ثيودوروس انجلوبولس: جامِع التحديقات الإنسانية المتلاشية

لـ

photo 1اليونان: المرج ذو الأعشاب التي تقطر ندى لتكون منبع النهر، الطفلة التي تبحث عبثاً عن أبيها الذي تركها ، الحبيبة التي فقدت حبيبها في حرب لا تمت إليها بصلة ، الشجرة الوحيدة في الضباب ، الشاعر الذي يشتري الكلمات ليكتب أغنيات الثورة ، التحديقة الأولى ، الفرقة المسرحية التي تبيع أزيائها على شاطئ البحر…

صور متعددة تمثل جميعها دولة اليونان بالنسبة للمخرج ثيودوروس انجلوبولس، وهكذا كان همه السينمائي يتمحور حول الهوية والوطن والمنفى ، ورحلة الاستكشاف والبحث عن الأشياء المفقودة ، هذه الثيمات المتكررة في أفلامه بمعية الصور المتكررة مثل الزفاف ، المظلات السوداء، الضباب، الملاءات البيضاء، والبحر وغيرها جعلت لسينماه هوية خاصة بها يستطيع أي هاوٍ أن يميزها عن غيرها من الأفلام.

إن ثيو المخرج السينمائي لا يختلف كثيراً عن ثيو الإنسان اليوناني ، بحيث نجد في أفلامه نواحي عدة من قصة حياته وسيرته الذاتية ، ليس بالضرورة أن تكون سينماه سرداً محكماً تفصيلياً لنواحي حياته المختلفة ، بل هو يأخذ صوراً متفرقة من ذاكرته ويخرجها في أفلامه كمثل الجندي الألماني وهو يوجه حركة المرور، أو صوت صفارات الإنذار أيام الحرب ، وقد أقر على ذلك بنفسه في إحدى اللقاءات الصحفية معه حيث قال: “خلال الحرب الأهلية اليونانية، ليس فقط عائلتي انقسمت إلى شيوعيين ومعادين للشيوعية، بل أن أبي كان قد تعرّض للاعتقال على أيدي الشيوعيين وحكم عليه بالموت، غير أنه استطاع الهرب والنجاة ، وقتئذ كنت في التاسعة من العمر، أخذتني أمي إلى حجرة مليئة بالجثث للتعرّف على جثة أبي كيف بوسعي ألا أتأثر بعمق بما يحدث حولي مثلما أتأثر بكل لحظات السعادة والحزن، اللغة، المنظر الطبيعي.. وغير ذلك.” لذا كانت اليونان وتاريخها ومآسيها دوماً حاضرة في أفلامه سواء كانت أفلام تاريخية تحكي قصة جماعات أو أفلام شخصية تحكي قصة أفراد أو أفلام تجمع بين هاتين الثيمتين.

photo 2فيما عدا تأثره بتاريخ اليونان ومرورها عبر كل تلك الحقب التاريخية من سلطة ديكتاتورية إلى الحرب العالمية إلى الحرب الأهلية، فقد تأثر انجلوبولس أيضاً بمجموعة من الشعراء والأدباء والمفكرين اليونانيين وغير اليونانيين أمثال تي إس إليوت وريلكه وجيمس جويس وفولكنر وسيفيريس، كما نجد تأثير الميثولوجيا الإغريقية جلية أيضاً في أفلامه عبر ملاحمها الشهيرة كالأوديسة والإلياذة وغيرها ، وهو في أحيان كثيرة يقتبس اقتباسات مباشرة من أعمال هؤلاء ليضعها ضمن سيناريو سينماه لتخلق جواً شاعرياً ساحراً، كقوله مثلاً على لسان إحدى شخصيات فيلم “تحديقة عوليس”: “في البدء كانت الرحلة”، وهي اقتباس مباشر لإحدى قصائد الشاعر اليوناني جورج سيفيريس ، وكقوله أيضاً على لسان أحد الأطفال في فيلمه “الأبدية ويوم”: “ما هو الزمن؟ الزمن طفل يلهو بالحصى على حافة البحر” وهو اقتباس مباشر أيضاً للفيلسوف اليوناني هيرقليطس ، مع كل هذه العوامل والتأثيرات، أتت أفلام انجلوبولس لتحاكي مأساة الإنسان والهوية والوطن، وإن كانت المأساة تخص اليونان ولكنها بألم واقعها تصور كافة البلدان الأخرى التي مرت بتجارب الحرب، وتدمج ذلك بشكل جميل بالتجارب الذاتية لشخوص أبطالها.

