ميكانيكي فاشل مطلع السبعينيَّات (سِيرة مُستعادة من مُراهَقةِ السِّيرة)

لـ

في مُراهقتي المُبكِّرة انشغلتُ بأحشاءِ “لاندروڤرات” ذلك الزمان

(موديلات 1967 وما تلاها)…

بأحشائها اللغز تحت غطاء المُحرِّك، انشغلتُ

بنشاز سيمفونيَّة أسطواناتها الأربع، كما بعُيوبها الميكانيكيَّةِ

التي لا تنتهي في مسقط وكلكوتَّا وزنجبار

وبها عَرَبة تَرْبَعُ على أربع…

لأهتِف لنفسي حالِمًا ببراءةِ اختراع طفولة زمنٍ

كان على وشك الانسلاخ:

في المُستقبل سأصبحُ ميكانيكيًّا يُصلحُ في مُنفسَح “الجَرداء”

أعطال السَّيارات تحت سدرة “مقيحفة” قُبيل بلوغ حُلقوم “وادي العَقّ”

        الكؤود بسبب جلاميد امرئ القيس وأبي مُسلم البهلاني…

لنفسي هتفتُ حالمًا؛ بعد أن تسنَّت لي في مشقةِ رحلات شاحناتِ “البِدفورد” مُراقبة الميكانيكي حسُّون وهو يُفكِّكُ أحشاءَ سيَّارات ذلك الزمان قطعةً قطعةً بأدواته البسيطة في جراجه المُرتجَل تحت تلك السِّدرة حيث يعمل (بينما يَعبُّ من زجاجةٍ في جيب دشداشته سائلًا أوهمني أنهُ دواءٌ إنكليزيٌّ لكُحتَّهِ المُزمنة) بعيدًا عن عيون الأشياخ المُسافرين بطُررِ عمائمهم التي لم يَستجبْ حسُّون لندائها الخفاقِ برايةِ إمامةٍ اضمَحلَّت ولم يبق منها سوى صلواتٍ خمسٍ لم يألفها في غمرة انشغاله بإصلاح أكباد السيارات في تلك الظهيرات القائظة.

٭

لم أصبح ذلك الميكانيكي لا في جراج الكلمات هذا

ولا في حيزوم سيرته المُستعادة…

بيد أنني في واحدةٍ من تلك الرِّحلات تجرَّأتُ لأسأله:

وماذا عن اللاندروڤرات يا حَسُّون؟..

هل هي أكثر تعقيدًا من “العْرِيبيا”؟

(لقب شاحنات البِدْفورد الشعبي، آنذاك)

فكان جوابهُ، كما كان دائماً في غياهب الذكرى تحت سدرة

        جراجه المُرتجل:

أوه… لا تنشغل بالأمر؛ لا تنشغل به يا فتى. الإنكليز انتصروا على هتلر وجيوش المِحوَر حين كنا نرضعُ فواكه حليب أمهاتنا، وفي اعتقادي أنهم ما زالوا قادرين على حَلِّ مَعاضِل شاحنات البِدْفورد وهذه اللاندروڤرات. تلك صنعتهم، وقد تعلمناها منهم وأتقنَّاها في بلوشستان كما في جراجات قوَّات السُّلطان التي لم تدحَر كتائب آخر الأئمَّةِ إلّا بمثل هذه السيارات، على كثرةِ أعطالها.

هذا أمرٌ قد لا تفهمهُ يا فتى، لكنني سأطلعك على سِرٍّ آخر

لا يعرفهُ سوى الميكانيكيٍّ البارع

سِرٍّ لا يعرفه الشاهنشاه ولا حتى دهاقنة الإنكليز ودُهاتهم

لو عرفتهُ يا فتى، لكان لكَ شأنٌ وشنآنٌ في هذه الدنيا.

(أتعرف ما هو؟)..

سيَّارات “الجَرْمَن” وصنعتها المُحكَمة بمخمل مقاعدها الوثيرة

        ناهيك عن خشبها الصَّندل ومعدنها الذهب الذي طرَقتهُ

في الستينيَّات بهذا المِفكِّ في مرسيدسات شيوخ البحرين والكُويت…

معدنها الذي لو رُزتَهُ بميزان شيخ الميكانيكيَّة، لهان عليك إصلاح

سيارات اللاندروڤر لو فكَّرتَ في امتهان مهنة شريفة يا فتى.

٭

الذاكرةُ خؤونٌ في استوائها، كما في عُرجون أفلاجِ الحَماسة

بيد أن الفتى في غمرة حماسة تلك الظهيرة

قال بعد أن أخطأ -لحسن الحظ- اصطياد حسُّون السِّدرة

بحُصيَّةٍ أطلقتها شيطنةُ أنشوطته:

لن أصبح ميكانيكيًّا مثلك يا حَسُّون، بل شاعرًا مُغرِّدا كطائر

الحسُّون فوق سدرة النَّبِق هذه..

