هل سيد قطب أباضي ؟!!!!

Avatar
كتب بواسطة سليمان المعمري

غلاف الرواية 1

فصل من رواية “الذي لا يحب جمال عبدالناصر” الصادرة حديثا عن دار الانتشار العربي ببيروت

 

 

أنا أقرب موظفي الجريدة إلى بسيوني سلطان وأكثرهم تفهماً لنفسيته .. وأشد ما يحزنني هذه الأيام أنني لم أعد أسمع تعليقاته على الملحق الديني بعد أن اعتدتُ عليها .. نعم .. اعتدتُ عليها وأصبحتْ جزءاً حيويا من عملي رغم أني لا أستفيد من معظمها .. بسيوني أخ عزيز .. وله جوانب مشرقة لا تنسى .. أسأل الله العلي القدير أن يشفيه ويخرجه من المستشفى بخير .. أذكر أول يوم التقيته في الجريدة قبل خمس سنوات .. كان ذلك في بدايات عام 2007 ، بعد نحو عدة أشهر من توظفي في جريدة “المساء” .. تحدثنا طويلا ، وعرفتُ أنه حافظ للقرآن وأنه خريج الأزهر الشريف.. وعندما أَمَّنا في صلاة المغرب بكى بصوته الرقيق .. أذكر يومها أنني قلتُ له : “إن في تدينك يا شيخ رقة تذكرني بما قرأته عن رقة سيدنا عثمان بن عفان”.. كان زميلنا الصحفي سالم الخنصوري – رئيس قسم المحليات – ينظر إلينا ويبتسم .. لاحقا فقط سأعرف أنها ابتسامة سخرية .. فمع مرور الوقت اكتشفتُ أن دمعة بسيوني متأهبة للنزول لأتفه سبب، حتى إنه مرة بكى لأنني أخبرتُه أن زميلتنا شمسة رغم سنواتها الخمس والأربعين غير متزوجة !.. يتهيأ لي أن بكاء بسيوني هو بكاء على نفسه قبل أن يكون على الآخرين ، لذا فان تفننه في ابتكار أسباب البكاء هي طريقته في التنفيس .. أذكر ذات مساء أن التليفزيون المعلق في ميدان التحرير كان يعرض مسلسلا مصريا .. كلا ، ليست زلة لسان .. ثمة “ميدان تحرير” في عُمان مثلما هناك “ميدان تحرير” في مصر .. إنها صالة التحرير في جريدة المساء ، أطلق عليها موظفو الجريدة “ميدان التحرير” تيمناً بثورة 25 يناير المصرية التي كنا نتابع أحداثها من قناة الجزيرة في تلك الصالة ، هذا طبعاً بدون علم الأستاذ مرهون البطاشي رئيس التحرير ، لأنه بكل تأكيد لم يكن ليسمح بذلك .. أقول إن التليفزيون المعلق في ميدان التحرير كان يعرض مسلسلا مصريا .. كان بسيوني يحملق في المسلسل ودموعه تسيح بغزارة .. سألته : أيش اللي يبكيك يا شيخ محمد ؟ .. قال وهو يمسح دموعه: “الكلب ابن الكلب مش راضي يخرج من الشقة .. قال أيه لأنه مستأجر ، والقانون مع المستأجر” ، قال زميله المصحح العماني مبارك المقبالي الذي كان يتابع المسلسل أيضا : “من حقه ما يطلع .. صاحب الشقة طماع ومصرّ يزيد الإيجار عليه خمسة أضعاف !”.. هنا هاج بسيوني وصرخ بانفعال: “اخرس انته . وما تحشرش نفسك بين المصريين .. الكلب ده مش عاوز يخرج من الشقة لأنه مستقوي بقانون اللي ما يتسماش الله لا يرحمه” .. سكت المقبالي ونكس رأسه ، كعادته عندما يتعرض للسان بسيوني السليط .. لكن سالم الخنصوري دخل الصالة في اللحظة غير المناسبة ليكهرب الأجواء وينتقم لمبارك : “هذا اللي تسميه ما يتسماش هو فخر الأمة العربية “، انفعل بسيوني وبدأ يرتعش وهو يصرخ موجهاً كلامه لسالم: “الله يلعنه ويلعن اللي يحبه”.. هنا أخذتُ سالم من يده وطلبتُ منه أن يغادر.. وقلتُ لبسيوني محاولا تهدئته : “أيش رايك نروح نعمل شاي في مطبخ التحرير”