سوف أقوم بالتركيز على أربعة من أفلام ثيو انجلوبولس وهم: “الأبدية ويوم”، و”منظر طبيعي في السديم”، “وتحديقة عوليس”، و”المرج الباكي” بالتركيز على الثيمات التالية: رحلة البحث عن المفقود، اللقطات الطويلة والزمن اللاحقيقي، ورمزية المرأة والوطن، وعامل السريالية والغرائبية في أفلامه.

“نحن نسافر.. البعض منا يسافر للأبد.. للبحث عن أوطان أخرى، حيوات أخرى، أرواح أخرى” – آناييس نِن

إن مفهوم الرحلة يُعتبر أحد الثيمات الأساسية والمشتركة في جميع أفلام انجلوبولس بحيث يوجد دائماً شيء مفقود وشخصية تبحث عنه ، ولو كان بشكل رمزي غير مباشر، فيلم “منظر طبيعي في السديم” يتحدث عن أخ وأخته يهربان من منزلهم لأن أمهم أخبرتهم أن أباهم الذي لم يرونه طوال حياتهم يعيش في ألمانيا، فيذهبان إلى محطة القطار ويقفان طويلاً أمام القطار، مترددان في الركوب إلى أن يذهب القطار، يكرران ذلك عدة مرات في بداية الفيلم إلى أن يقررا أخيراً أن يركبا القطار ، يصادفان في رحلتهما عدة أشخاص وعدة صعوبات، فعالمهما الوردي الجميل سرعان ما يتصادم مع الواقع القاسي – إذ ليس كل الناس لطفاء ــ ولا الطبيعة دوماً حنونة ، يشاهدان عروساً تبكي وهي خارجة تركض من قاعة الاحتفال، فيلحقها ما يبدو وأنه زوجها ، ثم عربة تجر حصاناً يحتضر ثم ينقطع الحبل ويُترك الحصان فيركض الصغيران نحوه ليحدقا فيه وهو يحتضر، ثم تقع الأخت – في الحادية عشر من عمرها – في حب شاب يساعدهما في رحلتهما وتبكي حين تكتشف أنه لا يحبها ، إنها رحلة المعرفة ، رحلة اكتشاف الذات والبحث عن الجذور والهوية ، في أكثر من موضع تكرر الأخت لأخيها الصغير عن قصة خلق العالم فتقول: “في البدء كان الظلام ثم كان هناك ضوء ، الضوء انفصل عن الظلام، والأرض انفصلت عن البحر، وخُلقت الأنهار والمحيطات والجبال ، بعد ذلك خُلقت الزهور والأشجار، الحيوانات والطيور..” وبشكل غير مباشر تتمثل هذه القصة في رحلة الطفلين فهما يبدأن الرحلة في الظلام، وتنتهي الرحلة إلى الضوء – ولو كان ضوءاً وهمياً مثلما نرى في نهاية الفيلم.

