عبير المعاني في قراءة كتاب الربيع العماني ج ٢

لـ

الربيع العربي

كتاب الربيع العماني

اعداد وتحرير سعيد سلطان الهاشمي بمشاركة عدد من الكتاب

الفارابي ٢٠١٣

اسم الربيع العماني والزمن والإهداء:

في تقديري أن اسم الكتاب: الربيع العماني جاء لأن أحداثه الهامة تدور في فصل الربيع العماني منذ نهاية فبراير وحتى مايو 2011، لذا فهو اسم فرضه الزمن، أكثر مما لو تم اختياره اختياراً من بين متعددات، ليس وقت الحدوث وحده، ولكن اللحظة العالمية كلها التي كانت في ربيع عالمي في ذلك العام، أطاح رؤساء وحكومات ودول. ولا يزال اثره مشتعلاً في البلدان القابلة للاشتعال الى اللحظة ولا زالت جمراته مرئية في بلدان اخرى تنتظر رائحة الغاز!

إذن هو ربيع مؤكد بأكثر من مرة ولن يكون اسمه المطبوع بالتالي إلا الربيع.

مع ذلك ينص كتاب الربيع العماني على التحفظ الذي تورده دراسة الدكتور المعتصم البهلاني عن دور الاعلام الالكتروني، وهو رئيس تحرير الفلق الالكترونية: أتحفظ على تسمية ما حدث في عمان بالربيع العماني، لأن الربيع له محدودية زمانية، وأفضل تسميته بالثورة لكونها باقية ما لم تتحقق أهدافها. ص189

بينما يتكرر ذلك التحفظ نفسه على لسان رئيس التحرير الروائي في الفصل المنشور من رواية (الذي لا يحب جمال عبد الناصر) في رواية سليمان المعمري لكن من جهة مختلفة: قلت لك ألف مرة ما اسمه الربيع العماني، اسمه الحراك ..الحراااك…. لا تطلع لي قرون من فضلك. ص284

يجمع إذن كتاب الربيع العماني مرايا متعددة للحظة الفاصلة والحساسة والهامة التي وقعت أحداثها في العام 2011م، ومرايا الربيع العماني ميزتها أنها مسجلة بأقلام عدد من أبرز الكتاب العمانيين والأكاديميين، عبر أقسام الكتاب المنقسم إلى دراسات وشهادات وملاحق تحوي الوثائق والصور عن أحداث ذلك العام الفيصل.

هل نستطيع القول اجمالاً إذن أن الكتاب هو: مفكرة الغضب العماني، الذي تفجر بعد وفاة الشهيد عبدالله الغملاسي، مفكرة تتيح إعادة النظر المستمرة إلى لحظة فاصلة ولدت في التاريخ العماني الحديث، وبالتالي إعادة قرائتها واستيعابها والاستفادة منها بشكل مستمر ومتجدد؟

على الرغم من صعوبة كتابة حادثة تاريخية معاصرة، لكن كتاب الربيع العماني يُـَـفصح من عنوانه الفرعي (قراءة في السياقات والدلالات) عن كونه قراءة تحاول أن تقرأ للقارئ الذي سيغدو بمقدوره أن يرى ويقرأ بها، في دفتي الكتاب، محصلة المواد المكتوبة التي تحاول أن تضيء بانصبابها على نفس اللحظة في الزمن العماني المعاصر 2011.

وبالتالي أن تستشف/ تشم المعنى والعبير من تلك اللحظة، وعبرها، في صيرورة الزمن وحركته العجيبة. وفصوله المتعددة.

