الحركات الإسلامية في عُمان قراءةٌ في معالم طريقٍ غامض ( 1)

لـ

نشرت هذه الدراسة التي كتبت في العام 2010 مؤخراً في كتاب الحركات الاسلامية في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2013.

مقدمة

لعب العامل السياسي الدور المحوري في تأسيس وتشكيل الدولة والمجتمع في عُمان. بل حددت السياسة وواقعيتها أشكال وأنماط  أنظمة الحكم على امتداد تاريخ هذا البلد المتموضع هلاليا على مجمل الجزء الشرقي من الوطن العربي.

فمنذ القرن الثاني للهجرة، الثامن الميلادي وهذه البلاد تعيش حراكا دؤوبا للبحث عن الصيغة المناسبة لاستقرارها ونمائها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. حيث شكل العام 132هـ/ 750م وهو تاريخ الثورة التي أشعلتها الحركة الاباضية على الدولة الأموية الإعلان الأول عن الإمامة المستقلة الأولى، والتي انتخب فيها الجلندى بن مسعود إماما للبلاد . أقول؛ مذاك وعمان في سلسلة من الأحداث الهادرة بالسياسة والتاريخ والجغرافيا؛ ففي العام 795م بدأت إمامة (بني خروص) والتي استمرت حتى 890م؛ حيث دخلت البلاد بعدها تحت حكم (النباهنة) لفترة امتدت 500 عام تم تداول الحكم فيها بالوراثة، حيث عانت عمان الكثير من النزاعات القبلية  كما تميزت هذه الفترة بالقوة والاستبداد؛ وانتهى حكم النباهنة بالحرب الأهلية؛ وتسببت في إيجاد فراغ في القوة استفاد منه البرتغاليون والذين بسطوا نفوذهم على ساحل عمان قرابة مائة عام. حتى جاء العام 1624م والذي تم فيه انتخاب إمام قوي وهو ناصر بن مرشد اليعربي والذي نجح في توحيد البلاد من جديد وطرد المستعمر الخارجي، واستمرت قبيلته (اليعاربة) في حكم عمان إلى العام 1719م بعدها دخلت البلاد في حرب أهلية أخرى بين الهناويين والغافريين مما أفسح المجال للفرس لاحتلال عمان؛ إلى أن  قام أحمد بن سعيد البوسعيدي والي مدينة صحار بطرد الفرس؛ مما شجع عدداً من العلماء من أهل الحل والعقد في ذلك الزمان إلى انتخابه إماما في العام 1753م؛ وبذلك بدأت سلالة جديدة هي (البوسعيد) في حكم عمان مستمرة حتى هذا اليوم بوجود قابوس بن سعيد سلطاناً على عمان منذ العام 1970م[1].

هذه الدراسة معنية بشكل محدد بتقديم مادة معرفية عن الحركات الإسلامية في عُمان تحديداً، وهي تعتمد منهجا وصفيا تحليليا؛ تحاول من خلاله تجنب التقييمات المعيارية والمقاربات الأيدلوجية بحيث توفر  قاعدة معلومات وصفية وسردية أولية، تفتح المجال لتثوير أسئلة ضرورية عن أعمال وممارسات هذه الجماعات وحواضنها الفكرية والسياسية والاجتماعية؛ والتي نعتبرها من مسؤولية باحثين وباحثات أكثر تخصصا وعمقا. سيسعون بلا تردد إلى إثراء وإضاءة هذا المجال بجهد موضوعي متصل مع تنامي رغبة المجتمع العماني والعربي عموما، وأفراد هذه الجماعات على وجه الخصوص، بوضع تجربة التنظيمات الإسلامية في عمان تحديدا تحت مجهر الفحص والتقييم والاستخلاص.

في المفهوم

عُرِّفت الحركة الإسلامية بتعريفات عدة؛ عبرت بعضها عن التطلعات والآمال العريضة لمنظريها، وعكست أخرى واقع تجربة حياة عاشها كل من انخرط في هذا العمل السياسي الشاق؛ حيث يعرفها الغنوشي بأنها “جملة الجهود الجماعية والفردية التي يقوم عليها عشرات الآلاف من الرجال والنساء المؤمنين برسالة الإسلام في كل أرجاء المعمورة من أجل هداية البشرية إلى الله]…[ على نحو يغدو معه النشاط الإنساني في كل جوانبه ينطلق ببواعث إسلامية متجهة إلى تحقيق مرضاة الله، وذلك عبر الكفاح المتواصل الفردي والجماعي]…[في طريق تجديد الحياة والفكر والسلوك، والسياسة والمجتمع والآداب والفنون” . ويحددها الشيخ القرضاوي: “بأنها ذلك العمل الشعبي الجماعي المنظم للعودة بالإسلام إلى قيادة المجتمع، وتوجيه الحياة كل الحياة” . وتسمى أيضا حركات “الإسلام السياسي” و”الأصولية الإسلامية” ولا تطلق التسمية على الجماعات الإسلامية التي لا تنشط في المجال السياسي مثل الصوفية أو الأحزاب التقليدية ذات الخلفية الإسلامية كما يشمل أيضا الجماعات الأكثر تطرفا وعنفا مثل الجهاد في مصر وجبهة الإنقاذ الإسلامي في الجزائر .