photo 3أما الفيلم الآخر الذي يعرض مفهوم الرحلة فهو “تحديقة عوليس” يعرض الفيلم في بدايته مقطعا من فيلم قديم يُسمى “النسّاجون” والذي يُقال بأنه أول فيلم صُنع في تاريخ اليونان أو دول البلقان على وجه الأصح، ويتسائل بطل الفيلم وهو مخرج أفلام: “ولكن هل هو حقاً أول فيلم؟ هل هي أول تحديقة؟” في إشارة منه إلى امرأة طاعنة في السن تنسج وتغزل وهي تحدق في الكاميرا ، ثم يتضح للمشاهد قصة الفيلم وهي أن هذا المخرج يؤمن بأن هناك فيلماً أقدم من هذا الفيلم وهو من عمل الأخوين ماناكياس، فيذهب في رحلةِ بحثٍ عن هذه الأفلام المفقودة ، ها هو هذا المخرج المنفي عن اليونان ، القادم من الولايات المتحدة ، يذهب إلى اليونان أولاً ثم يتقفى آثار هذا الفيلم فيسافر عبر الحدود إلى ألبانيا ومقدونيا وبلغراد ورومانيا وأوكرانيا وصربيا وكرواتيا والبوسنة، متسائلاً طوال رحلته: “كم من التخوم علينا أن نعبر حتى نصل إلى أوطاننا؟” فهذه الأفلام المفقودة تمثل ما تبقى من ذاكرة اليونان، هي على لسان البطل: “المناظر الطبيعية في اليونان، الأعراس، الزبائن المحليين، التغييرات السياسية، القضايا القروية، الثورات، الحروب، الاحتفالات الرسمية، السلاطين، الملوك، الوزراء، الأساقفة، الثوار” – هي ببساطة التاريخ، هو يبحث عن التاريخ، هوسه بوطنه وبهويته جعله يشد الرحال بحثاً عن هذه الأفلام/ الهوية / الوطن المفقود ، في أحد المشاهد البديعة للفيلم ، يستقل البطل سيارة أجرة ليذهب إلى ألبانيا ، تتوقف السيارة في وسط عاصفة الثلج القوية ، ويخبر سائق الأجرة البطل أن الثلج أخبره بأن يتوقف ، ثم يقول: “أتعلم ، إن اليونان تحتضر ، نحن كشعب نحتضر ، لقد وصلنا إلى نهاية الدائرة المتكاملة” ثم يخرج من سيارة الأجرة ويصرخ وسط العاصفة قائلاً: “ولكن إن كانت اليونان ستموت ، فمن الأفضل لها أن تفعل ذلك سريعاً… لأن العذاب الذي يطول يصدر الكثير من الضوضاء” ثم يكمل كلامه صارخاً في اللامكان: “أيتها الطبيعة، أنتِ وحيدة! أنا وحيد أيضاً، خذي قطعة البسكويت هذه” ثم يرمي قطعة بسكويت في الفضاء في مشهد قد يكون به نكهة كوميدية ولكنه عميق ومؤثر جداً ، هل يبحث المخرج عن هذه الأفلام لكي لا تموت اليونان؟ هو حتماً لا يريد لها الموت، ويرى أن تلك الأفلام سوف تنقذ اليونانيين مما هم عليه من حروب ومآسي، مثلما قد ينقذ الفن هذا العالم، بجماله وتسامحه ودعوته الدائمة إلى تقدير الجمال ، لو تأملنا أيضاً اسم الفيلم “تحديقة عوليس” فهو يحمل أكثر من معنى يرمز إلى الرحلة، فالتحديقة قد تكون بمعناها البسيط هي تلك التحديقة التي ظهرت في أول فيلم يوناني “النساجون” لإمرأة عجوز، مثلما وصفها بطل الفيلم في إحدى المشاهد: “تحديقة تكافح لأجل الانسلاخ من الظلام.. تحديقة بمثابة الولادة الأولى”، وأما عوليس فلا ذكر له في الفيلم بتاتاً ، وكما نعلم فإن عوليس – وهذا هو الإسم اللاتيني عن الإسم الإغريقي أوديسيس – هو بطل ملحمة هوميروس الشهيرة “الأوديسة” والتي تتحدث عن ملك إيثاكا الذي استغرق عشر سنوات للرجوع إلى منزله بعد حرب طروادة بسبب غضب إله البحر بوسيدون بعدما لعنه لأنه فقد أحد أصدقاءه في الحرب ، حتى رجع إلى زوجته بينلوبي التي ظلت وفية له طوال تلك السنين ، وبالإضافة إلى كون عوليس بطل الأوديسة فهو أيضاً اسم رواية جيمس جويس الشهيرة التي تحاكي رحلة بطلها، وقد ذكرنا سابقاً تأثر انجلوبولس بالميثولوجيا الإغريقية وبالروائي الإيرلندي جيمس جويس.