وهذا ما يشير إليه معد الكتاب في المقدمة كهدف معلن: توفير مادة تتصف بتقديم قراءة حيادية وموضوعية –قدر الإمكان- ووصفية للربيع العماني في مختلف تجلياته ومظاهره. ص10

اذن فالكتاب عبارة عن نظرات من زوايا متعددة إلى لحظة زمنية، في ضوء الخلفيات المعرفية المتعددة التي تقف خلف المشاركين، والتي تبعث بهم إلى الإدلاء جماعياً بمحاولة لتفكيك اللحظة وتعريتها. من زوايا مختلفة. وبالتالي إعمال أدوات المعرفة في اللحظة نفسها والحدث، وكما في المقدمة أيضاً: بكلمة سوف يأتي الكتاب على مجمل أبعاد ومناشط الحراك العماني ولن يختزله في بعد واحد.. 12

إن النص كشف وسبر أمام القارئ وصورة موثقة لحدث الفتل الزمني المستمر الذي لا يتوقف، قد يبتلع النسيان صورة الحدث نفسها عام 2011م، أو قد تتحول مع الذبول والإهمال إلى نبتة شوهاء يابسة في الذاكرة الشفهية، تهبط بالمستقبل والماضي بدل أن ترتفع بهما، لكن قارئ الربيع العماني يستطيع أن يعثر على الحيوي في الحدث المؤكد في تلك اللحظة والأثر المتبقي والذي نستطيع أن نجرب اختصاره بقولنا أن العماني خرج للارتقاء باللحظة العمانية إلى أفضل ما يمكن، في الزمن.

لم تكن ردة فعل المجتمع العماني، في شبابه بالأخص، تجاه جريمة حدث سيلان الدم البريء في صحار باليد العمانية العويل والنواح، أو الانكفاء والرعب وتربية الغل والشحناء، بل كانت هبة جماعية للسمو ورفع منصة الوطن عالياً، عبر الإحاطة بالوطن. في الشارع. وتسمية الشهيد من أجل إشعال نور الوطن، لذلك إليهما يُهدي الكتاب نفسه كباقة ربيع، كما في الإهداء:

إلى شهيدي الربيع العماني: عبدالله الغملاسي وخليفة العلوي، إلى كل من اعتصم واحتج وتظاهر، إلى كل من ضحى من أجل وطن الحرية والحق والعدالة والإنصاف. مع الحب الأبدي..

حكاية عن الربيع الماضي

الربيع العماني كتاب، حدث في الماضي، والماضي نفسه ذهب، قام بما قام به وغادر، أدار دفة المركب وذهب، هزّ السفينة ومضى، بما هو ماضٍ؛ أما الحاضر فهو الذي يؤثر الآن، وبين الماضي الذاهب والحاضر الزاهب تختلف مواقع الأشياء، والبشر بما لهم من صفات الأشياء أيضاً. تختلف أمكنتهم: كتابة الربيع العماني 2011، المحكمة العمانية 2012، السجن العماني 2013م.

الكتاب نفسه ليس الحدث نفسه، كما أنه ليس من كتبه، الكتاب حياة مختلفة منفصلة، والسنوات كفيلة بالأعمار، وهي تحمل في طياتها أنباء المستقبل كاملاً، وما على الإنسان أن يراه في حياته؛ أما الكتب فهي أطول عمراً، أو بالأحرى متعددة الأعمار، مولودة بقدرتها الطبيعية على التناسخ، وكل نسخة من أي كتاب حقيقي تدوم مئات السنين، بقدر حاجة الزمن القارئ اليها. بعد أن يكون الجسد نفسه أصبح مجرد طيف وذكرى، يتبَقّى كتاب يحكي عن الربيع.

كتاب ام حكاية اعتصام؟

كتاب الربيع العماني أيضاً عبارة عن فسيفساء من الصور واللقطات المتعددة بأبصار متعددة لساحات اللحظة ذاتها: الاعتصامات؛ ألبوم مكتوب، ومصور.

