لحظةُ سقوط

لـ

لحظةُ سقوط

أعرفُ أنَّ الطلقةَ…
رعناءٌ حدَّ الموتِ
وميتةُ القلب
لا ترحمُ – في الحربِ – أباها
لكني…!
أسخرُ منها
وأمدُّ لساني – حين تمرُّ – بهزءٍ
أتحدّاها…
أنْ تغتالَ من القلبِ…
قصيدةَ حبٍّ…

عدنان الصائغ.

الله يلعنكم

الله يلعنكم

قتلتوه

الله يلعنكم

حملتْ الملائكةُ اللعنةَ من دوّار يحملُ فوق رأسه الكرة الأرضية بكل تعاساتها وأحلامها وطغاتها. سمعَ كلُّ من كان في هذه الكرة من بشر وحيوانات وجبال وصحارٍ ومياه وخيول وسفن راسية وأخرى مبحرة للمجهول، اللعنة التي ولدت هكذا – مصادفةً – في الشارع؛ ولدتْ في لحظة الدم .

توقف الزمن والبشر في هذه اللحظة. كلُّ من كان بالكرة شاهدوا الدمَ. كلُّ الجهات استيقظت للحظة السقوط. ومن بعدها ولدت اللعنة.

طائرٌ أبيض؛ أبيض بلون لحظة السقوط، أبيض بلون لحظة ارتفاع الروح إلى السماء. الطائر الأبيض الواقف فوق الكرة التي اهتزّت للحظة السقوط. راقب الوضع بقلق المشهد.

راقب الطائر الرصاصة المنطلقة من بندقية رجل الأمن؛ إلى قلب الشهيد. رصاصة القاتل. صرخ الطائرُ في وجه الرصاصة :

– توقفي قبل أن تستيقظ الكارثة.

كانت شحنات الحقد والكراهية والغباء كفيلة بأن تستقر الرصاصة في قلب الشهيد.

الدم والشارع وعينا الطائر الأبيض والكرة المثقلة بالدم حوّلتْ اللحظةَ إلى زمن ” اللعنة”. هذا الأبيض الواقف فوق هذه الكرة الدموية لم يحتمل الدم والرصاص ورجل الأمن. طفق بجناحيه بعيدا إلى سماء أكثر بياضا، وإلى أرض أقل قمعا ودما.

هـاجر الطائر الأبيض عبر البحر والمحيط مع رفاقه إلى سماء أخرى. من الأعلى الصافي الأزرق رأى دوارا مُحاطا ببياض الثياب وسواد الرصاص وبينهم جرى دم. الدمُ لم يفصل البياض عن السواد فقط. بل فصل بين زمنين من حياة البشر؛ بشر تلك البقعة المحيطة بالدوار. هاجر صامتا. في منتصف المسافة والرحلة؛ وبعد صمت طويل قال الطائر لرفاقه:

ـ ……

– حدثني أجدادي عن سلالاتهم عن كُتب الأرض والزمن ” أن الأرض التي كُنَّا بها؛ وهاجرنا منها، قد ارتوت من دماء بشر وسلالاتهم من دم الغزاة وأذنابهم ومن دم القبائل، ودم الحروب والهزائم والنصر”

-……

– حدثتني سلالاتي عن هجراتهم عن حروب وشهداء في بحار وصحارٍ وجبال تلك الأرض، وعن إعدامات وعن مقابر شهداء ومقابر غزاة. وعن سجون وعن سراديب. وعن ضباط شُقر وحُمر. عن عسكر ومعسكر. وعن شعب هُجن ضد نفسه وأحلامه. وعن مناضلين وخونة، وعن خونة باعوا النضال. واشتروا به ملذاتهم. وعن حروب قامت في الجبال، وعن جبال اغتسلت بالدم والبارود.

من دم هذه الجبال نبتت منافٍ وهجرات وحدائق من الندم”.

صمت الطائر الأبيض مرة أخرى. دفنَ الليلُ الطائرَ الأبيض ورفاقه.

*** *** ***

انتقلتْ اللعنةُ إلى القلعة الأمنية في العاصمة.

العاصمة الساقطة بين البحر والجبال.

العاصمة الساقطة بين الدم والندم.

العاصمة الساقطة بين سماء الله وأرض الطغاة.