ويراها النفيسي بأنها “حركة بناء ديني؛ تزكية للفرد وتعبئة للجماعة، وهي حركة أصولية تجديدية وحركة تغيير اجتماعي تأخذ بأسباب التعبئة المنهجية والحركة المخططة في سبيل ترشيد حياة المجتمع”.

وخلاصة التعريف بالحركات الإسلامية أنها تلك الحركات التي تؤمن بتوظيف تعاليم الإسلام لكل نواحي الحياة وتتصدى لقيادة المجتمع وصولا للحكم، أو المشاركة فيه.

من ذلك يمكننا أن نوجز أهم سمات أي حركة إسلامية في أنها:

أ- تمتلك خططاً عملية: إذ لا تقتصر على الخطب والمحاضرات في المنتديات الفكرية والممارسات الخطابية والوعظية ، ولكنها تتجاوزها إلى العمل في الميدان، وعلى أرض الواقع .

ب- تكوينها ومنشؤها أهلي: وهذا ينافي ما تقوم به الحكومات من إنشاء للرابطات والمجامع الدينية التي تشرف عليها غالبا وزارات الأوقاف، فرغم الدور الديني الذي تقوم به، لكنها لا تشكّل مفهوم “حركة إسلامية”.

ج- تمتلك بنية هيكلية مؤسسية وتنظيمية: فالتنظيم ركن أساسي، وهو لا يتوافر في عمل المفكرين والوعاظ والخطباء.

د- تمتلك أطروحات فكرية وعقائدية : فالحركات الإسلامية تعمل في ميدان العمل الإسلامي ضمن طروحات عقائدية تحاول التأثير في كل نواحي حياة المجتمع من أجل إصلاحها وإعادة تشكيلها وفق المبادئ الإسلامية . يقول فتحي يكن : “هناك هيئات ذات اتجاه روحي محض، تعنى بالتربية الروحية وقد أسقطت من حسابها بالكلية الجوانب الأخرى ]…[ وهناك هيئات ذات اتجاه ثقافي نشأت في الأصل كردة فعل عاطفية ]…[ وهناك جمعيات ذات اتجاه خيري نشأت تحت ضغط الحاجة إلى إعانة البائسين وتأمين العلاج للمرضى والمحرومين ]…[ هذه الجمعيات وإن كانت تقوم بجهود مشكورة في نطاق ما ندبت نفسها له – وهو واجب إسلامي- إلا أنها تبقى محدودة في إطار ما قامت من أجله ]…[ إلا أنه عليها أن تمارس العمل الإسلامي الأصيل والمتكامل”.[2]

هـ- تمتلك نهجاً وطرحاً سياسياً: وهذا جانب مهم في التعريف “لا نستطيع أن نطلق كلمة الحركة الإسلامية إلا على الحركات التي تضع الدعوة والدولة في برنامجها، إن أية حركة لا تسعى من أجل الحكم؛ و(التغيير السياسي) أو لا تسعى من أجل شمولية الإسلام لكل الواقع الذي يعيشه الإنسان ليست حركة إسلامية في المصطلح وإن كانت نشاطا إسلاميا في الواقع”[3] .

حركات الإسلام السياسي في عٌمان لماذا..و متى؟

إذاً لماذا دراسة موضوع الحركات الإسلامية في عمان من عام 1970 وحتى 2010م  وفي هذا الوقت؟ . ثمة جملة من الدوافع شجعت الباحث على الاقتراب من هذا الموضوع رغم التحديات الكثيرة والصعوبات المتنوعة التي اكتنفت وتحيط هذا النوع من الموضوعات الشائكة والاشكالية في مجتمع محافظ، للسلطة المركزية فيه الكلمة الفصل، وللشخصية الفردية تحفظاتها المعقدة[4]. أضف إلى ذلك ندرة المصادر المكتوبة والمعتمدة لأي باحث موضوعي حريص على سبر أغوار هكذا ظواهر وتتبع تأثيراتها على الإنسان والمجتمع.

