عبدالله، أكثر من ثلاثين سنة

لـ

أن تكون شخصاً ممن يعرفون عبدالله حبيب فأنت شخص سعيد ومحظوظ.  أن تكون ظروف حياتك قد ساقتك إلى دروب تشاركت في سيرها مع رجل كعبدالله حبيب فهي دروب قَلَّ أن تجد فيها صاحباً أرقُّ، وأحنُّ، وأوفى من عبدالله حبيب.  في عينيه صفاء البحيرات، وصخب الشلالات، وأنين النَّايات.  نظرته تغنيك عن الأسئلة، وتصدُّ فضاء الاحتمالات.

عبدالله حبيب إنسان إن جالسته أمتعكَ بحلو حديثه، وقدرته على اقتناص الفرحة من أعماق الحزن.  وإن اسودَّت الدنيا في عينيك أضاء جنباتها بزيت قنديله الفيَّاض، وأشاع في نفسك أملاً ودفقاً يعينك على تحدي الصعاب.  وإن شعرت ان المسار قد تاه منك رأيتَه يعرف مواضع الخطو ومسالك الدروب.  وإن بلغ بك اليأس حد الانهيار انبرى ليذكِّرك أن الحياة أمل.

عبدالله حبيب شخص لا يهادن في الحق والمبادئ،  ولا يساوم في ما يساوم فيه غيره، فهو مُدافع شرس عما يؤمن به.  لقد نذر نفسه لِقِيَمِه ومبادئه.  وللوطن — بتاريخه، وناسه، ومستقبله – حيّز يحتل مساحة كبيرة من دوره في الحياة.  يحلم أن يكون هذا الوطن مستَقَرَّاً للجميع، يسوده العدل، والحرية، والكرامة؛ فالوطن له مكان مقدَّس حَرِيٌّ به أن ينذر نفسه فداءً له.  وذاك لعمري قمَّة الإيثار.

أُناس بهذا الوعي لدورهم في الوجود قلَّ أن تصادفهم في حياتك.  إنهم – وعبدالله أحدهم – ممن يبذرون في النفوس الأمل في زمن باتت فيه مواقف المخلصين أندر من ماء القفار.

أن تكون قد عرفت – ولا تزال تعرف – رجلاً يسمى عبدالله حبيب فأنت بذلك قد اقتربت إلى نماذج من البشر صفاتهم السماحة، والبشاشة، والسمو، والإخلاص، والانغماس في ما استقر في وعيهم حدَّ التّوحد.  إنه مزيج فريد قَلَّ أن تجد له نظيراً في زمن بات يحاصرنا بكل سيئاته.

عبدالله حبيب إن ضحكَ خرجت ضحكته صافية رقراقة تحيل الهجير إلى نسمات، وإن استبدَّ به الوَجْدُ ذاب فيه، وإن فرضت عليه الحياة الإيثار تماهى معه حد الفناء، وإن ارتدَّ إلى دواخله وعايش أحزانه فكأنما العالم قد استحال إلى أتون لا قرار له.

هذا الإخلاص العجيب لتلاوين الحياة ، بقدر ما يدهشك، فإنه دلالة على صدق معاناته، وعمق وعيه وإخلاصه، وانحيازه لقيم الخير.  وعلى الرغم من معاناته من ذلك كله إلا إنه يبقى كطائر الفيينق؛ يخرج من رماده عملاقاً بكل جرأة الواثق، وإصرار الواعي، وحزم المتيقن.  هو إنسان يبث الدفء في أوصال باردة، وينعش نفوساً هلهلها اليأس، ويصبُّ في سمع المحبَطين تباريح الأمل، والانعتاق، والوثوب.

عبدالله حبيب إنسانُ مواقف.  إنه يستجيب للأحداث الجِسام سياسية كانت، أم اجتماعية، أم فكرية بكل جرأة وشجاعة؛ فهو لا يكتفي بأن يكون على هامشها، بل انه باعتباره مبدعاً تراه صارخاً حيالها، منغمساً فيها، لا يرتضي إلا أن يكون في صميمها، والشواهد على ذلك لا تعدُّ.

هو مبدع مدرك لدوره، لم يتخذ من مَلَكَة الإبداع أداة تَعَالِ وتميّز عن الآخرين؛ وإنما بجماليّات الشِّعر، وحلو النثر، ودقّة البحث، وصدمة اللقطة السينمائية حمل رسالته التنويريّة.  وعلى جناحي هذه المَلَكَة طار إلى آفاق رحبة وسّعت من مدى رؤيته وطوّعها أداة قادرة على إيضاح الحقيقة ورسم ملامح الطريق.  إنه يعي أن المبدع أقدرُ من غيره على إدراك عِبَرِ الماضي، والتَّحقُّق من الحاضر، واستشراف المستقبل.

هكذا وجدنا عبدالله حبيب مشاركاً حقيقياً في الحراك الاجتماعي، والسياسي، وفي الفعل الثقافي؛ فهو لم يكتفِ بالتنظير والمشاركة من بُعد، وإنما خاض المعترك بين أهله وناسه، معتصماً، ومحدِّثاً، وشارحاً متيقناً من دوره — دوره بصفته إنساناً أولاً، وباعتباره مبدعاً ثانياً– في سبيل أول أرض مسّ جِلدُه ترابها.

