إلى سعيد الهاشمي في زنزانته المظلمة.

لـ

لا يهم أين أنت الآن في الزنزانة أم في ظلام السجن، ما يهم أنك ستكون في رحابة الصحاري العمانية وشموخ جبالها، في الغيمة التي يستبشر الملأ بقدومها وينتظرها الرعاة والفلاحين، وستصبح قطرة ماء في الموجة التي تلثم الشواطئ والسواحل وتهديها قبلات البحارة والصيادين، وربما  تتحول إلى نجمة في زرقة السماء اللامتناهية التي تعكس آمال الشعوب الكادحة وصفائها ويقينها، وستغرس كالطلح في فيافي السهول الحمراء المرسومة بالرياح وتقلبات الفصول، وستزرع كشجرة التين بين غابات ظفار الخضراء ومراعيها، وربما تكون كشجرة العلعلان على مدرجات قمم الجبل الأخضر الأشم، وقد ترسخ كجلمود صخر على قمم سلاسل جبال مسندم الشبيه بالتيجان، أو تتحول إلى لبنة في أسوار القلاع العُمانية و صلابتها  ومناعة حصونها، ستبقى أنت كما أنت في انحناءات الاشرعة الصورية ستخلد، وفي رونق الجنابي والخناجر المعقوفة ستظل، وفي ثرى الرمال الباردة في الصباحات والمساء، ستكون أنت سعيد بن سلطان الهاشمي، ستبقى صقرا من صقور جبال الحجر التي لا تُهزم ولا تقبل  الخضوع، ونمرا من النمور العربية المرقطة في جبال سمحان، وفي جمال المها العربية في جدة الحراسيس سيحل طيفك، وسيكون الحق الذي تناصره نبراسا ينير مسالك التائهين.

اراك أيها الصديق ولا تراني ، أطالع صورتك المنشورة في الجريدة بقصد التشهير، وارى في عيونك تعابير الالاف الذين لا يبوحون بألآمهم، ارى الحق في محياك يمنحك بريقا، لا يلمسه إلا من ذاق المرارة والحرمان والتهميش ، مسكون أنت بالوطن يا سعيد والوطن يقينا يسكنك، ويحزنه أن يراك مقيد اليدين، وحريتك هي الأخرى مقيدة، أنت الذي لم يكن همك إلا الوطن الذي يأمن لك ولأمثالك من شرفاء الأمة.

كئيب هذا الصباح يا صديقي كوجوه السجانين وسارقي الثروات، وناهبي الثورات، كئيب لأنك أنت ومن معك من شباب الوعي محبوسين بين الجدران، وخلف الأسوار الشائكة، بينما يسرح الظالم دون أن يردعه قانون أو يقبل الادعاء العام شكاوي ألاف المواطنين ضده، فماذا فعلته أنت ومن معك من الشباب والشابات سوى أنكم مارستم حقكم الذي تكفله كل القوانين والأنظمة؟!، ماذا اقترفتم من جريمة حتى يزج بكم في السجون وتتعرضون للإهانات؟!، لم تفعلوا شيئا إلا أنكم تجمعتم تجمعا سلميا، وهذا حق ، والحقوق لا تنفصل ولا تجزأ ولا تسقط بالتقادم.

إن سجونك يا سعيد  فإنهم لم يسجنوا صوت الحق الساكن في أعماق نفسك، إن ضربوك فإنهم لن يمسوا الجوهر النقي الذي يتلألأ داخلك، ولن يطفؤوا وهج الحلم الذي تبنيه لأجل الوطن.

لن أنسى ذلك المساء الذي جمعني بك مع الصديق ناصر صالح الذي يشاركك الحلم والأمل والألم والسفر والزنزانة ذاتها، كان يوما مميزا بحق، حين تحدثنا عن الثقافة والفكر وسردت لك سنوات إقامتي في تونس، وعرفت شيئا عنك وعن دراستك في الكويت، ففي كثير من  الأحيان تسقط الحواجز و الجدران بين الأصدقاء في أول اللقاءات، لأن القاسم المشترك بين الاثنين يبدد تحفظات اللقاء وتجاوز المجاملات، وحين اشتغلت في مسقط تواصل اللقاء، الذي أثمر عن إعادة إصدار المحلق الثقافي للجمعية العمانية للكتاب والأدباء، وشاركتني في إدارته مع الصديق والزميل الإعلامي والكاتب سليمان المعمري، وكنا ندير الملحق ونعقد الجلسات الحوارية والنقاشات الثقافية، وكنت أنت كعادتك لا تكل ولا تمل من العطاء، ومواصلة العمل التطوعي، لأجل وطنك وناسه، وكنت تعمل بجد واجتهاد المؤمنين بقضايا أوطانهم، وأذكر أننا التقينا في مؤتمر الجزيرة الخامس في الدوحة، وكنت أنت في طليعة الشباب العرب الناشطين، وكنت أفخر بك وأحسب عمان كذلك، لأنها أنجبت شابا كالقبس يبدد دياجير الظلام، ويشعل ضوء في آخر النفق، شاركتك أيها الصديق في الاعتصام الذي نظمناه أمام وزارة الخارجية لاتخاذ موقف لحكومة السلطنة مما يجري في ليبيا، وكنا على تواصل أيام الاعتصامات أو كما أطلقت عليه أنت الربيع العُماني، وخلال المدة التي عرفتك فيها لم أجدك إلا انسانا صادقا مع نفسه ومع الأخرين، ثابتا على مبادئك راسخا بإيمانك بوطن ارحب وأجمل وأرقى، يكون الإنسان فيه حرا ويحظى بكافة حقوقه كاملة غير منقوصة، ويقوم بواجباته على أكمل وجه.

سيطوي الزمن الأيام التي تقضيها في السجن كما تطوي الكتب بعد قرأتها، وسيأتي اليوم الذي تخرج فيه من السجن لمقابلة أهلك وأبنائك، الذين يفخرون بك، والذين أمنوا بما آمنت به، ودعموك ووقفوا معك ومع خياراتك لسلك الدروب المحفوفة بالسجن والقمع والأذى، وتشويه الصورة والسمعة، لكنك لست ممن يقفون في وسط الطريق ويتراجعون عن تحقيق الأهداف، ولست ممن تسكتهم اللقمة وتروضهم الهبات، لأن الطاقة الكامنة داخلك لا تعرف السكون ولا تعترف بالهزيمة، ولا تؤمن بأنصاف الحلول، ولا تقبل الخنوع والخضوع، سر على بركة الله أيها الصنديد، فظلام الليل يتبعه فجر، ووعورة الطريق يتبعها سهل، فالتغيير قادم إلى المنطقة لا محالة، ولن يستأذن أحدا حين يطرق الأبواب، عندها ستضعك اللحظة في المقدمة كعادتك تلملم الكلمات وترص الصفوف لمواجهة المتغيرات، للحفاظ على وحدة الأوطان وسلامة أهلها وناسها.

كاتب من عُمان

سعيد الهاشمي كاتب وناشط حقوقي يقضي مدة في السجن بسبب وقفة احتجاجية.

0 1624 17 يناير, 2013 العدد الثالث والثلاثون, حداء الروح يناير 17, 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.