المستشار عبد الجواد يس: الأخلاق الكلية هي القانون الإلهي الوحيد، الجزء الثاني (الدين والتدين)

لـ


– الدين والتدين

خميس العدوي: نحن في انتظار صدور كتابك “الدين والتدين”، وما تفضلت به خلال محاضرتك [في النادي الثقافي بسلطنة عمان] من طرح هو نافذه صغيرة، لن ترينا النظرية كلها إلا إذا فتح الباب كما يقال على مصراعيه، بمعنى الاطلاع عليها مكتوبة، وكما تفضلتم أنها ستكون في كتابين، ولن تكتمل الرؤية إلا بعد رؤية الكتابين، الطرح الذي تفضلت به؛ هناك من رأى أنه حراك مطلوب، وجاء في وقته إلى الساحة الإسلامية، وهناك من يبدئ عكس ذلك، وهذا شيء طبيعي، لكن بدون الدخول في تفاصيل النظرية ذاتها، ما الجديد الذي ستضيفه هذه النظرية في السياق المعرفي، وقد بصمتُ بالعشرة أن كتابك “السلطة في الإسلام” أضاف الكثير جداً، وبدأ يأخذ تأثيره في المجتمعات العربية بتفوات، وبدأتَ تؤثر بمشروعك “السلطة في الإسلام”. والآن مشروعك “الدين والتدين”؛ نريد منك معرفة ما سيضيفه في الساحة بدون التطرق إلى التفاصيل.

عبدالجواد ياسين: أترك الإجابة عن هذا السؤال للقارئ، فهو الذي يستطيع أن يشير ما هي الإضافة، لا أزعم أن لي الحق بالاستباق في تقييم العمل قبل أن يقرأه القارئ، هذا من حيث المبدأ.

إنما المسألة –ببساطة شديدة– أننا نفرق بين الدين والتدين، نقول إن ما عليه الناس حالياً هو التدين وليس الدين، وأن التدين مصدره التاريخ الاجتماعي كله، ولذلك حين نقول بقابلية التدين للتغيير ليس معناه قابلية الدين للزوال أو التغيّر، ونقول إن الدين هو الإيمان بالله والأخلاق، في أصله الجوهري، ولكن الدين أيضاً يضاف إليه عوامل أخرى، كلها مصدرها الاجتماع، لأنها في واقعها هي تجليات الإيمان بالله والأخلاق في الإنسان، وبالتالي الحديث في التشريع هو حديث عن معطى قابل للتغيّر، لأنه يتعلق بقواعد وفرعيات هي بطبيعتها قابلة للتغير، فهذا هو مجمل الرؤية المطروحة.

والقول بأنه يجوز تغيير القوانين، والنقاش حولها عندما يتغير الاجتماع، ليس معناه المطالبة الآن بالتغيير، وإنما معناه أنه عندما يقتضي الاجتماع نتيجة للتطور يحصل التغيير، لا أقول إنه لابد من التغيير، بل أقول سيحدث التغيير، سواء قلنا ينبغي أو لم نقل ينبغي، ومعاندة ذلك والإصرار على أن الدين كله مطلق إلهي، يعرض مصداقية الدين للخطر، لأنه سيصدمه سؤال التاريخ المتكرر؛ وهو التطور، وأحياناً إصرار العقل المسلم على ربط القضية بتفصيلاتها الفقهية –وأنا أدرك هذا– معناه تعجل شديد في الحكم على المسألة، وعدم النفاذ لكنهها، أنا أتكلم عن الروح العام الكلي، ولا أتكلم عن الإسلام ولا عن ديانة بعينها، إنما أتكلم عن الدين والتدين، أتكلم عن الدين مطلقاً، أرجو أن يرتفع الحوار لرؤية ما أريد قوله، لكي لا يتم إلباس القضية وحشرها حشراً في مصطلحات الفقه الضيقة، التي هي درجة أدنى من القانون، وبالتالي هي أوضح قابليةً للتطور، مصطلحات الفقه ليست ملزمة لي ولا لأحد. أتكلم في المفهوم الكلي، فالدين سابق عن الفقه، وسابق عن قضية الإسلام أيضاً، أتكلم عن الدين؛ نتكلم في هذا الإطار قبل أن نتكلم عن التفاصيل.