في اليوم التالي لهذه الحادثة كنتُ في مكتبي عندما سمعتُ صراخ بسيوني الشديد فخرجتُ مسرعاً لميدان التحرير ، لأسمعه يشتم ويلعن ويهدد : “وديني لنا مفنشه من هنا ” ، سألته : “خير يا شيخ محمد ، شو صاير ؟ ” فردّ بغضب والبصاق يتطاير من فمه : ” الكلب اللي ما يتسماش حاطط لي صورة اللي ما يتسماش في دُرجي” ، لم أكن بحاجة لكبير ذكاء لفك شفرة هذا اللغز ، فـ”اللي ما يتسماش” الأول هو سالم الخنصوري الذي وضع له صورة “اللي ما يتسماش” الثاني جمال عبدالناصر وهو يرفع يديه مبتسماً ومسلماً على الجماهير ، وتحت الصورة تعليق بالبنط العريض : “حبيب الملايين” .. سالم الخنصوري صحفي موهوب ، وقدم للجريدة العديد من السبوقات الصحفية ، ورئيس التحرير يثق فيه ويوكل له العديد من المهام الصعبة ، لكن لديه للأسف نزعة غريبة للانتقام ممن يسيء له باستفزازه حتى يفقد أعصابه ، يعزو صديقه حسن العامري – رئيس القسم الثقافي – ذلك مازحاً إلى أن والد الخنصوري نسي أن يؤذن في أذنه وهو رضيع !! .. تعرفتُ على سالم هذا للمرة الأولى عام 2005 ولم أكن بعدُ تقاعدتُ من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية .. بتعبير أدق : تعرفتُ على اسمه في تغطيته لأخبار قضية الاعتقالات التي كنتُ أحد أطرافها .. كانت جريدتا المساء والشبيبة الوحيدتين اللتين غطّيتا قضية ما سُمّي بالتنظيم السري المحظور ، وقد لاحظتُ أن المساء كانت أكثر مهنية في تغطيتها ، ولم تكن متبنية صف الحكومة كما ظهر لدى الجريدة الأخرى، ولم تنسب لنا نحن المتهمين أقوالاً لم نقلها.. وهذا ما شجعني لاحقاً على الانضمام إليها بعد خروجي من السجن .. بالمناسبة سأبوح بسر صغير : قبل حوالي شهر اتصل بي رجل قال انه من القسم الخاص بالشرطة ،  وطلب مني الحضور ولم يخبرني السبب .. شعرتُ بالقلق والخوف، وطَفَتْ على سطح ذاكرتي تلك الليلة المشؤومة التي لن أنساها أبداً عندما طوق الأمن حارتي الواقعة في ولاية نزوى بأكملها للقبض عليّ.. أخبرتُ زوجتي بالأمر وأوصيتُها بالأولاد خيراً وأعطيتها بطاقة بنك مسقط ورقمها السري لتصرف منها في غيابي ، بل وحملتُ معي أيضا دواء السكري .. حاولتْ المسكينة طَمْأنتي بأنه لا داعي للقلق بما أنه مجرد استدعاء بالهاتف ولكني أصررتُ على أن الاحتياط واجب ، والذي لدغته الأفعى يخاف من الحبل .. قلتُ لها بالحرف : “في تلك الأيام لم يكن هناك ربيع عربي ولا ثورات ولا مظاهرات ولا اعتصامات واتهموني بمحاولة قلب نظام الحكم ، فكيف اليوم وأخبار الربيع العربي تهز العالم “! .. فردتْ ساخرة : ” والله لو كانوا يريدونك لموضوع فيه شر كانوا بيجوا يشلونك في جونية كما معتصمين صحار، ما بيتصلوبك بالتليفون تعال تفضل اقرب حيتنا” .. وصدَقَتْ مريم، فقد اكتشفتُ أن الأمر يتعلق ببسيوني سلطان ، هذا الرجل الذي تتحول قصة غيبوبته يوما بعد يوم إلى لغز محيّر .. أكاد أكون متيقناً أن الذي وضع باقة الورد في المستشفى هو نفسه الذي انتحل شخصية عبدالناصر ودق عليه باب شقته .. لا يعقل طبعاً أن يكون سالم الخنصوري .. لا أحد يعرف أين يسكن بسيوني إلاي والسيدة زينب العجمي ، ونحن أقرب اثنين إليه ، ولا يمكن أن نذكر اسم عبد الناصر أمامه ناهيك عن انتحال شخصيته .. صحيح أن سالم لا يخلو من مكر ولديه كما أخبرتكم نزعة غريبة للانتقام ممن يسيء له باستفزازه حتى يفقد أعصابه ، ولكني أعرفه جيدا : لا يمكن أن يذهب إلى أبعد من الاستفزاز اللفظي .. وما أسهل أن تستفز بسيوني .. فبعد حادثة وضعه صورة عبدالناصر في درج بسيوني بيوم كان الجميع متحلقين أمام شاشة الجزيرة يستمعون باهتمام لخطاب الرئيس بشار الأسد أمام مجلس الشعب السوري .. كان محررو وموظفو الجريدة نسخة مصغرة من الأمة العربية في انقسامها وتشرذمها وعدم اتفاقها على شيء : فنصفهم كان مثلي مع الثورة السورية بوصفها امتداداً للربيع العربي ، والنصف الآخر مع بشار على اعتبار أن بلاده تتعرض لمؤامرة كونية تستهدف ما تبقى من حصون المقاومة والممانعة العربية ، والتي تبدو سوريا حاملة لوائها.. استغل الخنصوري صمت الحضور وقال بصوت عال وبنبرة أقرب إلى التمثيل وكأنه يتعمد أن يُسْمِع صوته بسيوني : ” قال عصابات مسلحة قال .. والله لو كان الزعيم الخالد جمال عبدالناصر عايش ما كانت هذي حالتنا “، لم يكد الخنصوري ينهي جملته حتى تزلزلت القاعة بصرخة بسيوني الهادرة : “الله يلعنه ويلعنك ، يا شيوعي يا سافل “، وهبَّ ناحية سالم ليضربه لولا تدخل الزملاء الذين فصلوا بينهما .. ومنذ ذلك اليوم بدأت قطيعة شديدة بين الرجلين ، خاصة بعد أن اكتشف الخنصوري وهو ذاهب لرئيس التحرير لتقديم شكواه بأن بسيوني سبقه متهما إياه بمحاولة التعدي عليه ! ..

مع مرور الوقت عرف الجميع – وليس فقط سالم – نقطة ضعف بسيوني .. ولأنه من ذلك النوع من البشر الذي – رغم ما يبدو من تدينه الواضح – لا يجيد الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع الناس فقد عمد كثيرون لاستفزازه بنفس الطريقة ، إما بالزج باسم جمال عبد الناصر في حواراتهم ، وإما بوضع أوراق مطبوعة عن هذا الزعيم على طاولة مكتبه بحجة الحاجة إلى تدقيقها لغويا ، ووصل بهم الأمر أن وضعوا له مرة فوق مكتبه صورة لعبدالناصر ومعه الثائر العالمي تشي جيفارا يقول التعليق الذي كُتِبَ تحتها أنها “التُقِطَتْ في قرية كمشيش المصرية مسقط رأس الأستاذ بسيوني سلطان” ! ، والغريب أنه اتضح لي فيما بعد أن هذه المعلومة صحيحة! .. وفي كل مرة كان بسيوني يخرج عن طوره ويشتم الجميع ثم يتهم الخنصوري بتدبير المكيدة ويشكوه لرئيس التحرير ، وسالم لم يكن ينفي التهمة لأنه يُسعده أن يرى بسيوني غاضبا ومُستَفَزَّا .. واضطر بسيوني في النهاية للهرب من مكتبه الواسع ، وذهب إلى مخزن صغير ضيق بعيد قليلاً عن ميدان التحرير واتخذه مكتبا ، وهو المكتب الذي أطلق عليه حسن العامري فيما بعد : “القن”! .

