الأخلاق ضرورة إنسانية

لـ

 

لطالما كانت الجولات السلطانية فرصة لتكريس العديد من القيم الإنسانية ونشر وعي مجتمعي بالكثير من المفاهيم الحضارية والثوابت الوطنية والمكونات الاجتماعية ، ولم تكن جولة السلطان هذه المرة إلا امتدادا لما سبق من عطاء أبوي مخلص وخرزة استثنائية في عقد لؤلؤ عماني فريد في الشكل والمضمون .

 

كنتُ أتابع مشهد مقاطعة أحد الحاضرين لحديث صاحب الجلالة وردة فعله تجاه ما حدث مستحضرا في ذهني هيبة الموقف بين يدي السلطان لحظة ولادة الحدث وما يمكن أن يستتبعه ذلك من مفاجآت .. والمفاجأة أن الموقف كان بلا مفاجآت ، فقد تفهم جلالة السلطان ما حدث بكل تلقائية وعفوية وأظهر حلما وودا أبويا رائعا سما به في عليين .

 

الليلة التي سبقت هذا الحدث قال صاحبي المعتصم البهلاني كلاما يتحفظ من خلاله في تسمية جولات صاحب الجلالة بالبرلمان المفتوح لما يمكن أن تحيل به دلالات اللفظ إلى إيحاءات ذات طابع رسمي لتلك اللقاءات ، ويرى بأن الصحيح أن تبقى ضمن دلالات اللقاء الأسري الودي الذي تتسم ملامحه بالعفوية المطلقة ، وهذا تماما ما فسرته ردة الفعل السامية الراقية تجاه ما حدث .

 

لا ريب أن للأخلاق مكانة في التكوين الفردي على وجه الخصوص وفي تكوين المجتمعات على وجه الإجمال فهي تتجاوز ملامح هذا المكون لتشكل إحدى دعائمه الأساسية في البقاء وفي ذلك قال الشاعر :

 

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ، فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

 

فالأخلاق بذلك تعد ضرورة إنسانية لازمة وهي محور استقامة الأحوال وسيرها بشكل منضبط وعادل وآمن ، وقد أشار النص القرآني إلى شيء من ذلك في غير ما موضع كما أشارت السنة النبوية في السياق ذاته على محورية هذا الركن وحتميته في السلامة الموجودية على نحو شامل ، من ذلك قوله تعالى في نصح لقمان لابنه وهو يدعوه إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر  : “يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور” ، ومبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هو مظنة الخيرية لهذه الأمة ، فهي تكون خير أمة أخرجت للناس عندما تلتزم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لقوله تعالى “كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ” والمعروف هنا رغم تعدد تعريفاته في سجال العلماء سواء على المستوى الدلالي أو على المستوى الزمني للدلالة ذاتها كاختزاله في فترة دون أخرى ؛ يظل في دائرة ما استُحسن من القول والعمل وقبلته النفس ولا يكون الأمر كذلك إلا كانت دلالة الأخلاق عموما داخلة فيه ، كذلك قوله تعالى في ذات السياق “وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ” وقوله “وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِير” وقوله تعالى في موضع آخر ” وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّور ” وقوله تعالى كذلك ” وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ” وغيرها من الآيات التي تدعو إلى التخلق بما حَسُن من الأعمال والأقوال لاستدامة الرخاء والعدل بين عناصر المجتمع وتحقيق صلاح الناس ودوام سلامتهم.

 

أما السنة النبوية على صاحبها أفضل صلوات الله وسلامه فقد أقرت هذه الضرورة في العديد من الروايات منها قوله صلى الله عليه وسلم : “ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذيَّ” وقوله صلى الله عليه وسلم جوابا لسؤال عما يُدخل الجنة فقال : “تقوى الله وحسن الخلق” وقوله صلى الله عليه وسلم : “الحياء لا يأتي إلا بخير” وقوله صلى الله عليه وسلم : “أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا وألطفهم بأهله ” ، وفي السنة العديد من الأحاديث والمرويات التي يستفاد منها الكثير من الدروس في الأخلاق كالدعوة إلى الحلم والرفق والعطف والصدق والتواضع وغير ذلك من الدعوات الصريحة والضمنية في ذات الخصوص.

 

إذا ً ، فالمشرّع يأمر من خلال أحكامه وتعاليمه إلى التحلي بالأخلاق والخصال الحميدة والتمسك بها وإلى نبذ أضدادها والتخلي عنها ويأتي هذا في سياق تحقيق بنية تكوينية ظاهرة للفرد والمجتمع تقوم على أساس الثوابت العامة لضمان سلامة هذا المجتمع وسموه ورقيه وتحضره .