ما هي علاقة الدين بالاجتماع؟ سؤال واضح جداً، وبالتالي نقول إن التشريعات –الشق التشريعي على الأقل– لا تنتمي إلى جوهر الدين.

خميس العدوي: رغم وجود التشريع في النص المنزّل من عند الله؟.

عبدالجواد ياسين: رغم وجوده في النص المنزّل من عند الله، لأن تبني النص للتشريعات هو تبني لخيار اجتماعي، وهو لا يمكن إلا أن يكون كذلك، لأن الإنسان مخلوق إلهي، والاجتماع ذاته مخلوق اجتماعي، ولا يوجد خوف إلا على سياقات منظومية تاريخية، وإنما إذا كنتَ منتمياً لله فما الذي يخيفك، ولنتناقش ما هو من عند الله، وما هو ليس من عند الله، هذه هي كل القضية، ليس أقل ولا أكثر.

– النسخ في النظريات

خميس العدوي: في كتابكم “نظرية السلطة في الاسلام” طرحتم قضية الاكتناز في النص وحينها –حسب فهمي– قلتَ: إن النص القرآني مكتنز لما يمكن أن يفعّل الحياة في كل زمان ومكان، وقادر أن ينسجم مع التطور. وكما كنت تشير فيه أن الله منزل القرآن عالم بطبيعة تقلباتنا في الحياة، وهو عالم بقانون التطور. اليوم أنا أفهم من كلامك أن هناك نصوصاً منزلة من الله، إلا أن السياق الاجتماعي تجاوزها، هذا يستتبع أن هذه النصوص فقدت خاصية الاكتناز، وبالتالي أخرج من هذا بمفهوم عام أن نظرية “الدين والتدين” ناسخة –بالمفهوم الفقهي– لنظرية “السلطة في الإسلام”.

عبدالجواد ياسين: تعبير جيد، أنت تقول إنها ناسخة. هي بالفعل ناسخة، ولكنها ناسخة جزئياً، لأني أدرك أن عباراتي في “السلطة في الإسلام” تعطيك الحق في هذا الفهم، تعطيك الحق في فهم خاصية الاكتناز بأنها تتعلق بالنص القرآني كله، أياً كان، سواء يعالج المطلق أو يعالج التشريع، ما أقوله إن خاصية الاكتناز تتعلق فقط بالمبادئ الكلية وليس بالتكاليف التشريعية، فعندما يأتي حكم يتكلم عن الظهار، فهذا حكم تكليفي، ليس فيه أي اكتناز، لأن أصل الظهار ذَهَبَ، والمسألة ممعنة في المحلية والآنية، عالجها النص لكونها موجودة بين الناس في ذلك الزمن، ولم يكن يقصد النص إطلاقاً أن يجعل من الظهار ديناً متواصلاً في التاريخ أبداً.