الآن بعد حوالي شهرين من غيبوبة بسيوني أتساءل: لماذا استدعاني القسم الخاص ؟! ؟؟ ولماذا هو بالذات من يحقق في هذا الأمر وليس الشرطة العادية ؟! .. ألأن القضية ورد فيها اسم جمال عبدالناصر ؟! .. هل أصبحت قضية أمن دولة كقضية تنظيم 2005 ؟! .. “التحضير لقلب نظام الحكم بقوة السلاح لإقامة نظام حكم الإمامة”، والله أنني أضحك داخلي بمرارة كلما تذكرتُ هذه التهمة .. أنا الإنسان البسيط المسالم الذي لا أذكر يوما أنني سببتُ أحداً مجرد سِباب صرتُ الآن أخطط لقلب نظام الحكم ؟! .. قسماً بالله أنني بريء من هذه التهمة الشنيعة ، وكدتُ أن أقضي عشر سنين عجاف في السجن ظلماً لولا عفو صاحب الجلالة .. كل من يعرفني يعرف أنني إنسان بسيط ، كل تهمتي أنني متدين يطلق لحيته امتثالاً لسنة نبيه الكريم ويخلص لمذهبه الأباضي مثلما يخلص السنة والشيعة والوهابية لمذاهبهم .. هل الإخلاص للمذهب جريمة يعاقب عليها القانون ؟! .. هل عندما أنضم لمجموعة غير سياسية – ولا أقول تنظيما – لتعليم مبادئ مذهبنا للناشئة ورد الهجمات المسعورة التي تكال ضده من كل حدب وصوب أصبحتُ مجرماً خطيراً ؟! .. وهل وجود بندقية من نوع “سكتون” في بيتي أثناء تفتيشهم صار دليلاً ساطعاً ضدي ؟! .. هل سأقلب نظام الحكم بـ”سكتون”؟!! .. هل هناك عُماني واحد لا يوجد في بيته بندقية ؟! ..  ثم ألم يصرح يوسف بن علوي بالحرف أن ” القضية لا علاقة لها بالسياسة والإرهاب، وأن التنظيم السري لا يهدف إلى الإطاحة بنظام الحكم، وأن المعتقلين حلوا تنظيمهم قبل الاعتقالات بفترة” !! .. إن الأمر برمته ينطوي على سوء فهم ، تماما كما كان يحصل بيني وبين بسيوني أحياناً .. أنا يا سادة مواطن عُماني بسيط يمكن القول إنني ملتزم دينيا بلا إفراط ولا تفريط .. ولدتُ في قرية طيمسا بمدينة نزوى التاريخية عاصمة الثقافة الإسلامية لعام 2015 ، والتي نلقبها نحن العمانيين بـ “بيضة الإسلام” كما تعرفون ، لأب كان عالما من علماء المذهب الأباضي ، وقاضيا في عهد السلطان سعيد بن تيمور .. أدبني أبي فأحسن تأديبي ، وعلمني أن السير على طريق أهل الحق والاستقامة هو أنجح الطرق للسعادة في الحياة الدنيا قبل الآخرة .. لم يكن أبي متعصبا لمذهبه البتة بدليل أن أعز صديقين له كان أحدهما سني من شناص ، والآخر شيعي من مطرح ، هو بالمناسبة والد زميلتنا في الجريدة زينب العجمي .. كانت مكتبة أبي زاخرة بالكتب الدينية : تلقين الصبيان للسالمي ، صحيح الإمام الربيع بن حبيب ، صحيح البخاري ، “فقه السنة” للسيد سابق ، “الحلال والحرام في الإسلام” للشيخ القرضاوي ، “إسلام بلا مذاهب” لمصطفى الشكعة ، “بحار الأنوار ” للمجلسي ، و”الاستبصار” للشيخ الطوسي ، و”الكافي” للكليني .. قرأتُ هذه الكتب وغيرها وتشربتها ، وأصبحت لدي ثقافة لا بأس بها في تعاطي المذاهب المختلفة مع القضايا الفقهية .. في عام  1995 حدث لي موقف عجيب جعلني أتفكر فيه ملياً فيما بعد ، فقد كنتُ من ضمن موظفي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ( لم تكن شؤوناً “دينية” آنذاك ، لأن أحداث الحادي عشر من سبتمبر لم تحدث بعد ) الذين أنعم الله عليهم بالذهاب لأداء فريضة الحج ، وهناك – وبينما أنا أصلي تحت الحرم – أخذني من يدي رجل لحيتُه طويلة تصل إلى بطنه ويرتدي غترة حمراء وعقالاً وقال لي : “أنا أخوك في الله وأرجو أن تستمع لنصحي فاني لا أريد لك إلا الخير”  قلتُ : “تفضل” .. قال : “إني أنصحك بإتباع أهل السنة والجماعة والابتعاد عن هؤلاء الخوارج الضالين الذين يقولون بخلق القرآن والعياذ بالله” .. قلتُ له : “من تقصد بالخوارج؟” ، قال : “الأباضية” .. أنتم تعرفون أن هؤلاء بدأوا يتجرؤون علينا أكثر بعد فتوى بعض شيوخهم بتكفيرنا .. المهم أنني حاولتُ إقناعه أننا لسنا ضالين وأن اعتقادنا بخلق القرآن وخلود مرتكب الكبيرة في النار، وغيرها من المواضيع الخلافية لا يمكن أن يخرجنا من الملة .. كانت تلك المرة الأولى التي أتعرض فيها بشكل شخصي لتعصب مذهبي .. ولذا فإنه عندما جاءني رجل في أواخر عام 1997 وقال لي إنه مرسل من قبل فضيلة الشيخ مالك بن هلال العبيداني يدعوني لأن أكون عضوا في مجموعة دعوية ترسخ مبادئ المذهب لدى الناشئة وتشرح لهم تفاصيله فإنني لم أتردد في الموافقة لأني اعتبرت ذلك واجباً وطنياً ودينيا .. حدث بعد ذلك أنني حضرتُ بعض اجتماعات هذه المجموعة ، مرة في شقة الشيخ محمد ، ومرة ثانية في شقة الشيخ مبروك ، وثالثة في شقة الشيخ إبراهيم .. وكان من ضمن ما اتفقنا عليه تكثيف جرعة المحاضرات في المساجد بعد صلاتي العصر والمغرب، وتأسيس صندوق تبرعات خيري لصالح العمل الدعوي يضع فيه كل منا مبلغاً بسيطا من راتبه ( عشرة ريالات أو عشرون ، كل حسب استطاعته ) .. ثم سافرت لدراسة الماجستير في الأردن عام 1999 ، وعندما عدتُ عام 2001 رأيت كيف أن كثيرين من الجهلة والمتعصبين يهاجمون مذهبنا في مواقع الانترنت وينسبون إليه الكثير من الأكاذيب لتنفير الناس منه ، بل ويتطاولون على علمائه ، فساهمت بما آتاني الله من علم في الرد عليهم في مواقعهم تلك، وفي الموقع العُماني “سبلة العرب”، إضافة إلى مواصلتي بعض المحاضرات في هذا المسجد أو ذاك .. أما المجموعة فقد انقطعت علاقتي باجتماعاتها بعد سفري للأردن ولم أعد إليها بعد ذلك .. ذلك أن عدداً من مشايخ الأباضية المشهود لهم بالحكمة والتعقل أقنعونا بحل المجموعة لكي لا نثير مخاوف الحكومة خاصة أنها فتحتْ عينها أكثر على علماء الدين بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر .. ومضت أيامي بعد ذلك بشكل طبيعي حتى جاءت تلك الليلة المشهودة من عام 2005 عندما قُبِض عليَّ وعلى بعض المشايخ الآخرين في جنح الليل لنتهم بأننا نريد أن نقلب نظام الحكم ونعيد نظام الإمامة ، ويكون محور التحقيق معي ومع بعض زملائي علاقتنا بالشيخ خالد الخروصي الذي أكل الدود جثته منذ عدة سنوات ! .

