عبدالله حبيب القابض على رماد الفقد وجمر المعرفة

لـ

لا أعلم كم من السنوات انقضت حين التقيتُ عبدالله حبيب أول مرة.  لكن هذا حدث في ذات دورة من دورات تسليم جوائز سلطان العويس الثقافية في أحد الفنادق الكبيرة في دبي (لم أعد أذكر أيها كان) حيث كان عبدالله معية سماء عيسى جالسَيْن في بهوٍ مجاور للقاعة التي جرى فيها الحفل بعد انتهائه، حين قدمتني إليهما صديقتنا المشتركة الإعلامية الإماراتية موزة مطر.  كنت أعرف الاثنين، عبدالله وسماء، من واقع قراءتي لما ينشرانه في الصحافة الإماراتية، وقد كانت مجلة “الشروق” التي تصدر من الشارقة أحد المنابر التي قرأت لهما فيها، شأنها في ذلك شأن الملحق الثقافي لجريدة “الخليج”

انعقدت بيني وبين عبدالله صداقة توطدت مع الوقت، حيث تكررت لقاءاتنا في الشارقة التي كنت فيها أقيم كلما جاءها عبدالله في طريقه إلى مسقط أو البريمي قادماً من الولايات المتحدة الأمريكية أو عائدا إليها في فترة دراسته هناك.  وفي الشارقة ضمتنا وصحبة من الأصدقاء الأعزاء سهرات وجلسات ممتعة لنكتشف كم كنا – أنا وعبدالله — قريبين في النظر للأشياء من حولنا.  كان عبدالله ينشر في مجلة “الرافد” التي رافقتُ صدورها وتطورها في سنواتها العشر الأولى حيث عملتُ مديراً لتحريرها معية صديقنا المشترك عبدالرحمن حسن الشامسي الذي كان، يومها، مديراً عاماً لدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، ورئيساً لتحرير تلك المجلة التي تُصدرها الدائرة.  ذهب عبدالله إلى الولايات المتحدة لمواصلة دراسته، ومن هناك كانت بيننا مراسلات واتصالات، ولا زلت أعتز كثيراً بتعليقات مضيئة كان يرسلها لي حول بعض ما أكتبه في زاويتي اليومية في جريدة “الخليج”.

كان الشغف بالسينما هو الطاغي بين اهتمامات عبدالله.  قلتُ له ذات أمسية في الشارقة:  “لماذا لا تواصل دراسة الفلسفة”؟، والتي كان عبدالله قد جعل منها تخصصه الرئيسي في دراسته الجامعية الأولى، وعياً منه، في ما أظن، بأن الفلسفة لا تترك منطقة في الدماغ عاطلة عن العمل، حيث انعكس تحصيله الأكاديمي على مجمل نتاجه الإبداعي والبحثي عمقاً وثراء.  كنت أجد في عمق إطلاعه، وسعة ثقافته، ومتانة تأسيسه الفكري ما يؤهله لأن يكون اسما مهماً في تدريس الفلسفة، ومساهماً في تأصيل تقاليد لها في بلده عُمان وفي منطقة الخليج، وأذكر أني كنت أكرر له كم ينقص جامعاتنا أساتذة فلسفة بنباهتك وسعة معرفتك.  كان اعتقادي متمحوراً حول مستقبل أكاديمي ينتظر عبدالله حين يعود إلى عُمان مدرساً لمادة الفلسفة في الجامعة، فعلى سبيل المثال استوقفني شغفه بنيتشه.  بيني وبين نفسي كنت أتساءل كيف لمثقف مثله مأخوذ بفكرة التغيير أن يكون شغوفاً بنيتشه، الذي جرى النظر إليه في تاريخ الفلسفة الألمانية بصفته فيلسوفاً مُمجِداً للقوة، مما حدا بخصومه لاعتباره أحد من مهدوا، من حيث أراد أو لم يرد، لفكرة النازية.  ولكن بشيء من النقاشات أدركتُ أنه ليس بوسع مثقف جاد مثل عبدالله أن ينجو من شرك نيتشه؛ فمن موقع الاتفاق أو الاختلاف لا يصح نكران  أنّ صاحب “هكذا تكلّم زرادشت” يبدو من أكثر الفلاسفة قربا من قضايا زمننا المعاصر.  في مؤلفاته يمكن أن نعثر على دروب تقودنا إلى التبصر في معضلات عالمنا الحائر، ناهيك عن تلك اللغة العبقرية التي بها يكتب.

