على حريات الناس و القبض عليهم بدون وجه حق >> وهي التي قالت في مبدأ آخر : << أن افتراض البراءة في الإنسان لا يتمخض عن قرينة قانونية و إنما يؤسس على الفطرة التي جبل الإنسان  عليها . فقد ولد حرا مبرأ من الخطيئة أو المعصية و يفترض أن يستمر هذا الأصل إلى أن ينقض بحكم نهائي وبات لا رجعة فيه>>.

هذا القانون الذي ينظم إجراءات الضبط و التفتيش و الحبس الاحتياطي ، ينظم إجراءات المحاكمة ، يوزع الأدوار بين السلطة الضبطية و سلطة الاتهام و قضاء الموضوع ، هذا القانون الذي بمكنته في حال تسوره أن يرتب نتيجة  مفادها إهدار و بطلان كل ما أنبنى من جراء ذاك التسور  . وليس أوضح من ذلك نظرية بطلان [ الدليل المتحصل من إجراء باطل ] وهي النظرية التي باتت تطبق في أنحاء  دول العالم المؤمن بأن الحريات الفردية غاية منشودة في حد ذاتها ، ولا يجوز انتهاكا تحت أي مبرر.


هذا القانون الذي يضمن حقوق المتهم بداية من كفالة حق الدفاع إلى تحقيق تلك الدفوع أو الرد عليها تسبيبا في حيثيات الحكم .


هو ذاته القانون الذي يرسم الخيط الرفيع بين الدليل من حيث وجوده وبين الدليل من حيث تقديره ، ولذلك ليس للقاضي أن يتدخل في وجود الدليل وإن كان له أن يمارس حقه في مدى تقديره لحجية ذلك الدليل و مدى الاقتناع به .

المسألة الأولى مسألة قانونية صرفة ، بمعادلة علمية مفادها[ 1+1=2 ] ، أما المسألة الثانية فهي تقديرية للقاضي تتأرجح بين الحدود العليا و الدنيا لتقيس مقدار اليقين القضائي المتعلق بها .


قانون الإجراءات الجزائية ، هو القانون الذي ينشد العدالة بحيث أن احترامه هو الذي يؤدي حتما إلى احترام العدالة ذاتها . و لما كانت العدالة معصوبة العينين ، محتاجة إلى من يقود خطواتها المترددة ، فكان لابد من حسن تطبيق قانون الإجراءات الجنائية وفي هذا الشأن يقول الفقيه الدكتور أحمد فتحي سرور <<< إن الضمير الإنساني لا يمكن أن يفرط في الحقوق و الحريات إلا عندما يختلط الظلم بالعدل ، فينظر البعض إلى الشرعية بوصفها عقبة يجب تخطيها . أما عندما يشرق الضمير فإن العدل يتفوق على الظلم و تتغلب الشرعية على الباطل . فكرامة العدالة لا تتحقق بمجرد التطبيق الشكلي للنصوص ، وإنما تبنى على قيم الحق و العدل التي ينبعث منها الضمير . فإذا كان العقل دليلا إلى المعرفة ، فإن الضمير يهدي إلى الحق و الصواب >>> . ويقول أيضا  {{{ إن الاحتكام إلى الضمير هو أعلى من الرجوع إلى النصوص القانونية ، فبالضمير تطبق النصوص تطبيقا صحيحا يستوحي روح العدالة لا جمود النص . فإذا كان العقل يسير بنا إلى المعرفة ، فإن الضمير يسير بنا إلى الحق . وبه تتحقق العدالة و مـــتى ضـــاع الضمـــير أسيــــئ استخدام النصوص و أصبحت أداة للبطش و تكريسا للظلم و الهوان }}}.