 

على أن فارقا عند التحليل بين مفهومي الأخلاق والفقه التشريعي يقرره أهل الاختصاص ، فالفقه هو العلم بالأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية فهو يُعنى بالجوانب التعبدية ولا ريب في سمو هذا العلم وركنيته في استقامة أحوال الناس ورقيه في أفق علوي من الوعي والمعرفة ، بينما الأخلاق هي صورة المرء الباطنية وحقيقة تكوينه الداخلي والإناء الذي ينضح منه سلوكا نمطيا في الأقوال والأفعال وهي أحادية الدلالة والإيحاء بخلاف الفقه الذي يتسم بتعددية دلالية وإيحائية ولذلك قيل تعدد العبارات بتعدد الاعتبارات ، ورغم كون الأخلاق بذلك أعم وأشمل في القيمة الدلالية عنها للفقه في القيمة التقريرية إلا أن العلاقة بين الأثنين علاقة تكاملية طردية باتجاه الكمال البشري في التكوين ويكون ذلك على نحو خاص في ديننا الإسلام .

 

ولما كانت الأخلاق على هذا القدر من المحورية والارتكاز ، فإن توجيه المقاصد إليها والانضواء تحت ظلالها الوارفة والانقطاع إلى تحصيلها وكسبها يصبح أمرا تستلزمه الحكمة والضرورة كما أن صرف تلك القصدية عنها يعد ضربا من الجنون والتداعي ومشهدا أوليا من مشاهد الانهيار والانكسار ثم الانطفاء الأزلي ، ذلك أن تجاهل حالات الانفلات من الضوابط الأخلاقية شيئا فشيئا تنشيء جيلا معاديا لها ومع الوقت تصبح هذه الأجيال معاول هدم للحضارات وتخريب للمكتسبات والمنجزات .

 

ولئن كان هذا الأمر على قدر من الوضوح والتسليم ، فلمَ إذاً نشهد ردة في الكثير من الجوانب الأخلاقية وضمورا حادا إن لم يكن انقلابا كونيا في القيم والمباديء الإنسانية بل وتكريسا لثقافة اعوجاج نمطي في السلوك إجمالا ، وكأن الممارسات المثالية وحالات الاعتدال في أنماط السلوك والرقي بها يتم تجهيزها لفراق أبدي ولتصبح تراثا تردده الأجيال القادمة حتما مقضيا .

 

لا ريب أن لذلك عوامل عدة يضيق المقام في هذه العجالة على استحضارها كافة ، ولكن منها على سبيل المثال :-

 

  1. تراجع هيبة الوازع النفسي تجاه المحاذير الشرعية وهذه إحدى أهم المحاور التي ساهمت بشكل مباشر في تشكل وعي جمعي مناهض للموجهات الدينية تجاه الضبط الأخلاقي لأنماط السلوك ، ذلك أن الإطار الديني إنما يوحد الموجودات في التوجه إلى موجود متصرف ومالك للملك والملكوت وذلك في سياق مفاهيمي ثابت ، الجماعة فيه أهم ملامحه .

 

والحاجة إلى الضوابط الدينية حاجة إنسانية ملحة يؤكد عليها الجميع حتى عند معتنقي الفكر الإلحادي في تفسيرهم لمفهوم الدين والذين يعتقدون بإنسانية الدين بدل ألوهيته فهؤلاء رغم انحرافهم في تحديد مصدر التشريع ورفضهم لمبدأ الاعتقاد الفطري في النفس البشرية لفكرة التوحيد الألوهي ، إلا أنهم يعتبرون الدين (الإنساني) ضرورة تستلزمها حالات التطور الإنساني نحو كمال وجودي سرمدي .

 

فلئن كان غير المسلمين ينظرون إلى الدين نظرة حتمية باعتباره أحد أبرز الموجهات للبشرية تجاه الصلاح والاستقامة ، فالأحرى بأهل الإسلام أن تكون نظرتهم إلى دينهم أكثر حتمية واعتباره المرجع الأوحد في استخلاص قيم وأسباب البقاء ” إن الدين عند الله الإسلام ” فالإسلام عندئذ دستور هذه الأمة ومخالفة نصوص هذا الدستور والتعدي على حدوده إيذان بتضاؤل فرص الوجود الخيري والتفاضلي مع بقية الأمم ” ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون” .

 

  1. خروج بعض المسلمات اليقينية عن دائرة القداسة إلى دائرة المسموحات جدليا ، وهذا قد يكون أمرا محمودا في ظاهره إن أمكن ضبط مساراته في طرق آمنة عن مزالق الهوى وآفات النفس المدوية وكان متأسساً على قواعد تأصيلية مكينة تضمن سلامة الثوابت والكليات ، لكن الواقع القاتم اليوم يشير إلى حصول انزياح واسع النطاق في العديد من المفاهيم الدينية كأثر للسجالات غير المتكافئة فكريا من جهة ولكون قدرة المتلقي في تحليل نتائج تلك السجالات حبيس حدوده الذهنية من جهة أخرى ، ذلك أن السجال الفكري المتزن غاية تنشدها العقول المتعطشة إلى مزيد من حالات السمو المعرفي ، ففي الوقت الذي ظل يعتقد فيه الباحث أنه ينطلق بنشاطه الفكري نحو فضاءات الحرية في التعبير والبحث العلمي والتنقيب باعتبار ذلك أحد ملامح العالم المعاصر كأقل تقدير إن لم يكن سمة ملازمة للحضارات عموما عبر عصور متراخية ، إذا بالآخر يجد في ذلك مروقا عن الدين وخروجا عن الجماعة وحربا عليها ، نتيجة لقصر فهم موضوع المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية وعدم وضوح العلامات الفارقة بين الكليات والجزئيات وبين الأصول والفروع وغير ذلك من ضروريات الوعي الديني عند الحاجة لتبنّي الأحكام تجاه الآخرين .

