عبدالجواد يس: الثورة نوع من التنفيس الابتدائي لحركة التطور وتغير الهياكل (الواقع العربي وقانون التطور)

لـ

 

خميس العدوي: في سياق التغيرات السياسية، نتفق معاً أن ما يحصل في الواقع العربي هو تغيّر كبير، ويسعدني أن عبدالجواد ياسين يرى أن العقل السلفي بدأ بالأفول، وأن هناك آفاقاً أخرى يمكن أن تفكر تحت مظلة الإيمان، بروح الإيمان مع الخُلُق، قبل فترة وأنا هذا أرويه عنك، في أول لقاء كان بيننا في أبو ظبي، تحدثنا عن قضية عقل المسلم وبأنه عقل سلفي طولي؛ وأن العقل نفسه يتحرك عبر هذا التاريخ ولن ينفك عنه، ولو انتظرنا حتى قيام الساعة، أنا سعيد جداً أن أرى منك التفاؤل بإمكان تغيّر العقل المسلم، على مستواي الشخصي؛ لولا هذا التفاؤل لكنت لزمت بيتي، واكتفيت بأن آكل وأشرب كبقية الناس. لكن أتكلم على صعيدك الفكري، على نظرتك الفكرية في هذا الجانب.

المحور الأول: ما الذي أحدثه هذا الانفجار العربي في بنية العقل المسلم، أقصد بنية التفكير؟.

المحور الثاني: إلى أين سنذهب؟ هل فعلاً سنعيش الحياة بكل تجلياتها الجمالية والمعرفية والحضارية، أو ستفرز لنا الحياة متغيرات أخرى، هناك من يقول: ستكون هناك سلفيات بطريقة أو أخرى. وهناك قائل يقول: لا، بل سنتجه إلى ما اتجه إليه الغرب، بأن يكون الدين في جانب والحياة في جانب آخر. أنا متوجس من صعود التيار السلفي في كل المنطقة، ولكني قلق جداً من الوصول إلى سدة الحكم مثلما هو الحال في مصر، أريد أن أعرف ما يمكن أن تستشرفه من خلال طرحك للنظرية الأخيرة “نظرية الدين والتدين”؟.

عبدالجواد ياسين: لنبدأ بالخط العام، الخط العام هو أن التدين الذي يشكل الضلع الأساسي في الثقافة هو التاريخ، بهذه المثابة هو معرض لسؤال التاريخ والتطور، إذاً على المستوى الكلي، السلفية باعتبارها هي التدين تمضي في عكس اتجاه التاريخ، ومقضٍ عليها بالصدام مع سؤال التطور، هذا مشاهد بالاستقراء في التاريخ الإنساني كله، ولدينا النموذج الأوروبي وتجربته ونهايته، لا يوجد ما يدعو للاستثناء في الحالة الإسلامية إطلاقاً.

خميس العدوي: أرى العكس، أرى أن الصعود السلفي يذهب عكس ما تقوله.

عبدالجواد ياسين: لا، أنا أتكلم بصورة عامة، أحياناً في المسار الطويل تقافزات هنا وهناك، هناك خط عام استراتيجي طويل، أحياناً تحدث تراجعات، لكن عندما تنظر إليها تجدها جزئية في التاريخ والمكان، مثلاً الذي ينظر للوهابية في فترة صعودها دون أن يرى الخط الطويل للوهابية التي هي عليه، مجرد نقطة على خط تاريخي طويل، ثم تتراجع. هذا يوضح أن الخط العام يتحرك، السلم المتحرك عندما تمشي في المطار، الخط يسير وأنت تمشي عليه، ولو توقفت فهو يمشي، وحتى لو رجعت هو يسير. خط التاريخ وفكرة التطور واضحة جداً ضد فكرة الثابت.

خميس العدوي: وأنت تعتبره قانوناً إلهياً طبعا؟.