“أن تكون هو أن تتغير، أن تتغير هو أن تنضج، وأن تنضج هو أن تستمر في خلق نفسك إلى ما لا نهاية” – هنري برغسون

photo 4إن أسلوب ثيو انجلوبولس في تصويره للقطاته السينمائية كأسلوب الشاعر في اختيار كلمات قصائده، هو لا يريد أن يصور المشهد ومعناه فحسب بل ينتقي بكل دقة زوايا التصوير والصورة والطبيعة وغيرها من الأمور التي تجبر المشاهد على تأمل المشهد الذي أمامه والاهتمام بكل تفاصيله الجمالية وكأنه قصيدة شعرية قلما يستخدم انجلوبولس اللقطات المتقطعة في أفلامه ، فهو يفضل اللقطات الطويلة والصور المتواصلة بلا انقطاع، وكمثال على ذلك فإن فيلمه “الممثلون الجوالون” يتألف من 80 لقطة فقط رغم أن مدة الفيلم حوالي 4 ساعات، وللمقارنة فإن الأفلام الأمريكية عادة ما تحتوي على 600 إلى 2000 لقطة في فيلم بطول ساعة ونصف! (أجرى هذه المقارنة الناقد السينمائي أمين صالح في كتابه براءة التحديقة الأولى)، وذلك يتماشى عادة مع ذوق المشاهد العام للأفلام الذي يحب الإثارة واللقطات القصيرة والمتقطعة والسريعة، وقد لا يطيق الملل في اللقطات الطويلة بحيث تبدو بطيئة في بعض الأحيان، وقد قيل أن انجلوبولس مخرج صعب لا يحبه غير المتذوقين للأفلام والذين يرون أن السينما فن بصري، لا فقط وسيلة تسلية .

عندما يستخدم انجلوبولس تقنية العودة إلى الزمن أو الزمن اللاحقيقي فهو لا يغير في الألوان ولا يستعمل الفلاشباك ولا يوحي بأن الزمن تغير بأي من التقنيات البصرية، وذلك جلي في إحدى مشاهد فيلم “الأبدية ويوم” حيث يعيش البطل الكساندر وهو كاتب وشاعر الكبير في السن أيامه الأخيرة حراً لأنه سوف يذهب إلى المستشفى لتشخيص حالته المرضية المميتة، وفي طريقه يصادف طفلاً صغيراً ألبانياً يريد العودة إلى وطنه فيساعده الرجل العجوز، يعيش طوال مجريات الفيلم والتي تمتد ليوم واحد في بوتقة الماضي والحنين إليه. يرى زوجته المتوفاة وعائلته وهم في عز شبابهم – وهو ما يبدو أنه أسعد أيام حياته – ويعيد تصوير هذه المشاهد التي يتذكرها من شبابه ، ولكن بهيئته العجوز، حيث يرقص مع زوجته وعائلته على شاطئ البحر في مشهد واحد طويل من غير تقطيع أيضاً ، يبدأ المشهد مع دخول الرجل لمنزله القديم ليفتح باب الشرفة ليرى أمه وهي تهدهد ابنته الصغيرة – وتظهر في الفيلم في مشاهد الزمن الحقيقي على هيئة امرأة بالغة متزوجة – في حين أن عائلته وزوجته يرقصون على البحر بأنغام فرحة بقدوم المولودة الجديدة في حركة تصويرية بديعة تنتقل الكاميرا بسلاسة من أعلى الشرفة إلى أسفلها ثم تتقدم لتصورهم وهم يرقصون ، لنرى الكساندر يمشي ببطء نحو زوجته ليرقصوا معاً، فيسألها: “كم من الوقت سيدوم الغد؟” في مفهومنا الاعتيادي، فالغد، ككل الأيام، سيدوم 24 ساعة، ولكن زوجته ترد عليه همساً: “الأبدية ويوم”، وذلك اقتباس غير مباشر من مسرحية شكسبير “كما تحبها”.