لا أظنني سأكون مبالغاً الآن إذا قلتُ إن أسعد أيامي كانت تلك التي قضيتها في السجن ، كانت أشبه بفترة تعبّد أو اعتكاف في المسجد ، تحررتُ فيها من كل القيود والمشاغل الدنيوية من وظيفة وزوجة وأولاد ومشاكل عائلية وتفرغتُ فقط للصلاة والدعاء وقراءة القرآن ، وتأمل ذاتي من الداخل ، لم أكن يوما أقرب إلى الله من تلك الفترة .. لم يكن هذا شعوري وحدي بل معظم المشايخ الذين قبض عليهم معي وجُمِعنا جميعا في سجن الرميس .. مرة رأيتُ المرحوم أبي في المنام يطلب مني أن أصبر ، ويؤكد لي أن هذا ابتلاء من الله ليختبر إيماني .. ما يحز في النفس أننا كنا صفوة مثقفي المذهب ، وبعضنا درس في دول غربية ويعرف تماما أن إقامة إمامة على أنقاض حكومة قائمة ليس بهذه السهولة التي تَصَوَّرها من وجه لنا هذه التهمة الظالمة .. المهم أننا كنا أشبه بالعائلة الواحدة ، هذا يخفف عن ذاك ، وذاك يطمئن هذا أن الله لن يتخلى عنه .. كنا قلباً واحداً في أجساد كثيرة .. أما اليوم وقد فرج الله كربتنا وأزال غمنا فقد تفرقنا شذر مذر .. هل تصدقون أنني – بعد سبع سنوات من الإفراج – لم أرَ كثيرين ممن كانوا رفقاء السجن ولا مرة واحدة !! .. بعضهم تركت هذه المحنة ندوبها في روحه فصار يتحاشى كل مَنْ يذكره بها ! .. وبعضهم باع بيته في مسقط وقرر أن يعيش في مزرعته البعيدة معتزلاً الناس ومتفرغاً للعبادة .. ما زالت ذكرى فرحة الإفراج ماثلة أمام عيني وكأنها حدثت اليوم وليس منذ سبع سنوات .. جاءنا آمر السجن وطلب تبديل ملابس السجن بدشاديشنا العمانية وأخبرنا أن شخصية هامة في الدولة ستزورنا بعد قليل .. طفقنا نضرب أخماساً بأسداس ، بعضنا متوجس ، وبعضنا مستبشر خيرا .. قال الشيخ محمد وهو أحد المهتمين بعلوم الأسرار : “ألم أخبركم قبل يومين أنني سأصلي الجمعة القادمة في عبري؟! ” .. وكان بالفعل قد أخبرنا بذلك وطلب منا أن نستعد نحن أيضاً لأداء صلاة الجمعة القادمة في بلداننا ، وكنا بين مشاطِرٍ له في الأمل ، وساخر منه، ومشفق عليه لأن الحنين إلى البيت والأهل بلغ منه مبلغاً جعله ينسج قصصا خيالية من أحلام اليقظة .. وما هي إلا دقائق بعد أن تركنا آمر السجن حتى دخل علينا مفتش الشرطة السابق مالك بن سليمان المعمري بلباسه العسكري الكامل إذ أنه كان قادماً من المطار السلطاني مباشرة بعد أن شارك في استقبال جلالة السلطان القادم من زيارة لمصر والكويت ليبشرنا بخبر العفو السعيد وهو يقول إن أمثالنا من المشهود لهم بالأخلاق والعلم والفضل ليس مكانهم الحبس وراء الجدران .. والله إنني من سعادتي نسيتُ أنني صائم يومها وشربتُ ماء أبلُّ به ريقي.. كان ذلك يوماً سعيداً لا يُنسى .. ليس لنا نحن المسجونين فحسب بل لعائلاتنا ، لدرجة أن ابني جابر لم يصدق وظن الذين اتصلوا به من السجن يخبرونه بنبأ العفو السامي وأن عليه أن يأتي لأخذي ظنهم يدبرون له مقلبا ً.. وعندما التقيت وجابر وأمه كان عناق وزغاريد ودموع .. ولكن – وا أسفاه – انقلبت الآية بعد أن أفقتُ من سكرة الفرح .. فكما كانت أيام السجن أسعد أيام حياتي فقد كانت الأيام الأولى للإفراج هي أسوأ أيام حياتي على الإطلاق .. هل جربتم تلك النظرة المرتابة التي تخترقكم حد العظم وتقول لكم بكل وقاحة : “ما الذي كان ينقصكم لتخونوا الوطن أيها الأوغاد ! “.. أقسم أنني كنتُ أقرأ هذه النظرة في وجوه جميع زملائي في الوزارة ، لدرجة أنني قدمتُ طلب تقاعد من الخدمة مستغلاً مرور عشرين سنة على توظفي في وزارة الأوقاف .. وتطلب الأمر مني مقابلتين لسعادة الوكيل أولا ثم معالي الوزير لتتم الموافقة على طلبي .. قضيتُ بعدها سنة في بيتي في المعبيلة معتزلاً الناس ، ولم أذهب لطيمسا إلا في العيدين .. ثم قرأتُ بالصدفة إعلاناً في جريدة المساء يطلب رئيسا للقسم الديني ، بعد وفاة الرئيس السابق في حادث سير فتقدمتُ للوظيفة وقُبِلتُ بها .. أجمل ما في هذه الوظيفة أنها أبعدتْني عن محيطي السابق وأوجدتْ لي محيطاً جديداً معظمه لا يعرف شيئا عن خلفيتي السابقة ، ومن يعرف فانه يتحاشى ذكر ذلك أمامي لئلا يحرجني .. مرة واحدة فقط شن بسيوني سلطان أمامي هجوماً لاذعاً على أعضاء التنظيم – دون أن يعرف أنني أحد المتهمين بعضويته – مردداً نفس ترهات وزير الإعلام السابق بأننا “خفافيش الظلام” ، فرفعتُ صوتي عليه في ذلك اليوم كما لم أرفعه من قبل وطلبتُ منه ألا يدس أنفه في أمور وقضايا لا يفقهها ، ففغر فاه مستغرباً من دفاعي المستميت عن شرذمة كان كثير من العمانيين آنذاك يتلذذون بأكل لحومها ميتة .. أستطيع القول إنه رغم الكثير من الاختلافات في زوايا النظر إلى الدين والحياة والأشياء بيني وبين بسيوني والتي تصل أحيانا إلى أن يتحول نقاشنا الهادئ إلى صراخ، إلا أن شعرة معاوية بيننا لم تنقطع ، وأزعم أن لي دوراً في ذلك ، فعندما كنتُ ألاحظ تشنجه أثناء إصراره على إقناعي برأيه كنتُ أكتفي بهز رأسي علامة الموافقة وكأنني اقتنعت أخيرا ، علاوة على أنني من القلائل الذين يستمعون إليه بصبر حتى ينهي كلامه ، وأظنه بات يقدر ذلك ، فصار يبوح لي بكثير من أسراره الشخصية .. لكن هذا لن يمنعني أن أقول إن السنوات الخمس التي قضيتها بصحبته كافية لتجعلني أحكم عليه أنه متعصب .. ليس فقط لأفكاره ، بل حتى لمذهبه ، وان حاول إخفاء هذا التعصب .. وإلا فما معنى أن أدخل عليه “القن” في نهار الثلاثين من رمضان لأجده يأكل تفاحة ، وعندما سألته : “انته مش صايم يا شيخ ؟! ” أجاب : “الناس كلها شافت الهلال إلا انتوا يا العمانيين هلالكم ما هلش “، لم أرتح للهجته التهكمية تلك فقلتُ له : “احنا نتبع علم الفلك اللي ما يخطئ ، واللي يقول انه مستحيل نشوف هلال شوال في عُمان ف ليلة أمس ” .. ابتسم بسخرية وقال:.”أمال السعودية شافته ازاي ؟! “. قلتُ : “ما سمعت يا شيخ عن حاجة اسمها اختلاف المطالع؟! “.. رد بنفس الابتسامة الساخرة : “وهي مطالعكم لازم يعني تيجي مخالفة لإجماع المسلمين ؟! .. مش البحرين والإمارات والكويت وقطر عيّدت على السعودية ؟! .. وإلا انتو يعني على راسكم ريشة ؟!” .. كظمتُ غيظي وقلتُ : “كمل يا شيخ .. عمان والمغرب وباكستان وأندونيسيا وبنجلاديش ودول كثيرة ما عيدت مع السعودية .. وبعدين النبي قال : “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته” ما قال : “صوموا لرؤية السعودية وأفطروا لرؤيتها”، وهنا هتف كمن عثر في كلامي على لُقْية : “بص .. وقعت بلسانك .. النبي قال صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته .. ما قالش أعلنوا عن يوم العيد قبليها بعشرة أيام .. قال أيه .. الفلك قال !” ، قلتُ : “علم الفلك اليوم صار دقيق جدا يا بسيوني، ويمكن يحدد لك مش فقط هلال العيد ، بل حتى مواقيت الصلوات ، ومع ذلك احنا في عُمان ما أهملنا جانب الرؤية ، والقرار النهائي ما جاء إلا بعد اجتماع لجنة الرؤية قبل العيد بيوم” .. ولأنه لا يمكن لبسيوني سلطان أن يستسلم في نقاش جدلي كهذا فقد قال : “طب ممكن .. تفسّر لي حضرتك ازاي من تلات أربع سنين بس ، وبعدما أعلنتوا هلال ذي الحجة لوحديكم ، جيتوا بعد أربعة أيام وحولتوا تاريخكم على تقويم السعودية ؟!.. مش ده معناه اعتراف بالخطأ ؟!” ..

