الليبرالية والإسلام (5/4)

لـ

soltaniyeh_interiors

الليبرالية والإسلام (5/4)


مبدأ التعاقد بين الديني والليبرالي

د. زكريا بن خليفة المحرمي

يقوم مبدأ التعاقد الليبرالي على التعاون بين طرفين لتحقيق مصلحة ما. الدين كذلك يؤسس لمبدأ التعاقد والتعاون بين الأطراف لتحقيق مصالحها، بيد أن مبدأ التعاقد في الدين محكوم بأطر الشريعة وأحكامها، بينما الأمر مختلف مع الليبرالية حيث التعاقدات أقوى أحيانا من القوانين والقيم والأخلاق.

فحسب الفلسفة الليبرالية فإن العقد ملزم للأطراف، وليس للدولة سوى احترام هذا العقد وعدم التدخل في بنوده. الفارق الأساس بين العقد في التصورين الديني والليبرالي هو أن التصور الديني قائم على اعتبار أحكام الشريعة في تأسيس العقود، بينما التعاقد في التصور الليبرالي لا يلتزم بأية اعتبارات قيمية سوى ما اتفق عليه أطراف العقد، بل أن التصور القيمي والأخلاقي لليبرالية قائم على مبدأ احترام العقود والالتزام بها، بحيث يصير العقد ذاته -ولا شيء سواه- مقدساً ولا يجوز المساس به. تسري علاقة التعاقد في التصور الليبرالي على جميع نواحي التفاعل البشري، بداية من الأسرة مرورا بالسوق والمجتمع وانتهاء بالدولة.

الدين أيضاً يشكل التعاقد بالنسبة إليه أساس التفاعل الإنساني والاجتماعي بداية من الأسرة وانتهاء بالدولة، مع فارق جوهري يتمثل في ضبط الدين جميع أنواع هذه التعاقدات وفق منظومة قيم أخلاقية وأحكام قانونية مقدسة لا يجوز لأحد الأطراف ولا لكليهما تجاوزها، بينما القدسية تتنزل في حالة التعاقد الليبرالي على رغبة المتعاقدين وليس على منظومة القيم الأخلاقية للمجتمع.

يظهر جلياً أن فلسفة التعاقد الديني والليبرالي يتمايز كل منهما عن الآخر بالقدر الذي يشتركان في الاحتفاء بمبدأ التعاقد، الدين يجعل منظومة القيم الأخلاقية وأحكام الشريعة حاكمة على العقد والليبرالية تجعل العقد مقدسا طاغيا على جميع المنظومات سواء أكانت دينية أم اجتماعية. أهم ميزة لهذا الطغيان المقدس لروح التعاقد الليبرالي على جميع المنظومات والأعراف والقوانين هو تأكيد استقلالية الفرد وحرية الاختيار. بيد أن هذه النزعة الفردانية الطاغية ليست محصنة ضد التوحش واستغلال حاجات الضعفاء، فكثير من العقود المقدسة في الاعتبار الليبرالي أطرافها غير متكافئة لا في التفكير ولا في القدرة والتأثير، فتأثير العامل البسيط اتجاه الشركات العملاقة ليس هو ذاته تأثير شركات عملاقة أخرى اتجاه بعضها بعضا، فلهذا يمكن أن تنحاز بنود العقد بين العامل البسيط وبين الشركة في اتجاه الثانية، بينما الأمر قد لا يكون كذلك بين الشركة وشركة مساوية لها، والعامل في النهاية ملزم ببنود العقد دون نظر إلى منظومة قيم أو أحكام شرعية، بينما كفل الدين في منظومة أحكامه حقوقاً للعامل وامتيازات تحصنه من استغلال أصحاب الشركات والمؤسسات الجشعة.

هناك انتقادات أخرى تم توجيهها إلى مبدأ التعاقد الليبرالي، منها إن مبادئ الليبرالية القائمة على تنمية النزعة الفردية وتأصيلها لمركزية الفرد، وأن حرية الاختيار والعلاقات التعاقدية القائمة على المصلحة تُغفل اعتماد الفرد على غيره في جميع مراحل الحياة، فالإنسان لا يكون مستقلا قادرا على التعاقد إلا في فترة وجيزة من حياته بين العشرين والستين من العمر أما قبل ذلك وبعد ذلك فهو لا يستطيع في أغلب الأحيان العيش دون اعتماد على الآخرين، وحتى في سنوات الشباب لا يخلو الإنسان من حالات مرض وضعف ووهن يحتاج فيها إلى رعاية الآخرين.

