من السجن إلى النقد، ولا للعكس

لـ

1. لغة القضبان:

حدثتني القضبان قالت أنا نفسي قضبان ضد نفسي فكيف أعين غيري وأنا أعجز عن تحرير نفسي؟ قال السجّان: أنا سجين الأوامر فكيف أحُرر غيري وأنا نفسي سجين؟ قال السجنُ: أنا السجن، لكن ألا تشعرون أني أنا ذاتي أكبر السجناء وأقدمهم وأكثرهم هرماً وألماً؟

قال السجناء: نحنُ كنا أحراراً ذات يوم، نحنُ سنعودُ أحراراً ذات يوم، ولن نفرط في الحرية، إلا إذا فرطت فينا الحرية.

قالت الحرية: أنا سجينة معكم أيها السجناء، أنتم الأكثر حرية، حتى من كل ما في السجن: من القضبان وسجناء الذنب والسجّان والسجن. أنا الحرية وأستطيع تحريركم. احرصوا عليّ داخلكم، اسجنوني فيكم. أحرركم.

 

2.تأملٌ سجينٌ في الحكمة:

أحكم ما في الحكمة تواضعها، عدم رغبتها إلا في الحكمة، لا تأخذ الحكمة العزةُ بالإثم وكذا لا تأخذها العزة بالحق، فمن يؤمن بحكمة الحق يعرف أن الحق لا شك فيه، وأن العدالة بيد الحق، يميلها في الأقدار التي وإن بدا في الظاهر ألمها ووجعها لكن في باطنها الحقيقة المرجعية والحكمة الأساس للواقع.

هناك في الحكمة حيث الموت رغم بشاعته الظاهرية ليس في حقيقته إلا تجديداً لمياه الحياة من كدرها، وأوضارها. والخلود الذي يبدو غاية مشتهى الحي ومناه إنما يكون في موته، لا في حياته؛ كما عند المتنبي:

عمرُ الفتى عمرهُ الثاني، وعيشتهُ ما قاتَهُ، وفضولُ العيشِ اشغالُ.

هكذا في الحكمة لا تصير الحياة إلا محاولة حيةً لتسجيل هدف سامٍ نبيل، في مدة زمنية محددة، بعلامات وطرق على الباحثين أن يشعروا بنور حياتها الذي ينبعث من صورها المتخيلة لحياة مبادئ شبحية نسميها الحرية والعدالة والحق والحب، ليست لها أية أجساد منفصلة، ونحن فقط نحن (بوعينا): أجسادها الوحيدة.

تلك الأجساد التي تعي هذه الضرورة تحاول جهدها ووسعها، حتى في الزمن المعاصر، لتنتصر بما تستطيع، لتلك المعاني الشبحية التي تحاول تجسيدها، وبذلك يتسع ضيق العالم، وبذلك تغدو الحياة مستساغة للعيش، بيئة خصبة للحلم، مهداً جيداً لأحلام الأطفال، وبستاناً طيباً للقادمين، أما بدونها فتطغى العبثية المجردة من أي معنى: ظلاً يحجب نور السماء، لا يعيش فيه شمسٌ ولا نجومٌ ولا قمر، لا أكوان ولا كواكب، عدم سديمي. كالعدم السديمي الذي يحيط بالكون.

واليوم هنا، هذه اللحظة من 2013م، عبر إضاءة المزيد من تلك القناديل وباتباعها نصل لهدفٍ شبحيٍّ آخر نحاول تجسيدهُ جميعاً ونسميه الوطن، ليس الوطن فيه إلا حلمنا عن الوطن؛ الوطن هذا النوع من الأشياء التي ندعوها جنتنا الأرضية، ونحن فقط نحن (بوعينا): تجسيدها الوحيد، تجسيد ماضي الجنة الذي نشعر بعراقته، ومستقبلها الذي نشعر بإشراقته، وفي المابين نحاول أن نكون جسراً جيداً، قنطرة سليمةً معافاة من العيوب؛ مدفوعين بالحب المدرك الواعي لهبات هذا الوطن على هذا الجسر من حياة، من خيرٍ وهباتٍ ونعماء وجمال، تستوجب أن نردها بالشكر لا الكفر، والحمد لا الذم. من أجل وطن صافٍ برغبته الصادقة في أن يكون متسِعاً لأبنائه، ليكون بهم ولهم كله، قنديلاً جميلاً يهدي ضلال هذا العالم من متاهة شحنائه وبغضائه وحروبه ودمائه. بدل أن يكون قنديلاً مظلماً بغضبه وبغضه، بحقده وحسده، بجراحه وحرابه. بمشرديه ومشرداته الضالين.