عن الاعتصامات التي أشعل شرارتها سقوط الشهيد العماني يوم 26 فبراير 2011م حين التقى الشعب في الشارع تحت سقف ساحات وصف أحدها بدر الجابري في شهادته: ساحة الشعب سقف عال من الحرية يعانق السماء. 346 بينما كتب حال الجمع لحظتها الدكتور صادق جواد سلطان: من بعد التعارف اجتماعياً صار المعتصمون يتعارفون وطنياً، من خلال التكاشف عن عمق إحساسهم المشترك بضرورة أن تسود المواطنة المتساوية بين الجميع في الوطن. 16

وبين الاثنين يتوالى الكتابة عن تلك الاعتصامات والساحات التي انتشرت بعفوية وتلقائية في كل مكان عماني، الدكتور محمد المحروقي يكتب: أصبحت الإعتصامات روحاً عامة تدفع الصامتين، بالإكراه وبالاختيار، إلى نبذ الصمت والانطلاق في التعبير. 50

بينما الشاعرة فاطمة الشيدي تلتقط صورة المرأة العمانية في الاعتصام: العطر في موجبات الحضور: ..في بلد ذاهب في الصمت، إلا أن وجودها كان ملحوظاً ومميزاً وثابت الموقف والخطى. ص57

عن صوتها: رفعت صوتها عالياً رافضة كل من يريد الالتفاف على قضيتها بتحويلها إلى حالة شكلية من المظاهر والشعارات. ص58
عن طلبها: تطالب بقوة برفع كل أنواع التمييز ضد المرأة من العمق وبشكل نهائي، وليس في حالة من الشكلانية الاحتفالية الخارجية. مثل قانون الأحوال الشخصية. ص59
تكتب كيف واجهت المرأة محاولات حجبها في ساحة الشعب: كن كشوكة في عيونهم وأرواحهم وتعرضن لأكثر من عشرين محاولة للحجب والحظر .. رفعن صوتهن ب”لا” للانتقاص من حرية المرأة، إلا أنهُ لا حياة لمن تنادي، لذا قررن أن يتركن المكان لأهله من ذوي الخوف من الفتنة.
تشرح للقارئ بذلك كيف انتهى العطر: انتهى دور المرأة في الربيع العماني صمتاً وانسحاباً في مرحلة من الاعتصامات. 60
بينما يلتقط ناصر صالح الحرية المكتسبة من تلك الاعتصامات: لقد حررت الاعتصامات الفرد من مخاوفه كما أنها حررت السلطة من هواجسها وأوهامها الأمنية وهو ما أدى إلى انفراج الحالة السياسية المحتقنة ص69
ويشرح ناصر صالح كيف استطاعت الاعتصامات هضم الاختلافات الحادة: بعض الأطراف المتعارضة حدثت بينها بعض الأزمات في البداية لكن بدأت قيم احترام الآخر، وقبول الاختلاف والتعددية في الآراء والأفكار تصبح أكثر وضوحاً في الخطابات السياسية التي شهدتها ساحات الاعتصام.
بينما عن المرأة التي كتبت فاطمة الشيدي عن انسحابها يكتب ناصر صالح:
لقد أربك حضور المرأة الكثير من الرجال في ساحة الشعب، بين حضور المرأة كاتبة ومثقفة تشاركهم بفكرها ورأيها في المطالبة بالإصلاح والحقوق الوطنية، وبين الصورة التقليدية التي تطالبهم بغض البصر وتحاشي الحديث. ص76
في دراسة ناصر صالح نجد محاولة التقاط صورة متكاملة مبنية على جدليات تلك الاعتصامات، انطلاقاً من زاوية الجدل الفكري الذي أقيم في الاعتصامات حين تحولت الساحات إلى تظاهرات ثقافية للحوار: استقطبت جمهوراً كبيراً سواء من المعتصمين أو الزوار الذين صاروا يتوافدون إلى الساحة كل مساء للاستماع إلى خطاب سياسي وفكري مختلف ص77
هكذا صارت الساحات: تظاهرة ثقافية عامة للحوار والتنوير. ص78
ومن ذلك يستخلص ناصر صالح: بدلت الاعتصامات المشهد السياسي والثقافي في عمان بشكل جذري. 79
أما سعيد سلطان الهاشمي في دراسته فيكتب عن الذريعة الكبرى التي تم بموجبها ضرب فكرة الاعتصام: اتخذت الأعمال التخريبية الذريعة الكبرى لضرب فكرة الاعتصام ص144
بينما ترد صورة الاعتصامات كبرهان في شهادة الكاتب عبدالله حبيب المستخلصة من حوار أجراه معه معد الكتاب سعيد سلطان الهاشمي: ما فعله العمانيون في الاعتصامات هو أنهم قدموا برهاناً على نضج حقيقي ضمن ظروف صعبة جداً. 234
أما في قضية المرأة والحجاب القسري التي اشرنا لها فيرى حبيب بعينيه:
لقد مورست أقسى ضروب القهر عليها (المرأة) إلى درجة مصادرة الإنسانية من قبل بعض أجنحة الاعتصام في ساحة الشعب.. فقد استنسخنا أسوأ أشكال الاضطهاد التقليدية في المجتمع العربي، أنا لا أستطيع أن أنسى ولا أسامح ذلك 238
يسمي عبدالله حبيب الخيمة التي جيء بها لتكون حجاباً وخماراً: خيمة العار: الخيمة التي نصبت –للمفارقة- تحديداً وبالضبط عند المنصة التي يتم من عليها إلقاء الخطب والكلمات المنادية بالحرية، والعدالة، والمساواة. 238
هذا ما يجعله يسجل تحية لصورة المرأة المقاومة: أحيي هنا بصورة خاصة الحقوقية والكاتبة بسمة مبارك التي كانت تتصرف طوال فترة اعتصام ساحة الشعب وكأنها لا تعلم ما يحدث لفرط جرأتها، ووعيها، وإنسانيتها، ووطنيتها. 238