كما أن تبسيط العلاقة بين الأفراد واختزالها في التعاقد بين شخصين حرّين على أن يحقق أحدهما مصلحة للآخر تؤدي إلى نزع القيم الإنسانية العظمى كقيمة الأمومة والأبوة، فعلى سبيل المثال إن رُزق الأبوان بمجموعة أولاد فإنه وبحسب النظرية التعاقدية ليس الأبوان مضطران لتقديم نفس العناية والحنان إلى جميع الأبناء وإنما يكفيهما تقديم ذلك إلى الأطفال الذين يظنون أنهما سيقومان برعايتهما مستقبلا حين يصلا إلى سن العجز والحاجة إلى الرعاية، فالعلاقة بين الآباء والأبناء ليست سوى علاقة (تعاون فقط عندما تعمل شروط التعاون على تحقيق أهداف كل من أطراف العلاقة) حسب القاعدة الليبرالية، وهدف الآباء الذي تحدده مصلحتهم التعاقدية وفق النظرة الليبرالية هو تربية أبناء كي يقوموا برعايتهم لاحقاً! أما الدين فإن منظومته القيمية منتصبة على أساس مبدأ التراحم والتكافل الأسري والمساواة بين الأبناء صغارا وكبارا.

والأمر ذاته ينسحب على العلاقة بين الزوج وزوجه، فكلاهما يتعاقد حسب النظرية الليبرالية على تحقيق مصلحة الطرف الآخر، وذلك لا يكون وفق قيم وتقاليد المجتمع وإنما بناء على مبدأ حرية الطرفين ورغبتهما في تحقيق مصالح مشتركة كالسكنى والإنجاب. بيد أن هذه النظرية لا تمنع أن يقوم أي طرف منهما بإقامة علاقة خارج إطار الزوجية إن لم يكن في ذلك إضرار بمصلحة الطرف الآخر، سواء أكانت هذه العلاقة سريّة أو علنية. ذلك أن الجنس في العرف غير المتدين كما يقول ميرسيا إلياده ليس سوى “عملا فيسيولوجيا، وهو لا يزيد عن أن يكون عملاً عضوياً مهما بلغ عدد المحرمات التي ما تزال تكتنفه، بينما هو في نظر المتدين سر مقدس أو اتحاد بالمقدس”اهـ. أما الدين فقد حصن العلاقة الزوجية بسياج من القدسية في إطار منظومة من القيم الأخلاقية العليا مثل المودة والرحمة والأمانة والإخلاص وتحصين الفرج وحدّ الزنا.

الصداقة حسب نظرية التعاقد الليبرالية هي علاقة تعاقدية يحقق كل طرف فيها مصلحة للطرف الآخر، وهذا الطرح يسقط الارتباط مع الضعفاء والفقراء والمرضى وأصحاب العاهات فهم غير قادرين على تحقيق أية مصلحة حتى لأنفسهم فكيف بغيرهم، بينما ينظر الدين إلى الصداقة باعتبارها قيمة إنسانية قائمة على الحب والتعاون والتضحية والوفاء بعيدا عن المصالح المجردة.

قيمة الوطنية ليست حاضرة في التعاقد الليبرالي القائم على تحقيق مصالح الأطراف المتعاقدين، فالفرد حين يجد مصلحته مع دولة أخرى غير وطنه فعلاقته مع الوطن تطلق طلاقا بائنا، بل قد تستدعي مصلحته الجديدة مع الدولة الأخرى خيانة الوطن ونقل أسراره. أما الدين فإنه ينظر إلى المكان (الوطن) باعتباره مقدسا، وأن كل اعتداء عليه هو اعتداء على مقدس، بيد أن ذلك لا يجرد الأديان أحياناً من وزر خيانة الأوطان لصالح دول يظنها المؤمنون أكثر تمثيلاً للمقدس من الدول التي ينتمون إليها. الإسلام ضبط مسألة الولاء للوطن أو لغيره وفق قواعد العدالة ورفع الظلم وعدم الاعتداء، وعدم تضييع حقوق الناس، فإن تحققت هذه القواعد اعتبر الولاء لغير الوطن خيانة، وإن فقدت هذه الشروط فإن الولاء لغير الوطن إنما يكون مشروطاً بهدف وحيد وهو تحقيق تلك القواعد، وحين تتحقق تلك القواعد مجددا صار الولاء لغير الوطن خيانة للمقدس.

أما في إطار علاقات الدول ببعضها فإننا نرى كيف أدى عدم الندية بين أطراف التعاقدات الدولية إلى ابتلاع القوي للضعيف كما حصل أيام حقبة الاستعمار وكما هو حاصل الآن من احتلال الدول القوية للدول الضعيفة وتدخلها في شؤونها الداخلية واستغلالها لمواردها دون قدرة للطرف الضعيف على الاعتراض بسبب عدم كفاءته ليكوّن علاقة ندّية مع الطرف القوي.

0 1276 21 فبراير, 2010 العدد الأول, ثقافة وفكر فبراير 21, 2010