عبدالجواد ياسين: طبعاً قانون، من سنن الحياة والاجتماع هذا الخط العام، إنه لابد من مواجهة سؤال التطور، عند بداية القرن الماضي بدأ الشكل الجديد للدولة الحديثة، وانتهى الحديث عن الدولة الإسلامية وعن دولة الخلافة، بل الشريعة الإسلامية المعروفة بحذافيرها التغت، وتم إعمال القوانين الوضعية بشكل مكتوب ورسمي، في الدول الاسلامية، في مصر وتركيا، التي شهدت تغيراً جذرياً نسبياً في الهياكل، بمعنى أن هناك تطوراً اجتماعياً اقتصادياً ثقاقياً في مصر قبل الجزيرة العربية، نتيجة الاحتكاك بالغرب، ونتيجة التقافزات والتفاعلات التاريخية القديمة، الهياكل الكلية المصرية والتركية على سبيل المثال لم تكن بحسب الأصل متطابقة مع الهياكل العربية التي في الجزيرة، التي صدر فيها النص، واستمر فيها النص لأنها استمرت كما هي، ولذلك مع ظهور النفط تغيّرت الهياكل في الخليج والجزيرة، هذا التغيّر أنتج تغيرات اجتماعية ثقافية عقلية، أطلق معها تململات من فكرة التعامل مع المفهوم السلفي، ولو تلاحظ أنا أربط دائماً بين التغيرات الاجتماعية والاقتصادية وبين البداهات، لأن العقل المسلم غير معتاد سماع الكلام الذي تكلم عنه علم الاجتماع ولا علم الاجتماع المعرفي، ولا عن الأنثربولوجي، وغير معنٍ بأي كلام في الأثنولوجي والأنثروبولوجي، أو في السوسيولوجي أو حتى في السيكولوجي، القضية بالنسبة له الكتب الصفراء القديمة التي تتكلم في الفقه، وكأن الدين في هذا الورق لم يعد يحكمه الاجتماع والحركة، التطور والتقدم والحياة، السياق العام الذي أتكلم عنه هو السياق الذي يطمئنني.

في أوروبا؛ الاحتكاك الذي حصل بين التطور والكنيسة، أدى إلى تنحية الكنيسة عن دورها الأصلي وإلى علمنة الدولة من الناحية السياسية بشكل واضح، وأصبح الدين ينحصر في التعامل الفردي، وتقلصت الظلال الجمعية للتدين. والتدين لم يصبح هو المظلة الجمعية التي تفرض ذاتها، كما هو الحال الآن في الثقافة الإسلامية، التي إلى الآن لم تصطدم بالتطور وبالهياكل الكلية، ماكس فيبر من علماء الاجتماع الكبار، عمل دراسة عن الأخلاق الاقتصادية للديانات الكبرى التاريخية، تناول فيها الكونفوسيوشية والبوذية والشنتو واليهودية والمسيحية والإسلامية، حاول أن يعمم نمط الدراسة المسيحية على الكل، وانتهى إلى علاقة حقيقية جذرية بين تطور البروستانتية والرأسمالية، لأن كالفن كأحد منظري البروستانتية الأوائل، لعب دوراً كبيراً في الحديث عن إباحة سعر الفائدة، بسبب أن المجتمع الرأسمالي الناشئ في مدينته كان يعاني من أزمة اقتصادية، وأعطى مبرراً أخلاقياً باسم المسيحية، يقول إنه من الممكن أعطاء فائدة ما دام الناس ستسثمرها، ولا تستغل الحاجة كالمرابين القدماء الذين يستغلون حاجة الإنسان وضعفه، يستثمر المال في مشروع فينتج ويستفيد الطرفان، فكأنها تجارة ومربحة، في هذه الحالة حل فكرة الربا وأعطى مبرراً اقتصادياً لدوران حركة الاقتصاد، فربط ماكس فيبر بين الرأسمالية والبروستانتية ولذلك اعتبر أن نضوج الرأسمالية في المناطق البروستانتية في أوروبا كان أعلى من التطور الرأسمالي في المناطق الأخرى، وبناءً على ذلك فسر تأخر الوجود الرأسمالي في المجتمع الإسلامي، وفي ديانات الشرق القديمة، فماكس فيبر في تحليله للاقتصاد يرى أن كالفن لعب دوراً كبيراً في تطوير الرأسمالية، من وجهة نظري أن ما انتهى إليه كالفن كان تأثيراً عكسياً للرأسمالية على كالفن، وعلى التدين، لأن دواعي الرأسمالية والحاجة الاقتصادية هي التي فرضت على كالفن معاودة النظر في مفهوم التحريم في هذه المسألة، وانتهى إلى التفاعل مع الواقع الاقتصادي الذي كان موجوداً، وبالتالي قدم رؤية مختلفة في مسألة الربا تفيد سعر الفائدة وتدفع بالناس إلى العمل، إذاً الواقع الاقتصادي الاجتماعي الممثّل في ظهور الرأسمالية وتقويها، كان سابقاً على كالفن، الرأسمالية هي التي فرضت على الديانة المسيحية من خلال كالفن تطويراً على المستوى التشريعي، هذا معناه أن التشريع متحرك بالضرورة.