نيتشه نفسه ينصحنا:  “عندما نقرأ لكاتبٍ يتسم أسلوبه بالاقتضاب الخاطف وبالهدوء والنضج فحري بنا أن نتوقف أمامه ملياً، بأن نقيم عيدا طويلا وسط الصحراء، ذلك أن حبورا مماثلا لهذا الذي يبعثه هذا الكاتب في نفوسنا لن يقع لفترة طويلة”.  هذه النصيحة تصح على كل كاتب مفكر مثل عبدالله الذي لا تنجو رؤوسنا من  الاهتزاز الناجم عن أثر كتابته علينا، وأنا هنا أستعير تعبير نيتشه بالذات في وصفه للكتابات المتميزة التي تصيبنا بالدوران، أو تلك التي “تحطم الجليد المتجمد في دواخلنا بفأس” كما كان كافكا قد قال مرة، والذي هو أيضاً واحد من الكتاب الأثيرين لدى عبدالله حبيب.

كان نيتشه يتعهد بأنه لن يقرأ لأي كاتب أراد تأليف كتاب، بل سيقرأ فقط لأولئك الذين تجلت أفكارهم فجأة على شكل كتاب، وهو يقدم ما يشبه الموعظة لمن يدعوهم “الكتّاب الشباب” الذين يجهلون أن التعبير الجيد والفكرة الجيدة لا يعطيان نتيجة جيدة إلا داخل إطار ما يشبههما، ويجهلون أيضا أن استشهادا ممتازاً يمكن أن يلغي صفحات بكاملها، لا بل قد يلغي الكتاب بأكمله، منبهِّاً القارئ، كأنما يتوجه إليه صارخاً:  انتبه إنني حجر الأساس، وكل ما يحيط بي خروق باهتة وخسيسة.  يمكن لعبارة ما مأخوذة بشكل منفرد أن تكون جيدة، قوية، لأنه ربما تكون قد وجدت وحدها سياقاً عندما انهمرت على الكاتب أولى اشراقات الفكر.  والفكرة العميقة التي تقال بسطحية تكف عن أن تكون عميقة وهي تصل للقارئ، لأنك إذْ تصحح الأسلوب فإنما تقوم أساسا بتصحيح الفكرة.

من يقرأ نصوص عبدالله حبيب الشعرية والسردية، ودراساته، ومقالاته سيدرك كيف تمثَّل هذه الأفكار، لا من ولعه الذي عرفته بنيتشه، وإنما من مجمل معارفه، وقراءاته، وسعيه الدؤوب لتطوير مهاراته التي جعلت منه كاتباً متميزاً تتجاوز مكانته الرقعة الجغرافية لبلده عمان، لتشمل محيطاً أوسع، خليجياً وعربياً، أخذاً بعين الاعتبار مساهماته في النقد السينمائي، وفي السعي لتأسيس ثقافة تذوق سينمائي في منطقتنا الخليجية.

لكن عبدالله حبيب السينمائي ظلَّ مشغولاً ومنشغلاً بالفكر في مقارباته البحثية والكتابية عبر اهتمامه بموضوع الهوية، والعلاقة بين الشرق والغرب، والدراسات ما بعد الكولونيالية، والاستشراق الذي أخذه بالتأكيد لإدوارد سعيد، مركزاً على تصور الغربي للأقوام الأخرى في الشرق، ومن ذاك اهتمامه سينمائياً وبحثياً بلورانس العرب، وبكتابه “أعمدة الحكمة السبعة”، متقصياً بذلك جذور النظرة الاستعلائية لدى الغربيين تجاه الشرق القائمة على تجاهل حقيقة أنه على هذا الكوكب مقادير هائلة من التنوع في الأقوام، والثقافات، والديانات التي عليها أن تقتسم العيش المشترك فوقه، واقتسام ثرواته، والتصرف بمسؤولية ليس فقط تجاه الحاضر، وإنما تجاه المستقبل أيضاً، لأن للأجيال القادمة الحق نفسه في العيش عليه والاستمتاع بالحياة فيه .  لكن هذا الحق لم يُصَن أبداً .  الأقوياء قهروا الضعفاء وأبادوهم، وشهد العالم حربين عالميتين أودتا بملايين البشر، هذا خلاف ضحايا الحروب الصغيرة والمجاعات والكوارث.  لهذا يتعين تناول مسألة الاختلافات بين الحضارات على ضوء الفكرة الأثيرة القائلة إن الوحدة في التنوع، وإن احترام تعدد وتنوع الثقافات هو طريق وحدة البشر، أما قهر الثقافات لتسييد ثقافة واحدة فهو ما تبرهن التجارب على أنه طريق مُدمّر.