شاعرًا قد تسعفه الذاكرة ليكتب، في الخمسين، قصيدةً عن سِحر

المِفكِّ الذهب واللاندروڤرات الصَّدأ وعن أيامك ميكانيكيًّا

محظوظا في ستينيَّات الكُويت يشتري بفكَّة رُوبيَّاته الهندية

سبع سردينات من أصدقائه صيَّادي السَّاحل

(سبع سردينات، حتمًا لن يجد في إحداها لؤلؤة الفاقة العُمانيَّة)

ليتعشى بها مع عدسِ رفاقه العُمَّال وبَصَلِهم وفجلهم في حوش

                مصفاة نفط الكويت.

*

لن أصبح ميكانيكيًّا مِثلَكَ يا شيخ الميكانيكيَّةِ

فالدُّنيا قد تتغيَّر في غمضةِ عَينٍ عن عينْ

قد أجلسُ في بيتي لا أفعلُ شيئًا، أو أفرنِقعُ ترحالًا

        في أصقاعِ الأرضِ

يُرافقني حسُّونُ السِّدرةِ في أكثر من مَنفى طوعيٍّ

لأعود إلى وطني الحُلوِ المُرِّ بنايٍ لا يَسمعهُ أحدٌ..

قد أقعي في حوش البيت لكي أتسلى بإعادةِ

        غسل دشاديشي المكويَّةِ

لكني لن أبحث مِثلك عن لؤلؤةٍ في سردينة أيَّامي

لن أستمرئَ حتى معرفتي الجيولوجيَّة كي أحفرَ بئرًا

        لاستدرار دموع النفط..

يكفيني يا شيخ الميكانيكيَّةِ في هذي الدُّنيا

        يكفيني مُنفسَحُ القحط.

        لن أصبحَ مثلكَ ميكانيكيًّا

لكني قد أتخلَّى طوعًا عن بيت الشِّعر الموزون

        وطوعًا قد أتفيقَهُ في تحبير قصيدة نثر.

        ومن يدري؟…

قد أتعلَّمُ في مَنجرَةِ المُستقبل صُنع سريرٍ خشبيٍّ للنهضةِ

        حتى تنهضَ من سنواتِ الغفلةِ

إن شاءتْ تقليمَ أظافر ذاك الرَّهْط

ومن يدري؟…

قد آكُلُ، سمكًا لم يُطهَ مع الرُّز، يُبخَّرُ بالمُتوافر من أعشاب البحر

                مُجاراةً لتقاليد اليابانيِّين…

ومن يدري؟…

قد أستمرئُ طعم “السُّوشِي” مرَّاتٍ، لكني قد لا أرتاحُ إليه مِرارًا

يا حسُّون السَّردينِ تُجففهُ أيامُ الغربةِ في سِّتينيات القرن الماضي

كي أخطئ إنْ حاولتُ مُجاراة فطاحلهم بقصيدةِ هايكو

        وقصيدة زَنّْ

لكنَّ الشاعر يمضي في الدَّرب المُترَبِ

يمضي للحَتفِ كقِردٍ نَحويٍّ نحو يقين الظنّْ…

قد لا يحظى، كالمُتنبي، بالمرسيدسِ فارهةً في مُنتصَف العُمر

وقد لا يحظى بالدَّولةِ تنهضُ بالفقه وبالقانون

أو سيف الدَّولة يا حسُّون.

لكنَّ الشاعرَ قد يحتالُ على الفكرة كي يختال على ڤولكسڤاغنْ

خُنفسةٍ تدَّحرجُ بمُحرِّكها الخلفيِّ يُطقطق مَرحًا

في سُوح الإنسِ وسُوح الجِنّْ..

ليُوقفها قرب البَعرة تحت السِّدرةِ

        هذي السِّدرة دون سواها

حين يجيء البلدوزرُ مُكتسِحًا آخر جُلمودٍ في وادي العَقّْ

لتُعبَّدَ دربٌ في سبعينيات القرن الماضي لعباد الله

للأطفالِ على درَّاجاتِ طفولتهم يقتطفونَ

        الناضج والحامض من ذيَّاك النَّبْق

لحِمار الفلاح الهبَّاط مَزارعَ واديهِ

تُسبِّحُ ساعة قضمِ البرسيمِ بقايا تقواه

لسياراتِ الأجرةِ تتلوها سيَّارات الأجرة..

للڤولڤو والبي ام دبليو وكورولّا الغلبان

للحافلة المُكتظة بالرُّكابِ الإنسِ

        وأحيانًا بالجِنِّ الأشباه

لعربات الجُند مغاوير يُحيُّون الناقةَ بارِكةً

تعبرُ فجَّ الوادي في شاحِنةِ البَدويِّ الطَّلقْ

للشمسِ تَوضَّأُ في مِشكاةِ المُتبقي في القلعة من فيض النور

لسيَّارات الأجرةِ بعد ثلاثٍ عادتْ من جعلان وصُور

للخنفسةِ الحُلمِ…

وللشاحنةِ الخزان تُباريها خَببًا خَببًا سيَّاراتُ السَّبقْ.

………………………….

………………………….

        أتساءلُ:

هل قلتُ له ذلك في تلك السِّن؟

__________________

  • ·         من مجموعة جديدة بعنوان: “عود للكتابة بقلم رصاص” تصدر عن دار الانتشا
0 1328 06 مارس, 2013 أدب, العدد الخامس والثلاثون مارس 6, 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.