إذاً نحن نتكلم على المدى الطويل في السياق العام، أن فكرة التطور قادمة، أوروبا اشتغلت وتفاعلت، وعندنا تأخر، لماذا؟ لأن الهياكل لا تزال نسبية، أو لم تصل إلى درجة التطور التي تسمح بالصدام العنيف مع سؤال التطور، لا على المستوى الاقتصادي ولا على المستوى الاجتماعي ولا العقلي، الهزة التي حصلت في أوروبا مع التغيرات الكبرى وعصر النهضة والثورة الصناعية والثورة العقلية، أحدثت انقلاباً كبيراً، الذي أسميه الانتقال للحداثة، هو التغير في الهياكل الكلية تغيراً حقيقياً، فالتغير الحقيقي لابد أن يفرض الثورة، أما إذا تأخر التطور فهذا يعني أن التغير في الهياكل لم يكن حقيقياً بعد.

أول ما يحدث التغير الكبير في الهياكل الاقتصادية والعقلية والاجتماعية، وتلغى القبلية، سيكون التطور حقيقياً.

الدور الذي تمثله حالة الثورة الآن في المنطقة هي نوع من التنفيس الابتدائي لحركة التطور وتغير الهياكل، بدايات خجولة جداً لحركة التطور، لأنها لم تعمل على تغيير في الهياكل الكلية، السطح السياسي الذي اشتغلت عليه هو تعبير عن فورات تحتية في الاقتصاد والفقر والاجتماع والتكتل، هذه هي التغيرات العقلية، ولذلك النظرة الجزئية البسيطة تقول كيف أن السلفيين يمشون بقوة؟ لأنهم الأصل، لأن العقل المسلم كله سلفي، ما الذي تغيّر فيه؟ الذي تغير في القرن الماضي هو القشرة السطحية السياسية التي أحدثها شكل سلطوي حديث مع جسر تحتاني سلفي قديم، والهياكل كما هي عقلية واجتماعية واقتصادية وأيضاً سياسية، بمعنى داخلية العقل المسلم القائمة على قابلية الاستبداد هي الأساس.