ولذلك تبرز مجموعة من الدوافع المتحدية لما سبق من عراقيل تستحق هذه الدراسة وتستوجبها؛ من ضمنها:

أولاً: أن موضوعها من الموضوعات السياسية المسكوت عنها؛ إما رهباً من سلطة، أو رغباً في تناسي الجراح من قبل منتسبي هذه التنظيمات، وبينهما عموم من الناس لا يعرف مع أي الفريقين الحقيقة.

 ثانياً: تحاول الدراسة رصد تفرد التجربة؛ فالحالة العمانية متفردة كونها تضم تنوعا وثراء مذهبيا من النادر أن تجده متعايشا بسلام، ويتمتع بهدوء نسبي على الأقل، كما أن فيه من الاحترام والتقدير ما هو لافت؛ فعمان تتميز بوجود مذاهب إسلامية عدة وهي: الإباضية والسنية والشيعية، قلما تجدها تتعايش تحت سماء وطن واحد في العالم العربي. والمهم أن هذه المذاهب الثلاثة تشاكل جميعها مع السلطة المركزية بطريقة أو بأخرى.

ثالثاً: تسعى الدراسة لأن تكون قراءة أولية لتأكيد حراك المجتمع في عمان وتفاعله الحي مع قضايا محيطه الإقليمي وعمقه القومي؛ رغم محاولات عدة لفصله عن ذاك العمق، وإعادة تشكيله فكريا وإجتماعيا بعد عقود من العزلة، والقطيعة المعرفية عن ما يدور حوله. والحراك المقصود هنا؛ مؤشر حيوية وأصالة؛ حيوية نابعة من طبيعة المكان العماني المفتوح على البحار والمحيطات الحاضنة للتبادل الحضاري على امتداد العصور. وأصالة منبعها الانسان العماني؛ المتشبث رغم التحديات بجذوره وأصوله، وحرصه على صياغة هويته الخاصة والتي لا تمثل أحداً إلا هو؛ الاسلام محوره، والعروبة روحه، والوطن منتهاه.

لذلك ليس بغريب على العمانيين وهم الذين اهتموا باكرا بالعلاقة بين الديني والسياسي؛ الاشتغال بإصلاح أنظمة حكمهم، والتمرد على كل فكرة تحاول أن تصيبهم بالجمود والتأخر أو حتى التنكر وعدم احترام خبرتهم التاريخية، وهم الذين خبروا تمدد دولتهم وما يحمله ذلك التمدد الامبراطوري من إيجابية في مجموع الخبرة السياسية وإدارة الحكم لاثنيات وأعراق وطوائف ومذاهب مختلفة. وما يصطحبه من انكماش أيضا عندما يرجع إلى المربع الاول من الموارد الطبيعية المحدودة أصلا؛ وما تثيره هذه المحدودية من صراعات وحروب وخلافات أرهقت البلاد واستنزفت طاقاتها زمنا ليس بالقصير.

إلا أنه على امتداد هذا التاريخ الطويل تكرست جملة من المبادئ الأساسية نرى أنه من المهم إيرادها ابتداءً  لأنها كانت المؤطرة لمجمل التطور السياسي  لعُمان:

  1. تأصل نظرية عمانية خاصة في الحكم: والتي بنيت على الإجماع والتعاقد من خلال آليات الشورى المختلفة. وهو خط مختلف عما كان سائدا في تلك الحقبة من التاريخ الإسلامي. كما قامت هذه النظرية على الكثير من الواقعية السياسية، والأسلوب العملي في التفكير؛ إذ إن تشكل وتكوين المذهب الأباضي كان سياسيا في الأساس وليس دينيا.
  2. تكريس البراغماتية السياسية كسلوك: والتي كانت تطغى على كثير من العوامل الفاعلة في المشهد الاجتماعي والسياسي العماني. وما تاريخ الإمامة وأنظمة الحكم في داخل عمان وساحلها، وتقلباتها في السلطة، وتقاليد السلالات الحاكمة منذئذ؛ إلا تأكيد على تفاعل الدين والقبيلة، وتأثيرهما على شكل البنى الاجتماعية، والاقتصادية، وأثرهما على تحديد آليات التعامل مع الظروف الإقليمية والدولية لتحقيق مكاسب الدولة أحيانا والأسرة أحيانا أخرى . فالسلالات الحاكمة الخمس التي أدارت الحكم في عمان خلال خمسة عشر قرنا (آل الجلندى، وبنو الخروص، والنباهنة، واليعاربة، والبوسعيديون) ومعهم المجتمع العماني المتنوع؛ كانوا على الدوام في سجال سياسي وعسكري أيهم أقدر على تحقيق المصلحة الوطنية. كما شكل مفهوم ( الوطن القبيلة) جدلية معقدة التركيب طغت على كثير من الحسابات المذهبية والتحالفات الداخلية والخارجية المؤثرة على مستقبل الوطن العماني.
  3. تأثير الهوية الجيوسياسية: وهي ما تتضح جليا في انعكاس الجغرافيا، والتنوع في التضاريس والبيئة (البحر، الجبل، الصحراء) على ثقافة أهل البلاد والتي تميزت بالثراء في أوقات الرخاء والحرب على السواء. كما حفزت تلك الجغرافيا العمانيين على تشكيل أحلامهم وتطلعاتهم السياسية، طولا على امتداد البحار التي احتضنت سفنهم، وعرضا في الداخل القديم والمعقد والعميق لشخصية الانسان والمكان العمانيين. الأمر الذي حمل الإنسان في عُمان إرثاً كبيراً، لا يمكنه أن يتغافل عنه عندما يتطلع إلى وطن الغد. إن التاريخ العماني مليء بالثورات، وأنواع العصيان والتمرد؛ منها ما هو حب شخصي للزعامة والرئاسة  في شقه القبلي كما تعكسه حروب “الهناوية والغافرية”[5]، أو بين الأخ وأخيه كما حدث بين سيف وبلعرب بن سلطان اليعربيان. ومنها ما هو لتحقيق أهداف ايدولوجية عقائدية كما  حدث  مع الإمامة الأخيرة (غالب وطالب الهنائيان) ضد نظام السلاطين آلبوسعيد، و الشق الثاني من ثورة ظفار1968—1975 المحملة بالايدولوجيا الماركسية اللينينية). ومنها ما هو مسعىً نبيل لرفع ظلم، واستنصاراً لحق، وتقرير مصير، ومثالها الأبرز: ناصر بن مرشد وحركة التحرر من البرتغاليين 1624، و أحمد بن سعيد وطرد الفرس 1744،  والشق الأول من ثورة ظفار 1956-1967م[6].
………………………………………………………………………………………………….

[1] رغم أن البوسعيد دفعت بهم الإمامة وتقاليدها السياسية لحكم عمان إلا أن الحال ما لبث أن تغير بسبب الانشقاقات والخلافات الداخلية داخل الأسرة نفسها؛ كما شكل تحالف  فرع سلطان بن أحمد بن سعيد مع البريطانيين نقطة خلاف وافتراق كبيرين أدخلا البلاد في صراعات بحث دؤوب من قبل قيادات القبائل عن إمام ذي مواصفات مقنعة للناس مما انعكس حروبا أهلية طاحنة أنهكت الدولة والمجتمع و لم يخفت أوارها إلا في النصف الأخير من فترة حكم السلطان سعيد بن تيمور( حرب الجبل الأخضر في خمسينيات القرن العشرين). وفترة السلطان قابوس هي الفترة التي يمكن أن أطلق عليها العصر الأطول استقرارا وهدوءا للوطن العماني الذي عانى الكثير من التمدد والانكماش.انظر: عبدالله بن حميد السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان،مطبعة الإمام، القاهرة، بدون سنة طبع. وأيضا: جون ولكنسون، الإمامة في عمان، ترجمة الفاتح حاج التوم وطه احمد طه، مركز الوثائق والبحوث، ابوظبي،ط2،2007. وكذلك، حسين غباش، عُمان: الديمقراطية الإسلامية تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث (1500-1970)، دار الفارابي، بيروت، ط3،1999.
[2] فتحي يكن: “ماذا يعني انتمائي للإسلام”، ط17، 1991، مؤسسة الرسالة – بيروت، ص 132-133.
[3] حسين فضل الله: “خطاب الإسلاميين…”، م. س. ص21
[4] جميع المقابلات الشخصية التي سيجدها القارئ الكريم في هذا البحث، بدون أسماء وذلك لاشتراط الفاعلين في هذه التنظيمات على عدم ذكر الأسماء والمراتب التنظيمية.
[5] دخلت عمان حربا أهلية قبلية طويلة بين حلفين قبليين كبيرين أطلق على احدهما الغافرية وعلى الآخر الهناوية؛ وهما تشكيل متنوع من القبائل العمانية.
[6]  انظر لمزيد من التفاصيل: سالم بن عقيل مقيبل، عمان بين التجزئة والوحدة 1913-1976، المركز الدولي للطاقة الحيوية، القاهرة، 2007، ص15
0 3014 04 مايو, 2013 العدد السابع والثلاثون, سياسة مايو 4, 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.