في القلعة الأمنية اجتمع ضباط الأمن. أغلقوا الأبواب، أقفلوا النوافذ، حاصرتهم اللعنة، ودم اللحظة كان يتربص بهم. كان ساخناً، ويصرخُ على بوابتهم الكبيرة.

– أنا هنا . يسقط ُ ……

يسقطُ ……..

يسقط……..

في الاجتماع الأمني المغلق حاول ضباط الأمن وضع خطة محكمة الخيوط لمحاصرة اللعنة المولودة من الدم. اللعنةُ كانت تنتظرهم ساخنة وحارقة تحت قلعتهم ، قال كبيرهم – بكرشه المنتفخ ونجومه وسيوفه الرابضة فوق كتفه :

ـ أنا سأطهّر البلد من هذه اللعنة.

ـ هذه اللعنة مؤامرة خارجية، تحاول إقلاق راحة الشعب والمواطنين. هنالك أجندة خارجية لهذه اللعنة لتدمير منجزات البلد.

الله يلعنكم

الله يلعنكم

الله يلعنكم

قتلت……وه.

ارتجفت قلوب وأجساد الضباط، بال كبيرهم في سرواله الداخلي العسكري. احتاروا كيف أن هذه اللعنة ما زالت تطاردهم.

دخنوا، تناقشوا، شربوا، تناقشوا، صرخوا، هددوا، شتموا اللعنة التي تصرخ الآن في مرتفعات مدينة الإعلام. كل من كان في رابية مدينة الإعلام وما حولها سمعوا اللعنة تصرخ، ولكن فشلوا في وصف جسد هذه اللعنة. بعضهم رأى اللعنة تجتاز إشارات المرور في مدينة الإعلام، وبعضهم شاهدوها تغتسل من التعب على شاطئ الحب.

عجوز إنجليزية كانت تشرب قهوة سوداء في المقهى البحري عندما رأت اللعنة تمرُّ مسرعة قالت لابنها المدلل :

– الكارثة ستحلُّ قريباً.

وبالغ بعضهم أنهم شاهدوها تشرب قهوة ساخنة في أحد مقاهي شاطىء الحب.

بعدما غسل كبير الضباط الأمنيين بوله. قرر أن يبدأ بخطته للسيطرة على هذه اللعنة. وصل في مساء تلك الليلة إلى الدوار الذي ولدت منه اللعنة. عندما اقترب من المكان، ومن طائرته العسكرية رأى بشراً يهتفون، يصرخون. حدّقَ في الوجوه. سمع الهتافات. ارتفاع الصوت اهتزت الطائرة. استمع للصوت القادم من الدوار الذي يحمل فوق رأسه الكرة الأرضية سمع:

– يسقط…..

– يسقط….

– يسقط…

– الشعب يريد …….

ارتعب عندما سمع اسمه يتداول من ضمن الأسماء المطلوب إسقاطها.

ارتعب وارتجف واهتزّ كل جزء من جسد هذا الضابط الحامل كل النجوم والسيوف فوق كتفه. أمر الضابطُ الطيّارَ بالرجوع للقاعدة.

في القاعدة، بدأ يشتم اللعنة، ويصرخ، ويبكي.

عندما نزلت طائرة الضابط الكبير في القاعدة العسكرية. كانت اللعنة تقيم جنازة عابرة لدم الشهيد. أشعلت اللعنة عدة شموع للجنازة العابرة فوق البحر. كلُّ عشّاق شاطئ الحب شاهدوا جنازة الشهيد العابرة، ولكن لم يروا المشيعين بل شاهدوا الشموع ترافق الجنازة.

مرّتْ الجنازة بشوارع العاصمة الخالية من المارة. على طرف العاصمة كانت تنام مقبرة لشهداء. نامت اللعنة بالقرب من أرواح شهداء الجبال البعيدة. قبل أن تنام كانت تحدّق في سماء العاصمة. سمعت صوت الطائر الأبيض يغني بصوت حزين.

قامت اللعنة لتصلي ركعتين لدم الشهيد. في السموات البعيدة كان صوت الطائر الأبيض يموت حزناً. سقطت دمعتان من عينيها على الدم الذي سقط . وبكى الضابط على خيبة فشله.

من المجموعة القصصية عمامة العسكر

0 1229 07 أبريل, 2013 أدب, السادس والثلاثون أبريل 7, 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.