في هذه لم أستطع الرد .. فكيف لي أن أقنع بسيوني أن ذلك لم يكن اعترافاً بالخطأ بقدر ما هو التخبط بعينه ، فقد كانت عُمان على مدى تاريخها تتبع رؤيتها الخاصة للأهلة ، والناس راضون في ذلك ومقتنعون، فإذا بالدولة بعد ذلك تقرر أن تتبع تقويم أم القرى فجأة وتتخلى عن تقويمها، فقلنا لا بأس ، واستمر ذلك سنوات ورضي الناس وتعودوا، وفجأة إذا بها تقرر أن تعود إلى تقويمها مرة أخرى وتتخذ الحزم ضد كل من يخالف ذلك التقويم حتى وصل الأمر إلى تدخل الأمن، وقد أعطت الدولة كل ثقلها وراء الأمر وصدر بيان من مجلس الوزراء يؤكد صحة التقويم وصحة إتباع الحسابات الفلكية الدقيقة وركزت وسائل الإعلام العمانية على الإشادات العالمية للسلطنة في أسلوبها وإتباعها للنهج العلمي في إثبات الأهلة، وصدر بيان من مجلس الشورى يؤيد هذا الاتجاه، وظهر سماحة الشيخ المفتي في برنامج خاص قدمه الدكتور كهلان الخروصي باسم ” ويسألونك عن الأهلة “، وأعيدت الحلقة في الإذاعة والتلفزيون أكثر من مرة، وكأنّ الأمر انتهى ولا عودة فيه، وتقبل الناس الفكرة .. ولكن لم تكد تمر سنة واحدة إلا وتتراجع الدولة عن قرارها بطريقة غير مقنعة أبدا، إذ اجتمعت اللجنة ونُقِل الاجتماع على الهواء والكل قال ما عنده وصدر بيان بعدم ثبوت رؤية هلال ذي الحجة مثلما هو متوقع ورضي الناس بذلك ، فإذا بالعمانيين يتفاجأون بأن الدولة تُغيّر من تاريخها مرة أخرى وتتبع تقويم أم القرى بعد مرور أربعة أيام كاملة وكأننا كنا نشهد فصلا مسرحيا ونحن نتابع النقل التلفزيوني عن الأهلة، ولم نعد نعرف أين الخطأ هل في علمائنا أم في حكومتنا أم في علم الفلك نفسه !، وهل القرار سياسي أم ديني أم عاطفي! ..

