أرض الغياب

لـ

أرض الغياب

(2)

حنين الذكريات يزحف بنا.. فتنادينا ترنيمة الشجن.. عند مرفأ النسيان.. هذا من ذكريات ثريا؛ أحاديثها التي ما فارقتْ مخيلتي، أذكر أنَّها قالت لنا، وكم قالت، وكم حنَّت وحكت، وكم قصت، وذكرت:

كان ماجد عاشقا  للبحر، كثيرا ما كان يرتاده صبيا بشوق وحماس ، وشابا يافعا صباح مساء؛ منصتا لحركة تدافع أمواجه وانكسارها. بليدة كانت أم صاخبة، عنيدة أم هائجة، ثائرة أم هادئة؛ متأملا الفُلك الشراعية، والقوارب الصغيرة، والمراكب المتناثرة على رصيف الميناء آنذاك. متعجبا من حركتها، وهي تمخر عباب البحر. متحدية قلب أحشائه، أو ثباتها راسية على شاطئه مقاومة أمواجه. متمنياً أن تحتضنه، وتلتقفه هذه الأمواج لترميه، وتقذف به إلى الضفة الأخرى.

اندهش حين قَدِم صبيا أرض “العامرة” مع والده؛ الذي أدخله المدرسة الوحيدة فيها التي اسمها مدرسة “السرور”. من منظر البحر الذي كان بداية التعرف عليه. وهو القادم من أرض “الفيحاء” ذات السلاسل الجبلية الراسخة الصماء التي تجري على جانب مزارعها ومقصوراتها مياه الأفلاج مخترقة لها بهندسة دقيقة أشجار النخيل والليمون والموز والرمان، وما طاب من ثمار. يبدو له البحر في الصباح بهياً فسيحاً، معطاء مشرقا؛ بينما في الليل راهبا ساكنا، موحشا متوحشا.

كان  ساحل البحر بتدرج زرقة ألوانه، وتعرج صفاء بياضه ملهما لخيال ماجد، ومنشرحا لنفسه الظامئة إلى الانطلاق، ومنطلقا لروحه التائقة إلى الانعتاق. كثيرا ما تقاطرت خواطره وأشعاره على ضفافه.

وكثيراً ما ناجى ماجد البحر متأملا حين تبلله مياهه، وتدغدغه نسائم رياحه؛ هل يوازي ثقله على ظهره ما يضمه في أعماقه؟! حتى بدا متوسلاً له أن يغمره بعطفه، ومناجيا له أن يحتضنه بأمانه فإنه مطاوع له، ليركبه إلى الأفق المنير من المنعطف المجاور لفضائه الحالم؛ قائلاً: قلبي ينبض حبا لك، وحين أصبح شاباُ طامحاً، أضاف إلى عبارته: قلبي ينبض حبا لك، كما يخفق حبا لثريا.

وعندما التقى لأول مرة صدفة بصديقه ناصر. كانا بصحبة والديهما على ساحل البحر. تعارفا هناك، وألفا بعضهما منذ أول لقاء جمعهما. وأخبر ناصر (ماجد) أنَّه قدم “العامرة” لنفس المبتغى؛ وهو الالتحاق بمدرسة “السرور”؛ كي يتعلم.

لم يذهل البحر (ناصر)، وهو القادم من السهل الساحلي لباطن “قادي” كما أذهلته سلاسل جبال “العامرة”، وتمنّى أن يكون طائرا جبليا؛ ليرفرف حول القمم العالية، ويستكشف كهوفها وسكانها. أبشر؟ أم جن؟ أم طير؟ وحين يجيبه ماجد عن استفساره، يمازحه مبتسما:

إنَّهم جن. ليلهم نهارنا، ونهارنا ليلهم ناصر!.. انظر إلى تشكل نتوءاتها في الظلام!

بينما الفضاء عند ماجد يتشكل سحابه أقواساً، فيشهرها محلقاً إلى الأفق البعيد. فتهطل الأمطار لتبتهج الأرض، فتسعى طيوره هائمة نحو شمس تنير مسعاها، ونسمة تبهج مسراها. حتى إنّه كثيرا ما استنطق الطيور.. هل هي في أمان من أجوائها؟

شهقتْ ثريا، وأخذت نفسا عميقا، فمسحنا دموعها، وطبطبنا عليها، ملتفين حولها بأمان.

قال لي: أكتب لأني لا أستطيع أن أكون سعيدا مهما فعلت إلَّا بالتعبير عن ذاتي، وقراءة أفق الآخرين.. أكتب لكي أُدمي جراحاتي، أكتب لكي أنظر إلى واقعي، أكتب لكي أعمق حبّها في نفسي، أكتب لكي أعيد ذاكرتي، أكتب لكي يحيا جسدي.. ولن أكتب إلَّا لها ولأجلها ثريا.