هكذا يبدي لنا كتاب الربيع العماني كيف أن قضية تحجيب المرأة في ساحة الشعب أخذت جدلاً واسعاً، لأنها كانت أزمة كشفت الكثير مما قد يُظن ظاهرياً في الحياة المدنية عدم وجوده، وكان ذلك الكشف والتعرية يتم في ساحات الاعتصام، التي كانت كأنها صورة بالأشعة الحية لعمان اللحظة.
تلك هي صورة من الأهمية الحقيقية للاعتصامات، ولعل تلك الأهمية هي ما حدت بالمثقف الجنوبي فهيم المعشني لمحاولة تأصيلها في الجنوب الأخضر: الاعتصام كثقافة ليس بغريب علينا في ظفار، حيث كان عندنا تاريخياً ما يسمى التعنيد، والتعنيد هي حالة اتخاذ موقف من النظام السياسي، معاندة الفرد للسلطة، كوسيلة رفض. 274
وتلك الأهمية هي ما ترصدها عين المثقف القارئة: لقد تحول الاعتصام بعد أسبوع في الميدان إلى اعتصام أفقي في كل بيت، وكل أسرة، وكل فرد وكل ساحة، وأصبح الجميع يتساءلون 248
وبالتالي يسجل فهيم أثرها في الوعي العام بدقة: إن 77 يوماً من الاعتصام المتواصل أحدثت وعياً جديداً وإدراكاً جذرياً بأهمية الإنسان وقضاياه 251
بينما يستخلص الشاعر خميس قلم دروس تلك اللحظة وذلك الفعل الجذري العام: لقد علمتنا الاعتصامات كيف نتحاور معاً، وكيف نتقبل اختلافنا، وكيف نوحد مساعينا من أجل المصلحة العامة، وأهم درس تعلمناه هو معنى الحرية. 342

كيف بدت صورة عمان ومن اين جاءت تلك النبضة العصبية بالحرية؟ هذا ما سنحاول قراءته في المحاولة الثالثة لهذه القراءة.

0 1571 25 مارس, 2013 العدد الخامس والثلاثون, ثقافة وفكر مارس 25, 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.