تلك على كلٍّ كانت فرصة ذهبية لبسيوني لينفس عن تعصبه المذهبي ، تماما كما فعل ذات يوم منذ ثلاث سنوات عندما نشرتْ الجريدة في صفحتها الأخيرة خبرا عن جريمة قتل في الباطنة لأحد تجار الذهب بينما هو يصلي العصر .. كان بسيوني يقرأ لي الخبر وهو يردد بأسف : ” لا حول ولا قوة إلا بالله .. العمانيين بيقتّلوا في بعضيهم ! ” قلتُ معلقاً : “وأيش دراك أن القاتل عُماني إذا كان ما معروف لحد الحين ! .. وعموماً القتيل محظوظ أياً كان من قتله ، لأنه قُتِل وهو يصلي، إن شاء الله هو في الجنة ، أما القاتل ففي النار ” رد مباشرة بنبرة شبه ساخرة: “أيوة .. خالداً فيها أبداً زي ما بتقولوا انتوا الأباضية” .. قلتُ : “يا شيخ ، أيش دخل الاباضية الحين! .. أي واحد يقتل مسلم وهو يصلي ويموت القاتل من غير ما يتوب أيش تتوقع مصيره ؟! .. أكيد حيكون خالداً في النار ” رد بصرامة : “ما حدش يقدر يجزم بكده .. ده ربنا رحمته واسعة ” ، قلتُ : ” ونعم بالله ، بس من علامات رحمة ربنا بالقاتل انه يهديه للتوبة قبل ما يموت ، مش يموت وهو قاتل ومش تايب وبعدين يدخله الجنة! “.. قال بتهكم : “ده كلام الأباضية”.. شعرتُ بالغيظ الشديد فتلوتُ عليه بترتيل الآية 93 من سورة النساء : ” ومن يقتل مؤمناً متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ، وغضب الله عليه ولعنه ، وأعد له عذاباً عظيما”…ثم قلتُ : “هذا كلام ربنا ، مش كلام الأباضية” .. ثم توجهتُ إلى مكتبة الجريدة وفتحت المجلد الثاني من “في ظلال القرآن” وألقيت نظرة سريعة على تفسير هذه الآية .. وعدتُ إلى بسيوني وفي يدي الكتاب وسألته : : هل سيد قطب أباضي ؟! .. لم يرد ، وكأنه فهم مغزى سؤالي .. قرأتُ عليه ما كتبه قطب في تفسير تلك الآية : “… والحالة الرابعة هي القتل العمد . وهي التي يستبعد السياق القرآني وقوعها ابتداءً . فليس من شأنها أن تقع . إذ ليس في هذه الحياة الدنيا كلها ما يساوي دم مسلم يريقه مسلمٌ عمدا . وليس في ملابسات هذه الحياة الدنيا كلها ما من شأنه أن يوهن من علاقة المسلم بالمسلم إلى حد أن يقتله عمدا . وهذه العلاقة التي أنشأها الإسلام بين المسلم والمسلم من المتانة والعمق والضخامة والغلاوة والإعزاز بحيث لا يفترض الإسلام أن تخدش هذا الخدش الخطير أبدا ” ، إلى أن وصلتُ إلى قوله : ” إنها جريمة قتل لا لنفس فحسب – بغير حق – ولكنها كذلك جريمة قتل للوشيجة العزيزة الحبيبة الكريمة العظيمة , التي أنشأها الله بين المسلم والمسلم . إنها تنكر للإيمان ذاته وللعقيدة نفسها . ومن ثم قرنت بالشرك في مواضع كثيرة ; واتجه بعضهم – ومنهم ابن عباس – إلى أنه لا توبة منها”

