“تنفس يا وطن “

لـ

بلادُ العُربِ أوطاني .. منَ الشّـامِ لبغدان

ومن نجدٍ إلى يَمَـنٍ .. إلى مِصـرَ فتطوانِ

فـلا حـدٌّ يباعدُنا .. ولا ديـنٌ يفـرّقنا

لسان الضَّادِ يجمعُنا .. بغـسَّانٍ وعـدنانِ

لنا مدنيّةُ سَـلفَـتْ .. سنُحييها وإنْ دُثرَتْ

ولو في وجهنا وقفتْ .. دهاةُ الإنسِ و الجانِ

فهبوا يا بني قومي .. إلى العـلياءِ بالعلمِ

و غنوا يا بني .. أمّي بلادُ العُربِ أوطاني

 

لو أن فخري البارودي يعايش  الوضع الحالي للعالم  العربي لتنازل عن ذلك الحلم  بالوحدة  القومية العربية  وأدرك أن الشيء اليتيم  الذي وحدنا هو حلم طفولة بوحدة عربية  وما فرقنا هو زمن أبدي بأتساع السماء  نسي ملامح طفولتنا العربية .

إن الأحداث  الأخيرة داخل الوطن، أكدت لي بلا مجال لشك ، إن رئتي وطني  والعالم العربي صارت مليئة بالدخان الذي يخنقها عن التنفس ، وذلك ما دفعني  لتحريك  رمالي الكسولة التي كانت بصمت تنظر بازدراء لثورات العالم العربي  ، الآن على الحكومات أن تستيقظ من سباتها الطويل  لتتساءل  كم شاب هو حصيلة الظروف السلطوية  في حكومة قمعية عبرته  وشكلته وعجنت كل خلية فيه ليخلق من جديد شخص مختلف  يعجز عن تذكر نفسه وملامحه الأولية ،  لو يعرف القائمون على هذه العنصرية والقمع للحريات في عالمنا العربي “كم شاب غاضب على وطنه تنتج مصانعهم  كل يوم ؟”

يوم الجمعة ” السابع عشر من ديسمبر  2010م كان بداية الشرارة  لخروج  أول  أولئك الشباب  الناتج من تلك المصانع القمعية    ” محمد بوعزيزي ”  والذي قام  بإحراق جسده  أمام مقر ولاية ” سيدي بوزيد”  وبالتالي كان  الشعلة التي شهدت  انطلاق الثورة  التونسية  ،  لتليها “ثورة  25 يناير” التي أطاحت بالحكم المباركي ، وكان التتالي  مستمر بثورة” 17 فبراير” التي  انهت الحكم الدموي  القذافي في ليبيا ، ولتحقق الثورة اليمينية  غايتها  بتنحي   بن صالح عن السلطة  ، وتشخص الأنظار الآن على الثورة السوريه وما ستؤول إليه .

ولا ننسى تلك الثورات التي بقيت لفترة داخل رحمها ثم أجهضت بمهنية عالية من قبل حكومتها  كثورة اللؤلؤ في البحرين ” فبراير 2012″   ،  ثورة الجزائر ” يناير 2011 ”  ، المغرب “حركة 20 فبراير “،  سلطنة عمان ” 18 يناير ”  ،السعودية ” 3 مارس ” وغيرها من الدول .

إن الثورة بالمفهوم  الاجتماعي ” هي تغير شامل  وجذري  في توزيع  مصادر القوة  وعمليات  الإنتاج  في المجتمع ”  مثل هكذا تحول لا يولد من فراغ  بل يكون  ناتج  تفاعل  وتراكم  فكري وفلسفي ، وهذا ما يمكن ملاحظته في ثورات العالم  مثل  الثورة الفرنسية ” 1789″ ، والتي أدت إلى تغير  اجتماعي واسع  النطاق في المجتمع الفرنسي ، وبروز طبقة جديدة  هي الطبقة الوسطى ” البرجوازية ” .  وكذلك  الثورة  البلشفية  في روسيا ” 1917″، والتي كانت تقودها  الطبقة  العاملة  ويحتضنها الحضن الفكري الفلسفي  القائم على  الجانب الفكري الماركسي . والثورة  الماوية  في الصين ” 1949″  والتي حمل لوائها أصحاب الملكيات الصغيرة والفلاحين . كل  هذه الثورات التي سبق ذكرها  كانت مسلحة بالجانب الفكري ، وأكبر الأمثلة على الحضن الفكري   هو ثورات التنوير  في أوربا والتي سبقت تلك التحولات السياسية الكبرى  التي شهدتها أوربا  ومن هذه الجوانب الفكرية التغيرات الفلسفية والأدبية كظهور السريالية  في الأدب  ، مسرح اللا معقول  والفن التجريدي وغيره الكثير من التغيرات  الفكرية الذي كانت الحضن الأساسي  لتحول السياسي في أوربا .