تحتاج القناديل الجيدة والمضيئة إلى المزيد من السلام الحي والمزيد من الزهور الفرحة والأشجار النضرة والمياهِ العطرة والخير العميم وبذلك تضيء الحكمة الحقيقية مزيداً من حسن الإضاءة.

 

3.

يمكن النظر لكل أزمة وعي عامة كنوع من الاختبار لمدى وعي الوعي بنفسه وبكينونته وبقدراته وبوجوده، ونتائج كل أزمة هي مقياسٌ حقيقي لمدى حيوية الوعي وقوته وقدرته على التأقلم والتقدم، أو لمدى ضعفه وقواه الخائرة التي تستبدل اقتراح الحلول وابتكار الطرق بالنواح أمام الطريق القديم المقفل.

وإذا لم يستيقظ الوعي في أزمته فلا فائدة ترجى من أية يقظة محتملة لهذا الوعي. ومهما شكونا من التخبط والأخطاء فإن ذلك لا يعفي الوعي من مسئوليته العامة تجاه المصلحة التي ترتبط بها دورة الحياة الطبيعية الحالية والمستقبلية، لذلك على الوعي أن يكون يقظاً أكثر وحريصاً أكثر لدقائق حياته وتفاصيلها فبذلك يكون حياً، أما بدون اليقظة فيسكن الوعي منطقة الموت، تحت التخدير والانكفاء والتراجع والاستكانة، بابتزاز الجراح وتضخيم الفقد والخسارة، ورفع نغمة النواح وصوت الكآبة واليأس، وليس ذلك كله في المحصلة إلا شكلاً من أشكال انتحار الوعي ومقياساً يدل على موته البطيء.

الحياة مقاومة ومعيش مستمر في لحظة فعلٍ يومي إيجابي، وليست الحياة سلبية تقتات على تضخم ذاتها حتى تموت، وبداية الموت موت الوعي.

المقاومة الحية الواعية هي ما يتبقى لا ما يتبدد، ومقاومة الحياة الطبيعية هي توازنها الحقيقي، كالميزان المرسوم في دور العدالة، محاولة الاتزان المستمدة من صورة الإنسان فارداً ذراعيه فاتحاً قبضتيه لعدالة السماء وحكمتها. وليست المقاومة الواعية مجرد اشتعالٍ للاشتعال، أو حريقاً لمجرد الحريق، بل اتقادٌ متقن يقظ حريص وعطوف على شموعه وناره التي يريد بها إنارة الطريق، لا حرق الطريق.

 

4.

القضية الشبابية الكبرى اليوم والتي يرزح بسببها كوكبة من قناديل الشباب العماني المعاصر هي قضية عامة وليست شخصية، لا تخص المسجونين بالاسم بل تخص مجتمعاً عمانياً معاصراً في ضمان حرية كل فرد من أفراده. وسأحاول وسعي تفكيك الخيوط.

ما نوع الأمان الذي يشعر به من ينتقد الأداء الحكومي علناً بأي وسيلة كانت إذا علم أنه يمكن أن يكون عرضة لاتصالٍ مفاجئ من القسم الخاص؟ ليس للتحقيق فقط، بل للتحقيق الاستفزازي والتغييب في السجون السرية ومنقطعاً عن العالم الخارجي كلية؟ لا أظن أن وجود مثل هذا التصرف الأمني يتيح حرية ممارسة النقد، والحرية الحقيقية في إبداء الرأي هي الشرط الأول للنقد، بدونها يكون رهناً بضغط المخاوف على سلامته الذاتية وعلى حريته التي يكفلها العيش في مجتمع آمن مسالم. وبالتالي يعطي آراءاً كاذبة، يعذبهُ قولها أكثر مما يريحه قول الحقيقة التي يشعر بها.

صدر قانون في 2011 ليعطي مزيداً من الصلاحيات الضبطية لأفراد الأمن لكن سرعان ما تم استعمالها مباشرة في تهديد حريات أشخاص بسطاء ثبتت براءة عدد منهم، ولم تثبت على من حكموا بالسجن منهم في النهاية سوى تهم صغيرة لم تكن تستحق تغييبهم الطويل في السجون، والتشهير بهم، وإصدار البيانات المتلاحقة من الادعاء العام. وحين عُرضت قضاياهم على القضاء تنحى عنها القضاة ولم يصدر القضاء بحقهم إلا إدانات مشوشة مترددة فريدة من نوعها كما في أحكام المحكمة الابتدائية، ألا يشير ذلك بقوة إلى العيب الكامن في إمكانية خرق الحريات المدنية المكفولة بسبب لحظات غاضبة، أو ضغوط نفسية تمر على من بيده تلك السلطة الضبطية تؤدي إلى اتخاذ قرارات مندفعةً متعصبةً بالظن، يدفع المجتمع ثمنها من حرية الجزء الضعيف من المجتمع، الجزء الذي بلا سلطة ولا قوة؟ ويقع دوماً خارج دوائر السلطة والمصلحة والقوة؟!

