نحن نشاهد الأفلام، وهو يعيشها: لو قَلَبْنَا كل المفردات وعكسناها أو عبدالله

لـ

لم  أعد  أتذكّر تماماً متى، وأين، وكيف، ولماذا التقيت صديقاً عزيزاً، ومثقفاً مختلفاً، وسينمائياً نهماً، ومنظّراً عميقاً، وقاصَّاً متميّزاً، وكاتباً استثنائياً يُسمى عبدالله حبيب من عُمان.  المهم في الأمر أنني التقيته، ولحسن الحظ.

كنتُ قبل اللقاء قد عرفته شاعراً، وقاصاً، وكاتباً، وسينمائياً.  وبعد اللقاء عرفته إنساناً، وصديقاً، وأخاً، ومرجعيةً لي في قراءة أفكاره، وحواراته، وأسئلته الوجودية المحيّرة، التي أدهشتني كثيراً، وفتحت لي أفق التفكير، والتحرّر من الزوايا الضيقة، الأحاديّة، والسائدة.

ماذا يُمكن الكتابة عن إنسان مثله؟.  هي ورطة ذات أبعاد مختلفة:  ألن تكون مجاملة لشخصٍ تحبُه؟.  ألا نكتب دائماً عمّن نفتقده قبل أن نكتب عنه وهو يتنفّس؟.  ألن أفضح نفسي في كتابةٍ مثل هذه، وأنا المتحفّظ دائماً في إبداء رأيي الشخصي تجاه الأصدقاء؟.

 

لا يهم إن كانت الورطة بهذا الجمال؛ فالأمر تشريف، وفرصة لأن أحكي عن علاقتي معه أكثر من الكتابة عنه. سأعتبر هذا من باب الدردشة مع أصدقاء آخرين، عبدالله ليس بينهم، فيما هو محور الحديث.

إذن بعد أن التقيته في زمنٍ ما، ربما كنتُ قد شاهدت أفلامه القصيرة التي صنعها أثناء الدراسة، أو ربما هو أهداني إياها بعد لقائه.  ظللت أحتفظ بفيلمه “هذا ليس غليوناً” في ذاكرتي — التي شاخت الآن — ولكن لن أنسى مشهد الرجل الذي يتصفّح الغليون كما لو أنه كان كتاباً، فقد ربطته من غير وعي بفيلم “كلب أندلسي” للمخرج لويس بونويل وكاتب السيناريو سلفادور دالي، وبالأخص مشهد النمل في الكف المثقوبة.

هذا الربط الأولي كان مدخلاً مهماً لي لمعرفة شخصية عبدالله الذي أجده واقعياً أكثر منه سوريالياً، وحالماً أكثر منه واقعياً، ومنطقيَّاً أكثر منه مشوَّشاً، وعبثياً أكثر منه نظامياً، وراكزاً أكثر منه جدليَّاً.  وبالتأكيد فإننا لو قلبنا كل المفردات وعكسناها فإننا سنجد ذات الشخصية: عبدالله.

هذه المعرفة — التي قد تبدو ضبابيَّة — هي التي أسرتني، وجعلتني أفهمه، ولا أفهمه.  هو الشخصية التي جعلتني أرى فيلمي القصير الأوّل “الرّمرام” (1994) بعينٍ جديدة عندما كتب عن الفيلم. أدهشني كيف فهمه أكثر مني، وكيف أعطى الفيلم بُعداً مغايراً، ولوناً باهياً، وتحليلاً علميّاً، وأراني كيف لي أن أتذوّق ما صنعتُ، وما صَنعه صديقنا الجميل كاتب السيناريو إبراهيم الملا، الذي كنّا أثناء الكتابة نُلغّزه، ليأتي عبدالله ويفكّكه.

 

عرفت عبدالله عاشقاً للسينما، وللسينمائيين:  بازوليني؟.  بالتأكيد لا، ليس وحده.  بريسون؟.  لا، لا.  جبريل ديوب مامبيتي.  لا أيضاً.  تاركوفسكي؟. لا وألف لا.  عبدالله يعيش في كلٍ منهم، وهم يسكنون فيه.  ما يفعله عبدالله غير ما نفعله نحن.  أظن أننا نشاهد الأفلام، ولكن هو يعيشها.  يعرفهم جميعاً عن قرب، ويعرف شخصيات أفلامهم، وحواراتهم، وألوانهم، وفلسفاتهم.  وعندما يكتب عبدالله، أو يترجم، أو يحكي فهو يستشهد بهم لأنه عايشهم، ولا يكتب من وحي الخيال. وهذه ميزة نادرة عرفتها مثلاً لدى المخرج الأميركي مارتن سكورسيزي الذي يخرج من فيلم صامت، لم يعاصره، وكأنه خارج للتو من موقع التصوير.

ربما يتقاسم عبدالله معي شيئاً واحداً حتميَّاً، وأشياء أخرى كثيرة؛ وهو بُعدنا القسري؛ ولنقل بعد تخفيفه: الاختياري المرحلي، عن صُنع الأفلام. في العام 1996 كتب عبدالله نص سيناريو فيلم وثائقي قمت بإخراجه وهو “الغرفة القزحية: مائة عام من السينما”.  هذا الفيلم يقع في (90) دقيقة، وكان من المفترض أن يفتتح الدورة الثانية من “ملتقى السينما لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية” في الشارقة.

ذلك الفيلم الذي لم يرَ النور للآن، ولم يشاهده عبدالله أيضاً… للآن، ربما يكون آخر ما كتبه للسينما صانعاً، وليس مراقباً أو عاشقاً؛ وربما قمتُ أنا ببعض المحاولات في الإخراج بعدها؛ ولكنها ظلت خجولة؛ ومختبئة.

 

كنتُ أتمنى أن أتقاسم مع عبدالله شيئاً أكثر بقاءً؛ ووضوحاً، وبروزاً طالما أننا مرضى بالسينما.  لقد مضت سبع عشرة سنة على الفيلم المشترك بيننا والذي أكرر بالمناسبة: لا أثر له إطلاقاً.

لم يصنع عبدالله السينما التي يُجيدها، ويَفهمهما، ويَعشقها، ويُروّضها. اكتفى بالغوص، وترك السباحة. وأعاتبه بقدر عتابي لنفسي.  لذا عليّ أن أنسحب هنا من أصدقائي لأتوجه بالحديث إليه شخصياً:

نُريدك مخرجاً أيضاً. ونُريدك كاتب سيناريو أيضاً. ولن نكون بعدها طامعين.

لن نعيش في الغياب كثيراً يا عبدالله؛ وتكريمك هذا مستَحقٌ جداً — لنا بالدرجة الأولى.

وتأكّد أن الغليون لا يزال مشتعلاً. وإذا كان كذلك في ذاكرتي المنطفئة لغاية الآن، فهذا دليلٌ آخر على أصالة ما صنعت!.

 

 

 

 

0 1432 07 مايو, 2013 أدب, العدد السابع والثلاثون مايو 7, 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.