وأردفت بأنفاس مخنوقة، ودموع موجوعة: حين أطيب نفسه، وأهدئ روعه.. أحتضن عالمه بدفء حنو صدري، وألملم شعثه بنثر حرِّ أنفاسي؛ ليوجه مسعاه ومرامه لاهتماماته الأخر. يلمني ويقاطعني بدفء: الكتابة هي منفذي الجميل، وأفقي السعيد للسفر عبر الكلمات.. الكتابة هي جسري الخفي للعبور إلى مراد هيامي، والإبحار إلى مطلب عشقي حين عجزت عن قبضته بيدي، وإراقة دمي.. الكتابة تشدني للتعمق، إلى الوحدة والسكون، إلى الوداعة أحيانا.. وربما أيضا الأحلام المنكسرة، والذكريات المنسية.

وتمر الأيام بين ماجد وناصر، فثمة شيء بداخلهما كان إضافة جديدة للتجانس بينهما. فكثيراً ما خطَّ ماجد على الأواني الفخارية التي يصنعها جده كلاما جميلا منمقا، ينبعث منه أريج عطر زكي. وكثيرا ما شكَّل ناصر على أحجار الساحل الذي يسترزق منه جده نقوشاً لرسومات متقنة، تحكي عبير شذى نقي؛ حتى عشق الاثنان رائحة المداد والورق. فأصبحت كتابات ماجد أحجاراً ثمينة، تترجمها رسومات ناصر في لوحات رائعة؛ مستلهمة من عشقهما لـ “قادي”.

فعزما على الرحيل معاً صبيين متآلفين طامحين، بعد انتهاء تعليمهما المتيسر آنذاك من مدرسة “السرور”، لينهلا من معين العلم في بلد مجاور لهما اسمه “أوال” على مركب شراعي صغير، مع ثُلة ممن رحلوا في يوم قائظ.

عادا بعد زمن معلمين شابين في “العامرة”؛ لينيرا بشمسهما قلوب من حولهما، ويغرسا على الأرض راية حمراء بيضاء، بوفاء وأمل. شعارهما التخلص من الأوهام.. وإبادة الظلام.

استرسلت والدموع متحجرة في عينيها، وعضَّت على شفتيها:

أول لقاء لي به حين لمحته صدفة عند منعطف الوادي الصغير المطلّ على حينا.. هو متتبع خطاي برزانته الواثقة، وحصانته الواعدة؛ فانجذبتُ إليه مواصلة سيري شابا متألقا، يرنو إليَّ موزعا نظراته إلى فسحة رحاب الوادي بتطلع وحب. حدثت نفسي وأنا ماشية: ياما الذي أصاب أوصالي؟ ولماذا خفق قلبي؟! وكيف نبضت مهجتي؟!

كانت أغنيات الطفولة تتردَّد بأنفاس عذبة شجية بين مرح الصغيرات وحبورهن، بينما أشجار الوادي تنعم باحتضان الصبايا، وهن يتمايلن برقة ناعمة بهيَّة على الأراجيح المعلَّقة بين أغصان أشجاره وأفيائها؛ إلَّا أنَّه كان يصوِّب نظره إليَّ متأملاً باستحسان. واصلت سيري مرددة صدى أغنيات الحب مع الصغيرات، متمايلة بخطاي مع الصبايا.. وإذا بصوت دافئ يتبعني منبها:

تريثي أيتها الفتاة، فأمامك صخرة  كبيرة. حاذري أنْ تتعثري بها.. أيتها الطّيبة.

التفتُ حينها. وإذا بنفس الشاب الغريب عنا، أذكر أني شكرته، وأسرعت بخطاي، فابتسم لي ابتسامته المشرقة الواعدة التي دائما يزدان بها محياه. رأيت عينيه لأول مرة، أذهلني ما بهما من عمق وبهاء؛ شعرت حينها أنه بسط قلبه لي لأخطو عليه بتمهل وانسياب، حتى وصلت بيتنا.

وبعد أيام طوال رأيته، وبرفقته شاب آخر؛ مثله تماما يتبادلان حديثهما باندماج وانجذاب. وأنا معانقة محتضنة بساعديَّ أجزاء من القرآن الكريم، وممسكة بكفي الأيمن كيساً من الحلويات؛ موجهة ثُلة من الأطفال حولي إلى سبلة([1]) تعليم أمي قبل حضورها، ومرشدة قلة منهم الاستعداد لقراءة التيمينة([2]) قبل بدء مراسيمها. رمقني بقامته الواثقة مبتسما سائلاً: أتقرأين وتكتبين أيَّتها الفتاة؟ أبانت تصرفاتي، وترجمت يداي ما كنت أحمله وأقوم به، فأجابته عيناي بحب، ونطقت شفتاي بحياء عن كل تساؤلاته واستفساراته.

عقَّب الآخر متعجباً: ما شاء الله! فتاة بعمر الزهور تقرأ وتكتب، أوه.. وتُعلِّم هنا! فقد تكون هي ابنة شيخنا القاضي.