ونلمس هذا الأفق الإنساني لدى عبدالله بصفته نموذجاً للمثقف العضوي حسب التوصيف الغرامشي، إنْ على مستوى تحليله لصور الهيمنة الثقافية للمركز الغربي على الثقافات الأخرى في العالم أو في رصده لآليات الإخضاع التي تمارسها النخب الحاكمة للمجتمعات التي تمسك بمواقع النفوذ فيها، مستنداً في ذلك إلى عُدَّته الثقافية، وإلى إطلاعه على مناهج البحث الحديثة، وتحرره من “الدوغما” والجمود، وذلك عبر إعمال آلية الشك في ما يبدو يقيناً.

لا أعرف لماذا تقترن في ذهني صورة عبدالله حبيب بالفقدانات.   يبدو لي أنه رجل الفقدانات بامتياز.  ولا يحمل هذا التوصيف شحنة سلبية، حتى وإن بدا ذلك في ظاهره؛ فهو آية المثقف الجليل الذي لا يتسع الواقع لرحابة حلمه، الباحث أبداً عن أمر مُفْتَقَد، أمر عصي على التحقق، لذا نجد عبدالله مشحوناً بهذا القلق الوجودي الذي أخذه غير مرة للبحث عن خلاص فردي تراجيدي يشكل احتجاجاً على واقع بائس وعاق ما أكثر ما تبدو رغباتنا ومساعينا لتغييره ضرباً من ضروب الحرث في البحر.  وسيبدو الأمر مضاعَفاً، عند عبدالله حبيب، حين نعرف أثر الخيبات الشخصية وأوجاعها في النفس في مجمل معاناته التي تشي بها نصوصه الإبداعية خاصةً.

ليست مصادفة أن عنواني اثنين من كتبه ومضامينهما تذهب إلى الاحتفاء الفاجع بالفقدانات؛ ففي كتابه:”رحيل” يرثي مجموعة من أحبائه، وأصدقائه، ومُلْهِمِيه الذين كانت حيواتهم فكرة موهوبة للأمل المغدور، رغم أنه يقول في أحد مقالات الكتاب إنه لا يكتب مراثي بزعم أنه لا يحسن كتابتها، لكنه يفعل بنا، نحن قراءه ومحبيه، ما حذر منه حين يأخذنا إلى “برزخ فوق طبيعي”، فيكاد أن يحتفي بالموت باعتباره “الحدث الأكثر طبيعيَّة” و”اللغة الأكثر مباشرة للحياة”، إذ إنه “يُجبر كل مفرداتنا الحرفية والبلاغية على الخرس التام إمام غنائه الفاجع”.  ولكن هذا الاحتفاء يخلق حياة جديدة لأولئك الذين رثاهم، فنجدهم، حتى لو لم نكن نعرفهم، كائنات شقيقة لنا في الروح، فيها ما في عبدالله من نبل الغايات وحسرة الخسارات، كأنها بموتها تهدي الحياة حياة أخرى، قد تكون هي حياتهم ذاتها التي مرت بالجوار دون أن ينتبه إليها الكثيرون.

ذات مرة منذ سنوات كتبت في زاويتي اليومية “شيء ما” بجريدة “الخليج” مقالاً بعنوان”نحن لا ننسى”، قلت فيه إننا “حين نريد أن نواسي أحدا يعاني من آلام الفقد على أنواعه، أو الخيبة أو الهجر نقول له:  لا عليك، الزمن كفيل بأن ينسيك، سيأتي يوم وتنسى فيه كل شيء، ولن تشعر بالألم.  لكن هل فكرنا حقيقة في السؤال الذي يقول:  هل بإمكان الإنسان أن ينسى، خاصة حين يتصل الأمر بوقائع وأشخاص استحوذوا على تفاصيل حياته في وقت من الأوقات؟.

يبدو أننا لا ننسى أبداً.  صحيح أن الألم الناجم عن الفقد والخسارة يتناقص بالتدريج، لكن الشخص نفسه لا ينسى، الواقعة نفسها لا يمكن أن تُنسى.  إن الذي يحدث بالضبط هو أن الأمور تتوارى إلى منطقة خلفية في ذاكرتنا أو تتدثر برداء كي لا ترى، لكنها لا تغادر هذه الذاكرة أبدا.  إنها بتوصيف أدق تغفو إغفاءة المسافر، فما تكاد تسمع طرقا خفيفا حتى تصحو وتستيقظ نشطة.  نحن لا ننسى, إنما نتظاهر بالنسيان.