في أحد المشاهد البديعة من فيلم “تحديقة عوليس” فإن انجلوبولس يصور مشهداً طويلاً بلا انقطاع من عشر دقائق تقريباً ، يعرض فيه رقص عائلة البطل في ليلة رأس السنة وعلى مدى 5 سنوات من عام 1945 إلى عام 1950، يبدأ المشهد بدخول البطل إلى منزله بصحبة أمه وتستقبله عائلته ، ثم يدخل الأب العائد من الحرب في عام 1945 وترقص العائلة فرحاً بعودته، إلى أن يدخل رجال الأمن المنزل ويقطعون رقص العائلة ليسحبوا أحد أفرادها معهم فيصرخ ذلك الفرد: عام 1948 عام سعيد جميعاً، ثم يذهب معهم، وذلك يبين اعتقال الأمن الحكومي المناهض للشيوعية لأحد أفراد العائلة المنادية بالديموقراطية وذلك من آثار الحرب الأهلية اليونانية ، ثم تستكمل العائلة الرقص ويعلق أحدهم ويخبر والد البطل: “لقد حصلت على الترخيص أخيراً.. سوف تذهب إلى اليونان” وذلك لأن العائلة كانت في ذلك الوقت تعيش في رومانيا، بوخارست تحديداً، إثر النزوح بسبب الحرب ، ثم تستكمل العائلة الرقص إلى أن تأتي عاملة المنزل وتصرخ: “اللجنة الشعبية للمصادرة أتت” ويدخل مجموعة من الرجال المنزل ويصادرون أثاثه في حين تكمل العائلة الرقص غير مبالية ويقول أحدهم: “تجاهلوهم ، فلنكمل الرقص، عام 1950، عام سعيد جميعاً” إلى أن يأتي الرجال ويصادرون آلة البيانو التي كانوا يرقصون على أنغامها ، يقول انجلوبولس حول هذا المشهد: “مشهد واحد في الفيلم ، يدور في حجرة واحدة ، هو ليس في زمن حقيقي على الإطلاق : خمس سنوات – خمس سنوات من تاريخ عائلة واحدة ، تاريخ رومانيا ، تاريخ أوروبا من معسكرات الاعتقال إلى الستالينية – تمر أثناء رقصة فالس قصيرة” وكما في فيلم “الأبدية ويوم” فإن البطل يعيش كل هذه الأحداث مرة أخرى حين عاد إلى بوخارست للبحث عن الأفلام المفقودة ، فهو هنا يستذكر مشاهد من طفولته في بوخارست ولكنه حاضر بجسده البالغ ويحضن أمه ويرقص معها ويفرح بمجيء أبيه وكأنه لا يزال طفلاً عاد إلى منزله بهيئته التي عرفناها بها طوال الفيلم ، ليرى كل شيء كما كان عليه ، ليرى والده ووالدته وعائلته بهيئتهم القديمة وكأنهم لم يكبروا في السن أبداً ، يدرك المشاهد ذلك في نهاية اللقطة حين تجتمع العائلة لأخذ صورة فوتوغرافية جماعية وتنادي الأم بابنها: “تعال هنا.. ألا تريد أن تتصور؟” فيجاوبها البطل بصوته الرجولي البالغ: “أنا آتٍ يا أمي” لنرى طفل صغير يركض نحو الأم ، هذا الانتقال السلس بين الماضي والحاضر يكاد يكون سمة أساسية في أفلام انجلوبولس ، وقد تكون مزعجة في بعض الأحيان للمشاهد المعتاد على الزمن الخطي المتسلسل وعلى وضوح البداية والنهاية ، ولكنها باعثة على التفكير والتأمل في كل الأحيان.

“أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كله.” – غسان كنفاني

photo 5لطالما كانت ثنائية المرأة والوطن حاضرة في مختلف أنواع الآداب والفنون ، فبين ريتا محمود درويش وبلقيس نزار قباني ، تأتي شخصيات أفلام انجلوبولس لتعطي قصة أخرى بطابع يوناني الهوية ، وعالمي الفحوى ، يتحدث فيلم “المرج الباكي” حول قصة إمرأة يونانية اسمها إيليني ، فقدت أهلها في الثورة البلشفية في روسيا حيث كانوا نازحين فعادت مع العائلات اليونانية الهاربة من روسيا لتستقر في اليونان ، تشبثت وهي صغيرة بابن إحدى العائلات الصغيرة المكونة من أب اسمه سبايروس وزوجته وابنهما الذي يُدعى آليكسيس ، وهكذا كبرت مع تلك العائلة حتى أصبحت فتاة يافعة وأحبت آليكسيس منذ الصغر وأنجبت منه توأمين (يورخي وياني) والذين تم التخلص منهم بسبب العار وتركهم تحت رعاية إحدى العائلات الغنية ، حين توفت الأم ومع حزن زوجها سبايروس عليها ، قرر أن يتزوج إيليني ولكنها في يوم زفافها هربت مع آليكسيس ليهيما حول اليونان بلا منزل يأويهما ، معتمدان دوماً على لطف الغرباء ، بالإضافة إلى التفاصيل الدقيقة التي تحكي قصة إيليني وزوجها آليكسيس وابنيهما يورخي وياني، فإن “المرج الباكي” يحكي تاريخ اليونان من عام 1919 وخوضها في الحرب العالمية والحرب الأهلية والفيضانات التي واجهتها ، فكأن إيليني هي الوطن، وزوجها آليكسيس هو الشعب، وابنيهما يورخي وياني هما المستقبل ، تفترق العائلة إثر الحرب العالمية والحرب الأهلية ، فيذهب الزوج آليكسيس إلى الولايات المتحدة ليلتحق بفرقة موسيقية، وحين يكبر الإبنان يلتحق كل منهما بجبهة معادية للأخرى في خلال الحرب الأهلية ، في إحدى المشاهد حين تودع إيليني زوجها في الميناء، فإنها تهديه نسيجاً من الصوف ، يأخذ الزوج خيطاً منه وتتمسك هي به إلى أن يبدأ النسيج في التفكك ، حيث يركب الزوج القارب الذاهب إلى السفينة ولا يزال ممسكاً بالخيط ولا تزال هي أيضاً ممسكة به إلى أن تنحل العقدة وينفك النسيج وينقطع الخيط الذي كان يربطهما معاً ، هذا المشهد هو محور أساسي في الفيلم حيث أن الزوج ترك زوجته لأول مرة – المواطن ترك الوطن – مما أدى إلى سلسلة من الأحداث المروعة والمحزنة التي أتت بعد رحيل الزوج ، وفي مشهد آخر يلتقي الأخوان يورخي وياني بعد غياب طويل لالتحاق كل منهما بجبهة معادية للأخرى في الحرب الأهلية اليونانية، وبعد السلام يخبر ياني أخاه يورخي أن أمهما إيليني قد ماتت ثم يبيكيان معاً على هذه المصيبة ، ولكن إيليني في الفيلم لم تمت ، مات كل من حولها وبقيت هي حية لم تمت إلى آخر لحظة من الفيلم ، فإذاً فكرة “موت الوطن” التي صرخ بها سائق الأجرة في فيلم “تحديقة عوليس” تكررت مرة أخرى في فيلم “المرج الباكي” وبهذه الصورة المفجعة وفي خضم الحرب الأهلية التي تركت مستقبل اليونان مبهم وخائف ، في مشهد آخر حين خرجت إيليني من السجن لإيوائها أحد الثوار، كانت تهلوس وهي نائمة وتقول بأنين محزن: “أيها الحارس، ليس لدي ماء، ليس لدي صابون، ليس لدي أوراق لأكتب لأطفالي ، أيها الحارس كم تكلفة الرصاصة؟ وكم يكلف الدم؟ أيها الحارس، أنا في المنفى، أنا لاجئة ومنفية من كل مكان، طفلة في الثالثة من عمرها تبكي على الرصيف” هذا المشهد أوجز مآسي الوطن… بلا ماء والماء حياة، وبلا أوراق والأوراق معرفة، وبرصاصة ودم بثمن بخس، ومنفى وبكاء على الرصيف ، من الجدير بالذكر أيضاً وقد نوه إلى ذلك الناقد السينمائي أمين صالح في كتابه “براءة التحديقة الأولى” أن إسم إيليني يعني اليونان وفق الأصل اللغوي لهذه الكلمة الإغريقية، فإيليني الطفلة الصغيرة الهاربة من الثورة البلشفية بروسيا ، وإيليني الفتاة اليافعة التي دفعتها العائلة للزواج قسراً من الأب الذي رباها ، وإيليني المرأة الحبيبة التي هربت مع حبيبها من ظلم المجتمع ، وإيليني الأم الحنون التي ستفعل كل ما بإمكانها فعله لحماية ابنيها ، وإيليني السجينة السياسية للنظام الديكتاتوري الذي سجنها لإيوائها أحد الثوار، كلها تمثل صوراً مختلفة من تاريخ اليونان الاجتماعي والسياسي.