لا أعرف إن كان بسيوني قد اقتنع بهذا التفسير أم لا ، ولكن ما أعرفه حقاً أن لديه عقدة خفية من الأباضية لا تظهر إلا في ساعات غضبه أو دخوله في نقاش حاد .. فمرة عاتبني  على استقدام المصحح التونسي عبدالمجيد أبو المقويات زاعماً أنه “جاهل” وله أخطاء فادحة في التصحيح ، متهماً إيانا نحن العمانيين أننا نجامل التونسيين لأنهم أباضية !.. ألم يجد سببا آخر لنجامل التونسيين غير هذا ؟! .. ثم إن عبدالمجيد هذا ليس أباضيا ، بل هو مالكي من بنزرت ، أما جزيرة جربة التي هي معقل الأباضية في تونس فان عبدالمجيد لم يزرها حسبما يقول سوى مرة واحدة في حياته في رحلة مدرسية عندما كان تلميذا .. كما أنه مثقف وضليع في اللغة أكثر من بسيوني .. ولكن الشيخ محمد يحقد عليه لأن أبا المقويات سريع العطب بعكس السوداني الحليم عثمان الميرغني .. وعندما يغضب عبدالمجيد فانه يكيل الصاع صاعين لبسيوني .. مرة كان أبو المقويات منتدباً للعمل كمصحح في مكتب الجريدة في صلالة ، فاتصل به بسيوني من مسقط ذات صباح وقال له بدون سلام ولا مقدمات : “انته ازاي بتغش الموظفين في الجريدة وتقدم لهم مقويات جنسية فالسو يا جاهل ؟!”.. لم يرد أبو المقوّيات ، بل أغلق الهاتف بسرعة، ولم يشاهد بسيوني احمرارَ وجهه من الغضب .. ولكنه فوجئ به في اليوم التالي يدخل ميدان التحرير ويمسكه من خناقه والشرر يتطاير من عينيه ، ولولا سترُ الله وتدخُّلُنا لِفضِّ الاشتباك لما كان بسيوني اليوم في غيبوبة ، لأنه سيكون قد ذهب إلى جوار ربه ! .. بصعوبة شديدة ترك عبدالمجيد خناق بسيوني وهو يردد : “رد بالك ..لا تدخّلْ ايدِك للمغَاغيرْ لا تلسعكْ لِحنوشهْ”.. علمنا بعد ذلك من مدير مكتب الجريدة في صلالة أن عبدالمجيد طلب في يوم الواقعة  – وبعد مكالمته مع بسيوني مباشرة – إجازة اضطرارية وخرج ليستقل باص النقل الوطني المتوجه من صلالة إلى مسقط ، متجشماً عناء رحلة استمرت اثنتي عشرة ساعة ، لا لشيء إلا لينتقم لكرامته التي أهدرها بسيوني كما يقول .. ويا لها من كرامة مهدورة أن تتهم أبا المقويات بأنه ليس أبا المقويات ولا أخاها ولا حتى ابن خالتها ! .. كلاهما – بسيوني وعبدالمجيد  – محظوظان برئيس التحرير الذي يحتاجهما كليهما ، الأول لتقوية ابنه دراسيا، والثاني لتقويته هو جنسيا .. ولذا فلم يتخذ ضدهما أي إجراء ، واكتفى بعقد جلسة مصالحة بينهما في مكتبه .. وعند استقصائنا فيما بعد لجذر المشكلة عرفنا من بدر الغداني مخرج الجريدة أن بسيوني كان ينصت باهتمام – رغم أنه كان يتصنع عكس ذلك –  لوصفة عبدالمجيد المقوية التي كان يسردها لبدر : ” عسل طبيعي مع المكسرات : لوز وفستق وبندق وجوز ، واكليل الجبل ، والمرقادوش ، وزيت الزيتون الطبيعي .. اخلطها مع بعض واشرب منها ثلاث ملاعق في الصباح يوميا لمدة 21 يوما  “.. يقول بدر إن الوصفة نجحت لديه ، ولكن يبدو أنها لم تصادف النجاح نفسه لدى بسيوني الذي تعرض بسبب بحثه عن المقويات الجنسية لأكثر من مقلب.. أحد أشهر هذه المقالب كان بعد أن علم عبدالمجيد أن بسيوني سلطان يُصغي باهتمام لوصفاته الجنسية التي يقدمها للزملاء ، وأحياناً يُخرِج ورقة خلسة ويسجلها .. ذات يوم وبعد أن خرج بسيوني من “قنّه” البعيد ليقدم الأوراق التي صححها للمحررين ، وما إن وصل إلى ميدان التحرير حتى انبرى سالم الخنصوري ليشكر أبا المقويات بصوت مسموع :

– أشكرك يا أستاذ عبدالمجيد على الوصفة الجميلة .. ها اليومين حاس إني مثل الحصان .

رد زروقي : “يعيّشك .. بس انتي واظب عليها، كل يوم قنينة في الصباح وقنينة في الليل ، وان شاء الله بش تصبحو كي البغل .