إن رغبة ملحة, معذبة تنتابنا في التحرر من الألم الناجم عن الشعور بالفقد مثلا هي التي تحملنا على السعي لإقصاء الأمر من الحضور اليومي في أذهاننا, الحضور الدائم.  وربما ينجح بعضنا بعد حين من الوقت, بعد طول تدريب من أن يفعل ذلك, لكنه لا يكون بذلك قد نسي.  إن كل ما فعله هو أنه وضع الأمر داخل خزانة صغيرة من خانات الذاكرة وأغلق عليه الباب حتى يحصر نطاق حركة ذلك الأمر الذي يستحوذ عليه حتى يحصر نطاق الألم الناجم عن ذلك, لكن هذه الخانات كثيرا ما تنفتح من تلقاء نفسها, فنقوم ببذل جهد إضافي لإعادة إغلاقها.

مهما اشتدت صلابة الأقفال التي توضع على خانات الذاكرة تظل قابلة للفتح أو الخلع.  إن ما يحدث هو أن الذاكرة المواربة أو المتوارية أو المتدثرة برداء أو القابعة في خانة أغلق عليها الباب تنبعث من جديد ما إن تنشط محفزات هذه الذاكرة، فنذهل لتلك اللحظة التي تستحوذ علينا فيها ذكرى وجوه، وأماكن, ووقائع خِلنا أننا قد نسيناها تماما, فإذا بها تعود بكمال وجلال تفاصيلها كما حدثت أول مرة, لنكتشف أننا لم ننسَ, وأن النسيان خديعة ابتكرناها كي نتغلب على الألم الناجم عن الفقد، أو الخيبة، أو الأذى.  الذي يحدث هو أن الألم يتناقص تحت مهدئات الزمن, فلا يعود بالحدة التي كان عليها أول مرة, لكن ليس ثمة من نسيان.  إننا لا ننسى, إنما نتظاهر بالنسيان”.

استوقف هذا المقال عبدالله، وكان حينها مقيماً في الولايات المتحدة، حين بعث لي عبر البريد الإليكتروني رسالةً تفاعل من خلالها مع فكرة المقال (الذي سيقول لي عبدالله لاحقاً إنه يصفه بصورة مجهريّة)، وخلص  — أي عبدالله — إلى اقتباس الجملة التالية في رسالته:  “سيتكفل الزمن بشفاء الجرح.   ولكن كيف يمكن ذلك إذا كان الزمن نفسه هو الجرح”؟.  ستمضي سنوات على هذا قبل أن يرسل لي عبدالله عدداً من إصدارته، ومن بينها كتابه الشعري/ القصصي “فراق بعده حتوف”، فوجدته يُصدَّره بتلك العبارة تحديداً.  وقد أعاد ذلك إلى ذهني المشاعر التي أثارها في نفسي  اقتباسه ذلك حين قرأته أول مرة في رسالته، وهي عبارة تلخّص، فيما أرى، مناخ النصوص الشفيفة التي حواها الكتاب بين دفتيه، وخاصة في جزئه الشعري.  إن عبدالله لا يكتب عن جرح غائر في النفس أصبح ماضياً، بوسع الزمن أن يتغلب على أوجاعه بالتدريج، وإنما عن معاناة مقيمة خبرها كل المبدعين الذين تستعصي عليهم المواءمة بين الواقع والفكرة، بين المثال وبين ما في الحياة من ابتذال وقبح وعسف، فليس بوسع نفس رهيفة أن تقبله، فتجد ملاذها، في حالة عبدالله، في الكتابة، وسيلة غضب واحتجاج.