أنصت من ورائهما دون تعليق مني، مواصلة تنظيم دخول الصغار بهدوء ولطف، وتهيئة الخاتمين للاحتفاء بتيمينتهم بطيبة وسكينة، وهو لا يزال يرمقني بدفء واتزان وإعجاب.

ثم أردف قائلا بصوته الهادئ الدافئ: إذن أنت ابنة الشيخ علي قاضي “العامرة”، ومعلمة القرآن زهرة، أليس كذلك؟!

أجابته عيناي بحياء وابتسام، وشعرتُ أني ملكتُ العالم كله برضاه، واستحسانه.

أردف الآخر: إذن ليس غريبا أن تقرأ، وتكتب، وتعلم الصغار يا ماجد.

أجابه وهو يمد بصره إلى الفضاء: صدقت يا ناصر، تكشف لنا أيامنا أن هناك من أضاء الله قلبه، وبصَّر عقله.

نظرت باستحياء، ولم أعلق بشيء سوى أني حدثت نفسي – يا الله- اسمه ماجد، ما أجمل هذا الاسم! وما أطيب وقعه على نفسي! والآخر ناصر اسم جميل كذلك. يبدو أنه أخ موافق، أو صديق ملازم له. ومنذ ذلك اليوم ازداد تعلقا بي، وازددت انجذابا له؛ وبعد شهرين أحضر والديه من “الفيحاء” لخطبتي، بعد أن مهَّد له الطريق عند والدي حارس مدرسة “السرور” الوالد الطيب المحب “عبد الله”.

غمرت السعادة أمي وأبي حتى أخي؛ فالمعلم ماجد، صاحب راية العلم والفكر في الحي، ابن كاتب والي “الفيحاء”، جاء لخطبة ابنتهما الوحيدة “ثريا”. ولم تدرك والدتي “زهرة” إلَّا بعد وقت من الزمن أن ابنتها “ثريا” ازدان قلبها بحبه، منذ أن لمحته عند منعطف الوادي الصغير؛ حاملا دفاتر طلابه، وهو عائد من المدرسة. وتمنت أن يكون لها، وتنعم بقربه ودفئه، فكان ما تمنت وأرادت.

واصلت ثريا بحب مشجون: كان ناصر ابن  إمام مسجد “قلب” السهل الباطن الممتد حينها عريساً جديداً. أحضر معه زوجته “نورة” الغريبة عن ديار “العامرة” من أرض “توام”. حتى مسحتها كانت غريبة عنا؛ إلَّا أن قلبها نبض بحبنا كما نبضت قلوبنا بحبها، وروحها حنَّت لروحنا كما حنَّت روحنا لروحها. وأهلها حين كانوا يزورونها فترات متباعدة لنصب الرحلة، ومشقة السفر آنذاك اطمأنوا عليها بيننا. فتآلفنا أختين طيبتين تحت مظلة والدتي ووالدي، ورباط زوجينا ماجد وناصر.

أكملت بصوتها الدافئ العذب: أحبها ناصر، وتعلق بها فتاة أصيلة وادعة، حين آواهما والدها رئيس كتَّاب جمارك “توام”، وهما قادمان بحراً من جهة الممر الذي يفصل بين ساحليِّ أرض “قادي”. شهامة والدها، وحسن سريرة أمها مع ماجد وناصر؛ حين عملا هناك لوقت قصير ككتَّاب عززا خطبة ناصر لها، ودعمه ماجد بإخلاص وصدق في قراره.

وأردفت ثريا، وهي تتأملنا: ومن الجميل أن تتفق بالوفاء امرأتان، ويتآلف بالعطاء رجلان؛ كاتفاق ثريا ونورة، وتآلف ماجد وناصر؛ فجمعهم الله على أفق الخير، والمحبة في رحاب “قادي”. فغرسوا بذوراً طيبة في نبضها، لتزهر أغصانا حانية، وتشرق ثمارا يانعة؛ لتزدان بها أرض “قادي” وفضاؤها. ولكن هل سيبقى الحال كما كان؟؟!!!.

من وراء ذلك كلّه، من قريب.. ومن بعيد.. كانت الحكايات الشجية، والذكريات الغالية.


[1]  السبلة باللهجة العمانية: المجلس الكبير في الحي الذي تتداول فيه الأحاديث المهمة بين الرجال، وقد يستخدم للمناسبات كالأفراح والأحزان، فيقال: سبلة الرجال، وسبلة النساء. والسبلة في سياق النص، المجلس أو الغرفة التي تعلم فيها زهرة والدة ثريا الأطفال القران الكريم.

[2]  الاحتفال بختم أحد الطلاب أو بعضهم قرآءة القرآن أو بعضه.

0 1567 07 مارس, 2013 أدب, العدد الخامس والثلاثون مارس 7, 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.