قال الخنصوري : “والجميل إنها متوفرة في كل بقالة ورخيصة .. مجرد ما قلت للبياع عطيني غرشة حلول عطاني ياها ف غمضة عين “

قال عبدالمجيد ” انتوا يا العمانيين أذكيا برشا .. سميتوها “حلول” لأن بيها كل الحلول”

في اليوم التالي غاب بسيوني عن الدوام على غير عادته ، وعندما حضر في اليوم الذي يليه عرفتُ منه أنه قضى يوماً كاملاً في حمام شقته في الحمرية ، يجاهد الإسهال الشديد الذي أصيب به بسبب شربه لقنينة المسهّل كاملة! .. ومع ذلك فهو لا ينفك يتباهى بقوته الجنسية وقدرته على الزواج من أربع دفعة واحدة ، عازياً ذلك إلى الثوم الذي يسميه أكبر فياجرا طبيعية في العالم .. أحيانا يراودني شعور – وأستغفر الله من سوء الظن – أن بسيوني يعيش مراهقة متأخرة ، فهو كثير السؤال عن الزميلات : “فلانة متجوزة ؟ ” ، “أمال فين فلانة اليوم ؟”، “ماله بطنها كبير كده ؟! هي حامل ولا أيه” ، بل انه كان يجد سعادته يوميا في إعداد الشاي لزميلتنا زينب العجمي، التي لعلها اطمأنت إليه لأنها كانت تظن اهتمامه بها أبوياً وهو الذي يكبرها بربع قرن على الأقل ، مع أنني لم أسمعه يوماً خلال هذه السنوات الخمس التي عاشرتُه فيها يخاطب أياً من الزميلات بكلمة “ابنتي” كما أفعل أنا .. مرة فتح لي بدون سابق مقدمات موضوع فحولته الجنسية الطافحة وبأنه يفكر أحيانا بالزواج على زوجته الحاجة .. “الآن يا شيخ يا محمد ؟! .. سبحان الذي يغير ولا يتغير ، قبل ثلاث سنوات فقط كنا نتجادل حول تعدد الزوجات” ، كان ضد هذا التعدد وأنه مضر بحياة الإنسان ، وكنت أرد عليه بكلام الشيخ سيد قطب رحمه الله إن الله لا يمكن أن يهب شيئا باليمين ليسحبه باليسار .. ولكنه مع الوقت ومع تقدم زوجته في السن وبلوغها السبعين ، واضطرارها لقضاء وقت طويل في مصر لتكون بالقرب من ابنتيه اللتين تدرسان في جامعة القاهرة ، باتت رغبته العارمة في الجنس تقض مضجعه ، خاصة وأن من كان متدينا مثله لا يمكن أن يقضي وطره بطريقة محرمة ، مرة قال لي : “عارف يا أستاذ داود .. أنا في مصر درّست ملكات جمال ، وكنت أوسم وأشيك مدرّس في المنطقة كلها ، والبنات كلهم بيتمنوا نظرة واحدة مني ، بس عمري ما فكرتش أزني بواحدة فيهم ، ومرة دعيت ربي وقلت : يا رب إن كنت كتبت علي أزني فخدني قبل لا أزني “.. قلتُ له “الشرع أحل الزواج لمن كان مثلك ” رد : “أيوة .. بس الحاجة ربنا يهديها حساسة قوي “.. قلتُ له مازحاً : “ليش ما تتزوج متعة ؟” ، رد منفعلا : “أنا ؟! .. أعوذ بالله .. ده زنا صريح ” . وبعد عدة أيام كان في قِنِّه يصحح بعض الأوراق ، وكان وجهه شاحبا ويبدو عليه الحزن .. سألتُه : “ما لك يا شيخ ؟ ” قال بصوت خفيض وهو يتلفت وراءه مخافة أن يسمعه أحد : “ابني مهدد بالسجن ، وأنا مهدد بعدم تجديد عقدي .. أنا عارف ، المشاكل ما تهلش عليّه إلا لما أكون مشتهي الستات قوي” ، قلتُ له مواسيا ” إن شاء الله ابنك بيطلع براءة ، ورئيس التحرير بيجدد عقدك مثل ما جدده السنة الماضية واللي قبليها ، هونها وتهون “، ثم لم أشأ أن أترك الطُعْم الذي رماه لي دون أن ألتقطه ، فسألتُه وأنا أضحك : “وانته يا شيخ مشتهي الستات قوي؟!” ، رد علي بسرعة : “آه ، ما أنا قلت لك .. ربنا وهبني قوة جنسية كبيرة تكفّي عشرة .. أعمل بيها أيه دي بدون ستات؟! ” ، صمت قليلا ثم أضاف : “امبارح رحت للأستاذ حسين الموسوي وسألته بالمفتشر كده : هل يجوز للسني أن يتزوج شيعية زواج متعة؟ ” . سألته : “وبأيش رد عليك ؟” .. قال بسيوني : “يا ريته ما ردش الشيعي ده .. قال أيه حلال عليهم همه، حرام علي أنا! ” ، قلتُ مستوضحاً : ((كيف؟ إذا كان ربنا يقول في كتابه العزيز : ” وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِين غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً” ، وهذي الآية مش الشيعة بس اللي فسروها بزواج المتعة ، بل حتى بعض السنة أيضا )) .. قال بسيوني : “ما أنا قلت له نفس كلامك ده ، واستشهدت بنفس الآية .. بس هو بيقول انه ما دام السني بيحرم أصلا زواج المتعة ويعتبره زنا فده معناه أن الشيعية كمان مش ممكن تحل له ، قال أيه الست على دين جوزها ، وقد يمنعها من التعبد بما تعتقد به في صلاتها وصومها وحجها وزكاتها وخمسها وغيرها من سائر العبادات والشعائر ، وعلشان كده يُمنع من أصله درءاً وسدّاً له ويحرم الإقدام عليه من كلا الطرفين .. أنا أمنعها تعبد ربنا ؟!.. تصور يا شيخ داود” ! ..

 

 

أدب العدد الخامس والثلاثون

عن الكاتب

Avatar

سليمان المعمري

اديب وكاتب