الأسئلة  التي تطرح نفسها هنا ” لماذا غابت مرحلة التبشير الفكري قبل الثورات العربية؟ “، ولماذا لم تكن ثوراتنا العربية  تحتضن بالحضن الفكري الفلسفي  كالثورات الإنسانية الكبرى؟ ، ولماذا كان الفكر والفلسفة يقف في موقف مرتبك وعشوائي وربما مغيب تماما  في تلك الثورات العربية المسميه بــ ” الربيع العربي “

وهل ذلك يساند حقيقة إن الثورات العربية لم تكن سوى تمرد اجتماعي في الشارع العربي  على الوضع الاقتصادي ، وهو ليس سوى انفعال عاطفي لا يستند لقاعدة فكرية  ، فالثورات العربية  ومنها  الثورة  المصرية التي قادها الشاب  وائل غنيم وأطرتها  القنوات  الإخبارية كالجزيرة وغيرها شهدت غياب  المفكرين والفلاسفة عن الساحة  الثورية في مراحلها الأولية مما يشهد أن الثورات كانت تحمل طابع الدمار الذاتي أكثر من طابع الإصلاح السياسي .

وهل من المنطق أن يشهد  العالم العربي تصديق لعبارات الإطراء  التي تداولنها القنوات  الإخبارية  حول الدعم الغربي لربيع العربي ،على سبيل المثال ما قال أوباما  حول الثورة المصرية ” علينا  تعليم أطفالنا الأمريكيين  ليصبحوا كنظرائهم المصريين ” ،أنسي الشعب إن  أمريكا كانت  أول داعم  لتلك الأنظمة القمعية  في عز سلطتها ، ومن جهة أخرى هل فرح العالم العربي بعبارات  الإطراء الأمريكية والغربية ونسي  أن نفس هؤلاء حولوا في يوم ما بلاد الرافدين إلى مجزرة إنسانية يسودها وباء الفساد السياسي  والتعددية  الهالكة . فأن يرفع أحد الثورين في حمص علم إسرائيل لطلب التدخل الإسرائيلي  لحماية الشعب السوري ينبأ  من وجهة نظري ” بخريف عربي” لا حياة فيه وليس بالربيع العربي .

لنا أن نلاحظ الآن أن تلك الثورات  لم تحقق ما أملته الشعوب ، بل عادت لدخول في رحمها بظلماته الثلاث  من جديد لان العقل العربي  ما زال مريض  بطاعون الخوف والتعددية والتفرقة القائمة على مبادئ  العنصرية  .

لا ننكر أن ذلك الحراك الشعبي  جعل الأمة العربية  في أعتاب التاريخ  وأدى  لسقوط رؤوس بقيت في السلطة لأكثر من أربعة قرون ، ولكن بغياب الحاضن الفكري فإن مصر لم تحتاج  لأكثر من  أشهر  لتقوم  من جديد ثورة أخرى ضد رئيسها ، وتشهد تونس  الصراع ما بين  حزب  النهضة الأخواني  الحاكم والاتحاد التونسي للشغل ، وبقيت ليبيا  ساحة للمليشيات  المسلحة .

وتبقى وجهة نظري أن تلك الشعوب العربية الجائعة لنظام حكم ينصفها  “تستند على الوراثة  فقط ” لتصفق لنظام ما أو الثورة ضده ولنا أن نلاحظ ذلك  من خلال أن عدد لا يستهان به من الأشخاص الذين يسيرون  الآن في  ثورة ضد الدستور المصري  الجديد  ، هم في حقيقة  الأمر  لم يطلعوا  على الدستور !! ،  ولعل ما سيساعد  على فهم هذه  الطبيعية  العربية الغريبة  هو الإطلاع على رواية ” خداع المرايا ” They do it with mirrors” لأجاثا كرستي  ، حيث تغور الكاتبة في طبيعة  النفوس البشرية  باحثة عن دوافعها الخفية ولعل أجاثا تنبأت بحالنا  العربي  لتكتب روايتها .

الصراع  الخشن على الساحة العربية سواء  ذلك الذي أستطاع الخروج من رحمه ، أو تلك التي ما زالت  تصارع داخل رحمها تُنبأ بمستقبل مختلف لعالمنا “فقط” لو فكر من يحملون تلك الأعلام ليقودوا الثورة أن تلك الأعلام التي يحملونها  والمصنوعة من قطع قماش بسيطة جدا هي صناعة مستوردة ، فإذا كنا لا نستطيع صناعة علم لنقود ثورتنا  فهل نحن ننبأ بالربيع العربي ؟!

في الختام نسعى للمستقبل الأفضل ، ولعل الحلم العربي يتحقق ذات صدفة ، يا أبناءنا وأحفادنا الذي ما زالوا بذوراً  في مكان ما أنموا كـأشجار تَغرس في الأرض جذورها وتحلق لسماء ثمارها ، كونوا العقل الذي يتقدم ببصيرة فيترك أثرا وأعطوا لثوراتكم  القادمة وجها هو وجهكم أنتم فقط ، نحن داخلكم  نكافح  . فيوماً ما أنتم لن تعبروا عن رغبتكم فقط  بل رغبة عدد لا يحصى من  أسلافكم  فلا تموتوا كي لا نموت نحن داخلكم .

 

0 1289 26 يناير, 2013 العدد الثالث والثلاثون, حداء الروح يناير 26, 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.