حين ألتقي عبدالله حبيب ينتابني شعور بالرضا والدّعة.  ذلك هو ما أشعر به دوماً.  وهو ذات الشعور الذي غمرني في أول لقاء بيننا.

بِضعٌ وثلاثون عاماً قد مضت منذ أن التقينا لأول مرة.  ومنذ ذلك اليوم لم تخالجني إلا تلك المشاعر التي نَمَت واتّسعت بِعَدَد سنيننا الماضيات.

ضمّني وعبدالله حبيب حين كان مقيماً في الإمارات في بداية الثمانينيات جَمْعٌ طيّب.  كان عبدالله شاباً يافعاً، نحيلاً، يرتدي “كُمّته” العمانية، يدخِّن كثيراً، منصتاً جيداً لما يدور من أحاديث.  وقد بدا تميّزه جليّاً عندما يبادر بالحديث.  كان دقيقاً في كلماته، وينتقي دلالاتها بوعي العارف لما يقول، ولا يحتاج الأمر إلى كثير عناء لاكتشاف سريرته؛ فقد كان وضوح الرؤية جليّاً من خلال حديثه، والتصاقه بقضايا وطنه بَيِّنا. كان سلساً في التعبير على الرغم من صغر سنّه، وأنت تخاله أكبر من ذلك بسنوات.

عبدالله حبيب، ومنذ الوهلة الأولى بيننا، أخذني إلى فضاءات جميلة؛  فهو مزيج من الدّعة، والفكاهة، والتّوثب، والقلق، وحزن قديم ساكن في عينيه.  هذا التناقض المتآلف في شخصيته يدفعك إلى الهجرة إلى محراب هذا الكائن المتفرد المسكون بالأسئلة، والمحرِّض على الاكتشاف.  إنك أمام شخص ليس ككل الأشخاص.

عادة ما يلتقي البشر لتبدأ رحلة الاكتشافات الأولى، فإما تواصل أو افتراق.  إلا أن عبدالله حبيب، بالنسبة لي، ومنذ البداية، كان حالة واضحة، وصافية، وليس عليك إلا البناء عليها للبدء في نسج علاقة إنسانية سامية، وهذا ما كان بيننا.

منذ لقائنا الأول، وفي كل مرة يتجدد فيها لقاؤنا، أرى عبدالله أخاً وصديقاً كعهدي به دوماً؛ يسير في خط مستقيم متصاعد نحو ذُرى أكثر رفعة وسموّاً، فدروبه تفضي إلى السَويّة.  لم توهنه الانكسارات، ولم يَحِد يوماً عن طريقٍ رسمه بوعيه، على الرغم من إغراءات الحياة ومعاناتها.  بل انه في سبيل ذلك قاسى من ضروب التهميش والأسى مما لا يحتمله إلا من كان صلباً اختطّ لنفسه دوراً فاعلاً.  حاد عن الطريق من حاد، وبرّر سلوكيات خاطئة من برّر، وظلّ عبدالله حبيب على الرغم من الخطوب، ، والإقصاء، قابضاً على الجمر، صامداً وجلِدَاً، ماضياً في طريق يعي وعورته جيداً.

لم يلعق عبدالله مرارة الانكسارات، ولم يستكنّ لبؤس الارتدادات، بل ثابر ليؤسس لنفسه منهجاً معرفيّاً، وليصقل مَلكته الإبداعية كي يبني عليها وثبة الانطلاق.  لم يأنس لرغد التحولات الماديّة، ولم يركع لطراوة العيش الهامشي في مجتمعات لوّثتها الوفرة، ولم يدَع يده تمتدُّ لتصافح المتقاعسين.  ما فعله هو انه ارتحل وفي قلبه غصّة الفراق ليرتوي من معين المعرفة والعلم، ثم ليعود فاعلاً ومُدَلِّلاً على ان الصدق، والنبل، والتفاني لا بد أن يأتي من يقدِّرُه مهما طال الزمان أو قصر.

الحبيب جداً عبدالله:  في سانحة تكريمك اسمح لي أن اقول لك ان هناك أُناساً يجعلون العالم أكثر ألقاً لمجرد وجودهم فيه، فشكراً لك أن أتحت لي فرصة معرفتك، وشكراً إذ ارتضيتني أخاً وصديقاً، وشكراً أن منحت لي في قلبي نافذة تطلُّ على البهجة.  نسيج أُخُوَّتنا الذي حِكنا خيوطه سويّاً سيظلُّ يُظلّلُ أيامي القادمات.

 شكراً لك مرّات، ومرّات، ومرّات.

 

 

0 1598 07 مايو, 2013 أدب, العدد السابع والثلاثون مايو 7, 2013
Avatar

عن الكاتب

*دبلوماسي وبرلماني إماراتي سابق، مؤسس مجلة "الرافد" الثقافيّة.

عرض كل المواضيع التي كتبها عبد الرحمن حسن الشامسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.