إذا ما ذهبنا إلى إسقاط مضمون هذا القانون على واقع دعوى ما ، لتكن جريمة قتل على سبيل المثال : فإن القاضي ( العادل ) المؤمن بتطبيق القانون ، ولا شيء غيره ، المتجرد من أية عوامل قد تؤثر في الدعوى خارجية كانت تلك العوامل أم مختلجة في دخائل نفسه ذاك القاضي يطرح عدة أدوات من أدوات الاستفهام . وأهمها الأداة ( كيف ؟) وهي الأداة التي تتعلق أكثر ما تتعلق بقانون الإجراءات . كيف حدثت الواقعة ؟ كيف تحركت الدعوى ؟ كيف حققتم معه ؟ كيف عاملتموه ؟ كيف تلقفتم اعترافه ؟ ………………

تخيلوا أن تلك الأسئلة تطرح رغم قوة الدليل الذي يربط بين المتهم وبين الواقعة الجرمية .


في حين أن القاضي الذي لا يأبه كثيرا بذلك القانون ، يذهب مباشرة إلى اختزال جميع تلكم الأسئلة المتصدرة بــــ{ كيف ؟} في سؤال واحد أو اثنين ، يتمحور حول ( هل قتلت ؟) .


إن القاضي بوصفه يجلس في منطقة وسطى ، عليه أن ينظر إلى المتهم بالقدر الذي ينظر فيه إلى المجني عليه ( المجتمع) وكذلك حال أذنيه و جميع جوارحه بالأحرى عليه أن يتحرك ذهابا و إيابا بين قانون العقوبات و بين قانون الإجراءات .


إن تعطيل قانون الإجراءات هو الوصفة الناجعة لمريدي التنكيل و محبي الانتقام ، ولذلك فإن قوانين الطوارئ لا تعدو أن تكون رصاصة مخدر تصوب في جسم ذلك القانون .

وعليه فإن ثمة حالات تظهر القناعة الشخصية  قوية في العلاقة ما بين المتهم و الواقعة الجرمية ، ورغم ذلك يذهب القضاء إلى التقرير أو الحكم نقيض ذلك اليقين ( الشخصي ) ليس لشيء سوى لأن الإجراء المتبع يخالف ما نص عليه  قانون الإجراءات . ولذلك قيل : { أن لا قيمة للحقيقة الواقعية ، إذا ما تأتت من على مذبح الحرية } .

ولذلك فإن التشريعات الجنائية المقارنة منذ زمن ليس ببعيد أجمعت على أن الوصول للحقيقة يجب أن يكون  دائما بوسيلة مشروعة . و المثال على ذلك : أن حدث في الولايات المتحدة الأمريكية أن أقدم رجال الشرطة على دخول منزل المتهم عنوة ، دون إذن تفتيش ، ثم الولوج إلى غرفة النوم ليجدوا المتهم وزوجته في فراش النوم .


وعندما  شاهد المتهم رجال الشرطة قام ببلع أقراص كانت موجودة على الطاولة الموجودة بجانب سرير النوم دون أن يتمكن رجال الشرطة من منعه من البلع ، فتم القبض عليه واصطحابه إلى المستشفى و طلبوا من الأطباء إعطاءه دواء للقيء . فتم ذلك وعلى أثر ذلك تم التحصل على الأقراص بعد عملية القيء ، فتبين أن الأقراص تحتوى على مادة الأفيون . وبناء على عملية الضبط تم إحالة المتهم إلى المحاكمة ، بتهمة حيازة مادة الأفيون بصورة غير مشروعة .

وبانتهاء المحاكمة ، قررت المحكمة :أن سلوك رجال الشرطة المتمثل في دخول منزل المتهم بصورة غير شرعية ومحاولتهم فتح فم المتهم للحصول على الأقراص و قيامهم بإجبار المتهم على عملية القيء ، وذلك للتحصل على ما في معدته من مواد { يصدم الضمير ، وأنه سلوك غير مقبول على الإطلاق في معايير العدالة و الإنسانية } لتذهب إلى تقرير البراءة لأن سلوك رجال الشرطة انطوى على انتهاك لأبسط مبادئ السلوك المتحضر . و استندت المحكمة في ذلك إلى المواد التي يتضمنها قانون الإجراءات الجزائية .

