إلى عبدالله حبيب: لأنك رجلٌ من زمن آخر

لـ

عندما أخبرني أحد الأصدقاء أن مبادرة “القراءة نور وبصيرة” ستكرم الناقد السينمائي عبدالله حبيب ، تذكرت المرة الأولى التي جمعتني به. كان ذلك في 17 نوفمبر من عام 2008 عبر أثير الهاتف، عندما رشحته حينها لي الزميلة بدرية الوهيبية رئيسة القسم الثقافي بالصحيفة ليشارك بكتابة مقال في ملحق الزمن الرياضي؛ لتأبين الراحل غلام خميس الذي وافته المنية وهو في طريقة إلى تايلاند للعلاج، لم أكن أعرفه وقتها ربما لأنني من جيل يختلف عن جيله، أو لأنني لست مولعًا بالقراءات النقدية لاسيما السينمائية منها. ترددت كثيرًا قبل الاتصال به؛ لأنني اكتشفت بعد تقصٍ، وكثير من الأسئلة أنه يعد من أبرز النقاد السينمائيين العرب، وله مساهمات بارزة على المستوى الدولي في هذا المجال، إلى جانب كونه شاعرًا وساردًا متميزًا، فخشيت أن يتجاهل طلبي بعد أن رفض عدد من مثقفينا كتابة بضع كلمات في حق غلام خميس، ولكنني بدافع الخروج بملحق يليق بالراحل أقدمت على مغامرة الاتصال، وطلبت منه بشكل مباشر المشاركة في الملحق فكان جوابه بكل بساطة: نعم. لم يسألني كما فعل غيره عن الجريدة التي سينشر فيها المقال، أو من سيشارك إلى جواره في الملحق، أو أين سيكون موضع مقاله فيه. والسؤال الوحيد الذي وجهه لي “متى تريدني أن أسلمك المقال؟” كانت أنفاسه تتلاحق، ودفقات من الحزن تنساب من صوته عبر سماعة الهاتف وهو يحدثني، فقد كان يعرف غلام رغم أنه ليس رياضيًا أو مهووسًا بمتابعة الرياضة.. لقد كان يدرك قيمة غلام  وماذا يعنيه لهذا الوطن، وقد فاجأني كثيرًا منه ذلك؛ فهو الوحيد الذي أدركت بعد الاتصال به، وبعد قراءتي لمقاله حجم المأساة التي تعيشها ذاكرة مجتمعنا تجاه مبدعيها.

لم يجمعني بعد لقاء 2008 الهاتفي أي حوار أو مكان بحبيب إلا في ذلك المساء الذي تلى نهار القبض على المتجمهرين، الذين تم الزج بهم في السجن لا لجرم ارتكبوه ولكن بسبب مطالبتهم باحترام القانون وتطبيق مواده التي لم تحترم –حسب رأيهم- في قضية المتهمين بالإعابة. هناك أمام القسم الخاص بالقرم رأيته للمرة الأولي متجسدًا بشخصه وصوته، ولكنه في ذلك النهار كان شخصا آخر تطفر من صوته دفقات من المرارة والغضب، وأخيرا التقيته في مناسبة الاحتفاء به قبل بضعة أيام مسكونًا بالفرح والسعادة هذه المرة.

عندما أخبرني صديقي بهذا التكريم قررت الحضور رغم أنني عازفٌ عن المناسبات الثقافية ولاسيما الاحتفائية منها، ربما بسبب انشغالاتي الرياضية، أو ربما بسبب احساسي بالغربة عندما أكون موجودًا فيها. قررت الذهاب بدافع الشعور بالعرفان الذي ما زلت أحمله لهذا الرجل، أولاً لموقفه المتعاطف في عام 2008م، وثانيًا لشجاعته في عام 2012م، وثالثًا لأني أردت أن أعرف الرجل الذي يكن له أصدقائي كل هذا الحب والتقدير عن قرب.

عندما وصلت إلى القاعة المخصصة للتكريم كان المكان مكتظًا بالحضور فأخذت بعد أن وجدت لنفسي مقعدًا استقر عليه، أخذت أبحث عن وجه عبدالله حبيب، علّني أقرأ على صفحاته ما فاتني في لقاء القرم، وفي صوته ما فاتني في مكالمة 2008م، وعندما شاهدته وتمعنت في تفاصيله الذاهلة والمرتبكة بفعل الحب الذي كان يضج به المكان قلت لنفسي: ” هذا رجل عالمه الحقيقي يسكن في داخله، هذا حقًا رجلٌ من زمن آخر” وكعادتي في مثل هذه الأماكن راودتني رغبة شديدة بالهرب والابتعاد، ولكن شعوري بالعرفان تجاه موقفيه السابقين دفعني للمواصلة، إضافة إلى أن مقولة أرسطو الخالدة “تحدث كي أعرفك” كانت تجلجل في رأسي، لذا قررت أن أواصل تلك السهرة حتى أستمع لما سيقوله عبدالله حبيب لعلي أعرفه.