“إلى المجانين.. الدخلاء.. الثوار.. صناع المشاكل.. الأوتاد الدائرية في الثقوب المربعة” – إعلان لشركة آبل

استطاع ثيو انجلوبولس بسينماه المبدعة بصرياً وسمعياً وفكرياً أن يجمع كل هذه السمات بواقعية مؤلمة في كثير من الأحيان ولكنه دائماً ما يضيف صورة غرائبية تميل إلى السريالية في كل أفلامه بحيث تسحر المشاهد بجمالها البصري والمعنوي، وفي أوقات بجمالها المؤلم والمفزع ، وقد اخترت ألا أعلق على هذه المشاهد وألا أفسرها، بل أعرضها فحسب، فهي قد تعني دلالات كثيرة يستطيع المشاهد أن يفسرها كلٌ حسب فهمه.

المشهد الأول:

في فيلم “الأبدية ويوم” تقف سيارة الرجل العجوز ومعه الطفل الألباني الصغير وسط الجبال المغطاة بالثلج، فينزلون من السيارة ويمشون قليلاً إلى أن يروا بوابة مقفلة وبها حراس واقفون، وعلى يمين ويسار البوابة تقف أعمدة بها رجال معلقون في الضباب، بوضعيات ثابتة بلا حراك وكأنهم أموات.

المشهد الثاني:

في فيلم “منظر طبيعي في السديم” يجلس الشاب الذي يساعد الطفلين في سفرهم إلى ألمانيا في ميناء على صخرة، إلى أن يقف مدهوشاً من منظر أهاله في البحر، لنرى يدا اسمنتية ضخمة تبرز ببطء من سطح البحر، ثم يأتي الصغيران ليشاركوه دهشته ويتأملون معاً تلك اليد الاسمنتية وهي تُسحب من البحر باستخدام حبال وطائرة هيليكوبتر إلى أن تحلق بعيداً في السماء.

المشهد الثالث:

في فيلم “تحديقة عوليس” وفي إحدى سفرات البطل عبر الحدود، يستقل مركباً لنقل البضائع تحمل تمثالاً ضخماً للزعيم الشيوعي فلاديمير لينين طافياً على نهر الدانوب، في مشهد جنائزي مهيب، لنرى الناس تركض على الشاطئ وهي تتبع التمثال ثم تتوقف لتحييه عبر رفع قبعاتهم ورسم إشارة الصليب.

المشهد الرابع:

في فيلم “المرج الباكي” ترجع إيليني وزوجها آليكسيس إلى قريتهم بعد وفاة والد آليكسيس، ويرجعون إلى منزلهم لتستقبلهم في حديقة المنزل شجرة بها نعاج مذبوحة ومعلقة من أرجلها في أغصان الشجرة العارية الأوراق، فترتسم نظرات الرعب والفزع في أعينهم حين يرون هذا المشهد المفزع، ويرون أن في أسفل الشجرة بركة من الدماء.

ختاماً…

نرى سينما ثيو انجلوبولس وهي تحاكي واقعاً أليما، بصورة بصرية جميلة بحق، جامعة بين الألم والجمال، ممثلة بذلك توازن العالم بين هذه وتلك ، نرى سينماه وقد تجلت بمعاني فكرية عميقة حول الهوية واستكشاف الذات، مازجة ذلك بصورة وموسيقى وإخراج بديع ، هي وإن تحدثت مجملاً وبشكل مباشر عن اليونان وتاريخها وساكينها وتراثها، تستطيع أيضاً أن تصل رسالتها السامية إلى شعوب العالم بأسره، رسالة السينما التي تدعو إلى الحب وتقدير الجمال والعائلة والوطن ونبذ الحرب، إنها رسالة الإنسانية، هي إعادة إكتشاف الحياة بتحديقاتها وألحانها وأوجاعها.

 

0 2928 14 مارس, 2013 العدد الخامس والثلاثون, ثقافة وفكر مارس 14, 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.