فالحديث عن الاكتناز يظل قائماً، وأنا توقعت هذا السؤال، وأن القيم الكلية للأخلاق هي القانون الوحيد الإلهي الذي يتصور صدوره من الله، لأنه القانون الوحيد الذي يمكن تعميمه على البشر في الزمان والمكان؛ ولكل اجتماع، وهذا دليل أنه فوق الاجتماع، هذا دليل عندي على أنه قادم من خارج الاجتماع، ولو لم يكن قادماً من خارج الاجتماع لكان تغيّر، والتغيّر على شقين؛ إما بالتعدد أو التطور، وكونه كذلك دليل على أنه فوق الاجتماع، وقادم من فوق الاجتماع، إذاً القانون الوحيد الذي يصح وصفه بأنه قانون إلهي هو الأخلاق الكلية، لأن الأخلاق لا تتطور ولا تتعدد، ولذلك هي التي تحمل صفة الاكتناز، لأن تجليات الأخلاق في الواقع هي التي تتمدد. هذا الواقع متغير، في الاجتماع، من زمن لآخر، ومن بيئة لأخرى، على مستوى الإيكولوجيا الطبيعية، وعلى مستوى العلاقات الاجتماعية، وعلى مستوى العلاقات الاقتصادية، وعلى مستوى الثقافة، كل تغيّر يعطي لِكُنِهِ الأخلاقِ الواحدِ تجليات، وأنا أسميها تمثلات الأخلاق في المجتمع، ولذلك أسمي الأخلاق قانون القانون، هي القانون الذي تأخذ منه القوانين الإلهية، والمفروض في القوانين الإلهية التي تعالج الاجتماع أنها لا تتناقض مع الأخلاق؛ مع القانون الكلي، وفي نفس الوقت تعالج اجتماعيات قابلة للتغير، والاجتماعيات القابلة للتغير هي القوانين التفصيلية مثل الظهار، هي ليست أخلاقاً وليست قانوناً كلياً، إنما هي قانون اجتماعي فرعي متعلق ببيئته، لذلك فالقول بتعميمه وأنه تشريع مطلق إلهي، إذاً أنت تقول أولاً أنه أزلي وثانياً أبدي، أزلي بأنه قديم بقدم الله، ولا يتعدد، لأنه وفقاً للمنطوق الكلي لدينا شريعة التوراة ولدينا شريعة القرآن، فكيف يتزاحم في الأزل شريعتان، والاثنتان من عند الله.

خميس العدوي: بالنسبة للمسلم التوراة محرفة، لعلها في الأصل هي كالقرآن ولكن لحقها التحريف، إذاً لا نستطيع القول إنها في الأزل متزاحمة.

عبدالجواد ياسين: القرآن الكريم نفسه يعترف باختلاف الشرائع، اعترف باختلاف شريعة التوراة عن شريعة القرآن، وقال: ((وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ))، والحكم مسند إلى الله وهو حكم التوراة، وأن يحكموّك بغرض غير غرض الفتوى، وقد ذكر القرآن كيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله، وبعدها قال: ((وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ))، ثم قال: ((وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)) يوجد اختلاف في التشريع، ومعنى ذلك بوضوح شديد سببه أن هناك اختلافاً في الاجتماع، وإلا لكانت القضية قضية عبث، كأن إرادة الله تريد أن تغيره دون مقتضى إلا لمحض الإرادة.

– لماذا انقطع الوحي

خميس العدوي: لماذا انقطع الوحي؟.

عبدالجواد ياسين: أتصور أن لكل سؤال إجابة؛ هو ذاته محل سؤال، والأسئلة سهلة، ولكن ليس كل الأسئلة في متناول عقل الإنسان، حكم النظام العقلي أنه جزء من الإنسان ولا يستغرق كينونة الإنسان، النظام العقلي له متطلبات منها بالفعل أنه يحب الإجابة على كل سؤال.

أنا أستطيع أن أرى في انقطاع الوحي ما يؤيد فكرة أن الدين هو الإيمان المطلق، وفي النهاية أن الإنسان يهتدي بهدي الله وفق الأخلاق الكلية، ثم يمضي في طريقه في الحياة، ويأخذ على هذا الهدي طريقه اليسير في الحياة. وأنا أرى أن هذا يشهد على ما أتكلم عنه، بأن الدين هو الإيمان بالله والأخلاق، وربنا سبحانه وتعالى في القرآن يتكلم عن جوهر الدين فقال: ((إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ))، الإيمان والأخلاق الثابتة، ((وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)) المشترك في كل أمة هو الإيمان بالله والأخلاق، القرآن بنفسه يشهد بذلك، ولكن إذا جئنا وتكلمنا عن التشريعات، هل قال: ولقد بعثنا في كل الأمم الشريعة ذاتها؟ أم قال: ((لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً))، إذاً تعدد الأديان هو تعدد في أنماط التدين، ناتجة عن المصادرات الكلية الثلاث التي تكلمت عنها، أن الإنسان هو موضوع الاجتماع، وأن الإنسان هو الذات التي تتدين بالتفاصيل التي ذكرناها.

0 2683 06 مايو, 2013 العدد السابع والثلاثون, ثقافة وفكر مايو 6, 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.