 

كنت أراقب سكناته وحركاته حيث كان لا يستقر به مجلس، مسكونًا بسعادة خالصة كأنه طفل نجح في مشي أولى خطواته، كان فرحه بذلك التكريم المتواضع والبسيط صافيًا غامرًا نقيًا إلى حد البذخ، وكالطفل كان يعبر عنه بخراقة لذيذة لا تليق إلا بمثله، فتارة يعانق هذا وأخرى يعانق ذاك، كان ينساب في تلك الليلة جداول شكر ويتدفق شلالات حب. ومع مرور الدقائق وانشغالي بعبدالله حبيب بدأت أألف المكان، وأتعود وجودي فيه في انتظار اللحظة التي سيتحدث فيها لكي أعرفه كما  قال أرسطو، ولم يطل انتظاري، فقد جاءت اللحظة المرتقبة سريعًا، وبدأ عبدالله حبيب بالتحدث، وبدأت مشوار التعرف عليه.

من سمع كلمات عبدالله حبيب في تلك الليلة يدرك أنه لخص فيها كل حياته؛ لقد اختزل عبدالله حبيب في تلك الكلمات شخصه بكل آماله وأحلامه وأشواقه وعذاباته، لقد أرانا في تلك الكلمات عمان الماضي والحاضر والمستقبل، وأرانا فيها حقيقة أنفسنا.

من يعرف عبدالله حبيب يعلم أنه أمام قناعاته صلب عصي على الكسر، في حين أنه أمام الحب رقيق إلى حد التشظي، لقد رأيت ذلك في تلك الليلة .. عرفت ذلك في تلك الأمسية، التي غالبت فيها دموعي من أن تطفر أمام الآخرين، وأنا أسمع كلماته الرقيقة، وهو يسترجع شريط حياته وحياتنا بطريقة فنتازية ساحرة، لقد كانت كلماته تنفذ إلى أعماق الروح مخلخلةً الكثير من ثوابتها، كما هو حري بالحب والصدق أن يفعلاه.

أدركت في تلك الليلة أن من يريد أن يعرف عبدالله حبيب عليه أن يوغل كثيرًا في داخله، فعبدالله حبيب ليس هذا الشخص الذي نراه في مختلف المناسبات أو الذي نحاوره خلالها ولكنه ذلك الذي يستوطن العالم الداخلي لعبدالله حبيب، لذلك معرفة حقيقة رجل مثله تتطلب استفزازه، كما استفزته أمسية التكريم، وموت غلام، واعتقال أصدقائه “المتجمهرين”، وكما يستفزه الحب عندما يكون خالصًا كتلك الليلة. لقد أدركت في تلك اللحظات القصيرة والدافئة أنني كنت أستمع لرجل يتكلم بلغة الحلم.

هل يعقل أن يوجد شخص بهذا الصدق بهذا النقاء وبكل هذا الصفاء؟! هل يعقل أن يحمل قلب كل هذا المخزون من الحب والعفوية؟ كانت الحيرة والدهشة تشل تفكيري مما تكشف لي في ذلك المساء القصير واحتجت لأيام لاستيعابه. لقد علمتني تلك الأمسية أن أسوأ ما يمكن أن يصنعه المرء هو الحكم على الآخرين بالرفض والإقصاء لمجرد أنهم يختلفون معه في القناعات .. لقد علمتني تلك الليلة أن الحب أعظم تعويض يمكن أن يناله المرء عن قسوة الظروف ومرارة التجاهل ووجع الإقصاء .. لقد تعلمت في تلك الليلة عددًا من الدروس التي يبدو أنها ستقلب حياتي رأسًا على عقب في قادم الأيام. فشكرًا عبدالله حبيب لأنك علمتني معاني جديدة للحب .. شكرًا لمبادرة “القراءة نور وبصيرة” لأنها منحتني الفرصة لكي أعرفك رغم أني لم ألتقيك ولم أحاورك ولم أرتشف معك حتى فنجان قهوة في لحظة زمن عابرة .. شكرًا لها لأنها منحتني صديقًا لم يتسنَ لي لقاؤه.. شكرًا لها لأنها؛ أرتني الإنسانية متجسدة في رجل اسمه عبدالله حبيب، قال ذات يومٍ من باب الحب والشكر والامتنان في مقال تأبيني”لقد علَّمنا غلام خميس في حياته ومماته معاً أن كلُّنا وطنٌ، وفي هذا يكمن تفرُّده، وهنا مبعث درسه الذي علينا أن لا نخطئه” وأقول له اليوم بلسان كل من حضر أمسية الحب والوفاء تلك: لقد علّمتنا يا عبدالله حبيب أننا كلُّنا وطنٌ وفي هذا يكمن تفرُّدك وهنا مبعث درسك الذي علينا أن لا نخطئه. فشكرًا لك من القلب، وآسف، ألف آسف لأني لم أعرفك قبل الآن.

0 2363 13 مايو, 2013 العدد السابع والثلاثون, حداء الروح مايو 13, 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.