إن خلاصة فكرة قانون الإجراءات تتمثل في جدلية الوسيلة و الغاية . وذلك عندما نطرح السؤال البديهي المنشود من جميع أطراف الخصومة الإجرائية بما فيهم ( الدفاع ) وهو : أين هي الحقيقة ؟ وهل هي غاية تبررها الوسيلة ؟ ولهذا جاءت القوانين الإجرائية لتحسم هذه المسالة ، مسألة : هل نريد الحقيقة بغض النظر عن الوسيلة ؟ أم أننا نريد الحقيقة بقيد الوسيلة ؟


ولذا بات مستقرا أن لا قيمة للحقيقة التي يتم الوصول إليها من على مذبح الحرية . وأن هذا المبدأ القانوني يجد له سندا في التشريع الإسلامي . عندما تم الأخذ به و إخضاع الحقيقة تحت إجراء الوسيلة  وتقيد القضاء الإسلامي به ، ولنا في عمر بن الخطاب مثالا صريحا ، فقد روي أن سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه كان يعس ليلة مع ابن مسعود رضي الله عنه ، فاطلع من خلال باب ، فإذا شيخ بين يديه شراب وقينة تغنيه . فتسور عليه ، فقال : ما أقبح شيخا مثلك يكون على مثل هذه الحال ، فقام إليه الرجل : وقال : يا أمير المؤمنين أنشدك الله إلا ما أنصفتني حتى أتكلم ، فقال : قل : قال : إن كنت عصيت الله واحدة ، فقد عصيت أنت في ثلاث . قال : ما هن ؟ قال : تجسست وقد نهاك الله تعالى عن ذلك ، حيث قال : << ولا تجسسوا >> وتسورت ، وقد قال الله تعالى  << وأتو البيوت من أبوابها >> و دخلت بغير إذن ، وقد قال الله تعالى  : << لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا و تسلموا على أهلها >> صدق الله العظيم  فقال عمر رضي الله عنه : صدقت ، فـهل أنت عاف لي ، فقال : غفر الله لك . فخرج عمر و هو يبكي . ويقول ويل لعمر إن لم يغفر الله له.


يتضح جليا أن قانون الإجراءات الجزائية ، هو المتراس الذي يتمترس خلفه المتهمون ، وان انتهاكه جريمة يجب أن يحاسب عليها المنتهكون و إن أكثر الجهات تسورا لهذا القانون هم رجال السلطة الضبطية ، ربما لجهلهم بمضامين هذا القانون ، وربما للهاثهم إلى الحقيقة دون إعارة منهم للوسيلة . ولذلك ذهبت إحدى البحوث في توصياتها إلى ضرورة انتقاء رجال السلطة الضبطية ليكونوا أشخاصا ميالون إلى الحريات المدنية مستوعبون لطبيعة القواعد الإجرائية . هذا دون إغفال لما ذهب إليه  الدكتور ( أحمد فتحي سرور ) من ضرورة تواجد ضمير إنساني ينشد العدل ليهتدي إلى الحق و الصواب . وقد أورد في كتابه ( الوسيط ) إنه عندما كان يتولى تدريس مادة قانون الإجراءات الجنائية  كان يقول لطلابه في نهاية كل عام دراسي : أنكم سوف تخرجون إلى التطبيق العملي ، فإن رأيتم خلاف ما تلقيتموه من علم ، فليس ذلك لأنكم لم تتلقوا التعليم الصحيح . و إنما ذلك لان هناك خطأ في التطبيق عليكم إصلاحه .

هذا إذا كان القانون في ظاهرة صالحا  فكيف إذا ما ذهب إلى نقيض ذلك !!

 

 


0 2118 09 ديسمبر, 2012 العدد الثاني والثلاثون, سياسة ديسمبر 9, 2012

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.