 

وقد أدى انزياح تلك النماذج المفاهيمية في بعض الأدمغة إلى حدوث فراغ أيديولوجي ، ومن الطبيعي بعدئذ أن تصبح متقبلة لمفاهيم أخرى وراضية بقيم جديدة آخذة بالعديد من الأنماط السلوكية وآليات التفكير، وبالتالي تذكية المحور الأول بشكل غير مباشر ، كما دفع ذلك بأصحاب العقائد النضالية إلى الدخول في منازلات فكرية متتالية عجّلت بتشكل ظاهرة إنسانية تائهة عن مرجعياتها الأصلية وبالتالي انقطاعها عن المغذيات الاجتماعية للبناء النفسي والروحي .

 

  1. نكوص في القيمة العملية لدلالات القيم والآداب واقتصار وجودها في الجوانب التنظيرية فحسب ، من ذلك الندية المخزية بين بعض أفراد المجتمع دون اعتبار لفارق السن فالشيخ المسنّ لم يعد شيخا أمام الفتى اليافع ، وفقد ذلك الشيخ هيبته الاعتبارية التي كانت في وقت من الأوقات موجها تربويا شريكا للأسرة وحصنا منيعا له ، ولم يعد يعني الفتاة وجود عين قارئة لسلوكها المنحرف وهي تترجل من سيارة عشيقها أو تدخل شقة لتتمرغ في أوحال الرذيلة فضلا عن تحرر خادش للحياء في الملبس والسلوك ، وقد أدى هذا التضخم في الاعوجاج القيمي لبعض الأفراد إلى غياب حالات الانسجام النفسي بين أطراف المجتمع وترهل النسيج الاجتماعي وتفكك الجماعة كنتيجة طبيعية لتعطيل مولدات تلك القيم في الذهنية الجمعية ، كما أدى في الوقت ذاته إلى تراجع معدلات الرقابة الاجتماعية على سلوك الفرد في مجتمعه بشكل عام وفي إطاره الأسري بشكل خاص ، فأصبح الوعي بالواجبات والمسؤوليات وعيا فرديا أكثر منه وعيا جماعيا ولا ريب أن قدرة الفرد على التماسك والصمود أمام رياح الحياة أقل كفاءة من قدرة الجماعة في ذلك ، علما بأن الدلالة الفردية هنا لا تعني بالضرورة ذات الفرد فهي قد تكون تكتلات تتجاوز الفردية لكنها تكتلات دون مستوى الجماعات المستهدفة .

 

لقد أصبح الشيخ المسنّ رمزا للماضوية المهترئة وخصما للحاضر المعاصر الذي بدأت تتجذر فيه العديد من الأعراف والمفاهيم العرجاء وذلك بحجة التحرر من سطوة الماضي التقليدي ، ولعمري لئن كانت الحكمة تقضي برسم مسارات السير الآمنة اليوم ليكون تنفيذها غداً ، فأين الإشكال في أن يكون اليوم تنفيذاً لما تم رسمه بالأمس ما لم يتعارض ذلك مع الثوابت والكليات .

 

  1. وأخيرا ، تمييع للواجبات والمسؤوليات الأدبية والقانونية تجاه المخالفات الأخلاقية ساهم بشكل كبير في اتساع نطاق الظاهرة ، فضلا عن المغالطات القانونية والتناقضات البينة في السير الإجرائي والتفسير للنصوص ففي الوقت الذي تكون فيه المرجعية للإسلام وهو وحدة كلية ، إذا بالإجراء يفارقه في أعز نصوصه الصريحة جاعلا منها مطية تعلوها الأنظمة الوضعية لضبط الأنماط السلوكية ، وهذا التجاهل المتعمد كما يبدو لتطلعات المجتمع المسلم تجاه تصحيح تلك الأنماط من السلوك المنحرف والخادش للحياء إنما هو بذور فرقة وانشطار في وحدة المجتمع تجاه تحقيق تنمية مستدامة ، إذ لا يمكن تحقيق تنمية فعلية إلا من خلال مجتمع متماسك تجاه تحديات النجاح وهذه التحديات متباينة متعددة متفاوتة في درجات الخطورة ليس انتشار الأوبئة القاتلة وما يستتبعها من تداعيات تنموية واقتصادية عديدة إلا مثالا واحدا عليها .

 

إن القيم الاستدراكية التصحيحية والأعراف التي جبلت عليها مجتمعاتنا بحاجة اليوم للبعث من جديد أكثر من حاجتها للبحث ، فالبعث لا البحث هو ما نتطلع إليه اليوم ونحن نشهد حالة تداعي مخزية لقيمنا العربية والإسلامية وتفكيك لمكونات الهوية التي ظللنا سائر الدهر دعاة العالمين إليها .

 

 

0 1355 30 يناير, 2013 العدد الثالث والثلاثون, ثقافة وفكر يناير 30, 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.