إن بدا لوهلة، من عرضنا أعلاه، أن عبدالله حبيب مقيم في مناخ الفقد وما يجره من تداعيات الشعور بالخيبة، غير ملتفت للحياة  بجريانها الصاخب حوله، فعلينا الإسراع في تبديد هذا الشعور أو تدقيق ما قيل أعلاه؛ فبشيء من التأمل العميق في حياة وإبداع عبدالله سنجد أن هذا انطباع واهٍ سرعان ما تكشف التجربة، حين تأزف لحظتها، أن هذا الشعور المجلّل بالفقد ينطوي على تمسك بالحياة، ورغبة في تغييرها ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ولعل هذا ما لاحظته اللجنة التي منحته الجائزة حين قالت ضمن حيثياتها لاختياره للفوز بها، من “أنها أخذت بعين الاعتبار” — وأنا أنقل هنا النص كما ورد في تقرير اللجنة —  “نشاطه ودأبه الثقافي الملحوظ ومحاولته صنع ما أسماه في شهادته على مدوَّنة “أكثر من حياة” “حالة ثقافية، محلية، حوارية، تفاعليَّة مع ذاتها، ومحيطها، وآفاقها، ومُحتَمَلِها الإنساني، والاجتماعي، والإبداعي.  تجلى ذلك في حضوره كمثقف واع لدوره الطليعي، ذاهباً إلى الناس مباشرة، ممتثلاً لنصيحة السينمائي الفرنسي روبير بريسون الذي ترجم عبدالله كتابه “ملاحظات في السينماتوغرافيا” إلى العربية، تلك النصيحة التي يؤكد فيها بريسون أن الأفكار التي نستقيها من الكتب تظل على أهميتها أفكاراً كُتُبيّة وأن علينا أن نذهب للناس مباشرة.  وهذا ما فعله عبدالله حبيب في السنوات الأخيرة بشكل عام، وفي عام 2011 بشكل أخص:  ذاب في الناس، عائشا بينهم، وكاتبا عنهم، وحاثّاً إياهم بشكل مباشر وغير مباشر على النضال من أجل حقوقهم، وراثياً بصدق وعذوبة من مات منهم، ومعلياً صوته بالاحتجاج إن لحقهم ضيم، سواء بالكتابة أو بالبيانات أو بالحوارات الإعلامية”.

سيبدو ذلك متسقاً تماماً مع السيرة الحافلة بالعطاء لعبدالله حبيب منذ أن كان فتى في مقتبل العمر، خلواً من التجربة، لكن بوعي مبكر بالحياة،  حيث قادته خطاه الواثقة إلى الثقافة الإنسانية والفكر التقدمي، فتشرَّب المعرفة من عيونها الأولى بعطش الروح الظمأى وبشغف الباحث عن الحقيقة، ليدرك باكراً حاجة مجتمعه إلى التغيير والتحرر من الهيمنة الأجنبية، ومن التخلف والجهل، وليسهم بحصته في التأسيس لوعي وطني ومعرفي يلمسه المتابع، حتى لو كان من بعد كما هو حالي للمشهد الثقافي في عُمان، فليس بالوسع أن تخطئ العين الديناميكية اللافتة، في الوقت الراهن، للحركة الإبداعية فيها، وقوامها جيل جديد من الشبان والشابات وثيقي الصلة بتحولات مجتمعهم وبما يمور به العالم من متغيرات، فضلاً عن تمثلهم للأطروحات الجديدة في مجالي الإبداع والفكر، وهو أمر يثير الغبطة في النفس، ويبعث على الاعتقاد أن جودة الكثير من الأعمال الصادرة في عُمان تبشر بمستقبل واعد لمجمل الحراك الثقافي والإبداعي في هذا البلد العزيز.  إننا ونحن نحتفي بتكريم الصديق المبدع، والناقد، والناشط الثقافي عبدالله حبيب علينا التأكيد أن بجهوده وجهود أفراد الجيل الذي ينتمي إليه ممن أمسكوا على جمرة الإبداع وولجوا الدروب غير المطروقة، وسعوا لتأسيس معارفهم وتأصيلها، شقوا درباً لهذا التطور الملحوظ في الحركة الثقافية في عُمان التي أظهرت وتظهر خصوبة المجتمع العماني، وعمق تقاليده الثقافية، وتوفره على طاقات إبداعية لافتة من أجيال مختلفة توصل ما لم ينقطع في تاريخه الثقافي والإبداعي وما يختزنه هذا المجتمع من تقاليد وخبرات في العمل الوطني.

إن عبدالله حبيب بإبداعه، ونشاطه، وعطائه الثقافي والمجتمعي، وبوعيه المتقد يعد ممثلاً نموذجياً للجيل الذي إليه ينتسب، وللروح المعطاء الخلاقة للإبداع والثقافة في عُمان.  وينمُّ اختياره لهذا التكريم عن حساسية إنسانية وثقافية عاليتين للقائمين على الجائزة وعلى لجنة الاختيار؛ ففي ذلك وفاء لعطاء الرجل وجهده ومثابرته، ومسعى لتقديم القدوة الجديرة بالاحتذاء من قبل الجيل الجديد من المبدعين والمثقفين العمانيين السائرين على الخطى ذاتها.

0 2061 07 مايو, 2013 العدد السابع والثلاثون, حداء الروح مايو 7, 2013
Avatar

عن الكاتب

*كاتب بحريني، الأمين العام السابق للمنبر الديمقراطي التقدمي.

عرض كل المواضيع التي كتبها د.حسن مدن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.