لذلك دعت ندوة حرية الكلمة 2012م في أهم مقترحاتها مجلسي الدولة والشورى ليلتفتا لمثل هذا القانون، فيسعيان للضغط السريع لتغييره لأنهُ يهدد الحرية المدنية بمجرد الشبهة الأمنية الغير مثبتة، ويعرض حريات المواطنين العاديين للتهديد، ربما بسبب وشايات قد تكون مغرضة، وشبهات غير مثبتة، وتعسف في استعمال القانون ضد الآراء، وباشتباه النوايا، لا بالأفعال المثبتة وأدلة الإدانة المشهودة الحقيقية.

اليوم بسبب هذا القانون تفتقد عمان عدداً من خيرة شباب الواعي الجديد ومبدعيها وأمل غدها في السجن المركزي من كتاب ومخرجين وإعلاميين وقانونيين وأصحاب مبادرات تطوعية وفاعلي الخير الاجتماعي تصادر حرياتهم بالقانون نفسه لمدد متفاوتة، أحياناً كثيرة ليس إلا لأنهم واجهوا وتحدوا علناً السلطة التنفيذية بحقوقهم المدنية المثبتة بالقانون، والتي وإن لم ينصفهم فيها القانون والمحكمة بسبب ثقل السلطة وتقديرها في الدوائر القضائية، إلا أن ذلك يجر إلى نتائج عكسية تشيع فكرة عامة مغلوطة عن عجز نظامنا العماني المعاصر الحديث على استيعاب اختلاف الرأي، والرأي الجديد، وعدم قبوله النقد العلني بصوره المختلفة، بما فيها السخرية الطائشة، التي وإن بدت مُرة لكن عادة السخرية أن ترهن رغبتها في التغيير بقوة مرارتها تلك بالذات. إضافة إلى أن عقوبتها الأولى لا يجب أن تكون عنيفة وقاسية، خاصة حين ندرك أن السخرية ليست فعلاً اساسياً عادة بل ردة فعل، وهنا هي تعبيرٌ شبابي مُر ناشئ كردة فعل أصلاً على نفس الفهم المغلوط، وليست السخرية بأي حال مسببة ومنشئاً للفعل.

 

5.

الحق يقال أن مناخ نظامنا العماني اليوم يحظى بميزات تسامحية أكبر من أنظمة عربية وشرقية وغربية شبيهة، مناخ يعترف بهدوئه حتى أشد المعارضين ضراوة، لأن محصلة ردة فعل السلطة تنحو للحكمة والتهدئة والسلام أكثر من ممارسة غطرسة القوة المتكبرة المتسلطة، وتلك أخلاق حضرية رفيعة ومبادئ حية تحفز الأمل الشبابي ليكمل بتفاعله الواعي معها، الخطى الجمعية المتبقية نحو تأسيس استيعاب عماني مستقبلي ثقافي حضاري في الوعي العام خاصة الشباب، لمزيد من أمن الحريات العامة الطبيعية بما فيها حرية التعبير والنقد، وعدم معاداة حرية التعبير في ذاتها، بل حراستها بالوعي الاجتماعي لأنه ينمو في حريته عبر محاولاته المختلفة واختبارها ونقدها وتعديلها. وعبر رعاية المناخ العام بأكمله لمجالات التعبير المختلفة بشكل قانوني، وبثقافة حرية التعبير المسئولة التي تشارك مجتمعة في مهمة البناء.

إن المطلوب الفعلي من النقد هو أن نكمل بعضنا بعضاً بالنقد لا أن نعيب بعضنا بعضا به. مع تغيير مفهوم النقد الشعبي الشائع الذي يحول النَّقّاد إلى شتامٍ سوقيٍّ، لإفساح المجال للنقد الحديث المعاصر الذي يدرك مدى ضرورة النقد لديناميكية الحياة والنظام ويعرف مدى تأثيره والمسئولية العامة المترتبة على حسن استخدامه وأمانة استعماله، ليعطي خير ثماره وأجود نتائجه، وأرفعها..

 

0 1061 07 يناير, 2013 العدد الثالث والثلاثون, حداء الروح يناير 7, 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.