خميس العدوي: أريد أن أستتبع هذه النقطة، أفهم مسألة التطور، ولكن لنتكلم عن الغرب في سياقه التطوري، ولنفترض أنه سبق الشرق، وبالذات بلدان المسلمين، اليوم نجد أن الغرب قلق إلى حد الخوف والرهاب من تمدد الإسلام السلفي إليه، بمعنى أن الدين أياً كان، الآن يتمدد حتى على حساب الاجتماع التطوري الذي وصلت إليه الحضارة الغربية، أضرب لك مثالاً، أن النظام المسمى بالاقتصاد الإسلامي الآن يتمدد على حساب نظام الفائدة الموجود في الغرب، بحيث أصبحت بنوك غربية تفتتح لها أقساماً في هذا الجانب. وعُمان المتحفظة من مسألة البنوك الإسلامية؛ الآن في سياق هذه الحركة الاجتماعية فتحت المجال لهذه البنوك، بمعنى أن الدين صالح أن يرفد المجتمع، وأن ما نراه من حراك هو خارج عن حقيقة الدين، أي أن التغيير يؤثر في الوسائل دون الجذر.

عبدالجواد ياسين: في مسألة البنوك، الغربيون يضحكون على الناس، وجدوهم يأخذون الأموال بهذا الشكل فعملوا لهم هذه الطريقة لكي يأخذوا أموالهم.

خميس العدوي: ولكن في سياق الحركة التاريخية…

عبدالجواد ياسين: طبعاً، ولكن كل هذا من وجهة نظري تفاصيل ثانوية على الخط العام، لأنه توجد تقاطعات، ربما تكلمت معك قبل ذلك أن فكرة السلفية والأصولية لم تعد حكراً على المسلمين، وإنما انتقلت إلى الغرب، خصوصاً أمريكا، ولها تجليات يهودية موجودة، فالأصولية المسيحية في رأيي الشخصي، بل ومزيد من الأصولية اليهودية الحديثة في الغرب، هي رد فعل على الأصولية الإسلامية، يعني أن الأصولية الإسلامية هي التي استفزت التطورات الأصولية وأظهرتها في شكل نيوكونز الموجود في أمريكا حالياً، وأن الجانب الأكبر من تبلور النيوكونز الحديث بهذا الشكل هو رد فعل للحُمَّى الإسلامية الموجودة. وكل هذا نموذج لتجليات الاجتماع، كل هذا دليل على أن التدينات اجتماعية، هذا في السياق العام.

لو انتقلت بسرعة شديدة إلى مصر، هناك قوتان أصبح فرزهم واضحاً، القوة المدنية القديمة مع القوة الإسلامية، التفاعل بين الاثنين على المدى الطويل يصب في صالح الاثنين، وسيقلم منهما، وسيؤدي إلى نوع من الترطيب للفكر السلفي السياسي، وسيساهم بالتالي في تآكل التخلف الشديد الموجود في هذا الجانب، وفي المقابل سيطور من مفاهيم المدنية للكتلة المدنية، من حيث يجب أن تعي أن الدين مكوناً أساسياً من مكونات الحياة في هذا البلد، وفي المجتمعات المحيطة بنا، ستأخذ بعض الوقت قبل أن تفرز نتائجها النهائية، ومن هذا الموضع أنا متفائل على المدى الطويل.

إضافة بتاريخ 14/07/2013

المستقبل السياسي العربي

خميس العدوي: ما الوضع الذي نحن مقبلون عليه بعد هذه الفترة، على مستوى التفكير وعلى المستوى السياسي؟.
عبدالجواد ياسين: مقدمون على مرحلة تفاعل بين النقيضين، بمعنى أن بشائر بدايات لفكرة التطور أخذت تفرض ذاتها، وهناك تناقض سيحدث، بدأ يفرض سؤال التطور ذاته على السلفية الإسلامية على الأقل في الشكل السياسي، الآن بشكل أكثر إلحاحاً؛ السلفية مضطرة للعامل والتعاطي مع الوضع الاجتماعي، تتعامل بالسياسة، لنرَ ذلك، الواقع سيفرض عليها فرائض كثيرة جداً وقوية جداً، ويطرح عليها أسئلته، وسيجعلها تنحني، وأنت في حالة انتظار لهذا التفاعل، وهذه بدايات التفاعل ولكن سيأخذ فترة طويلة.

خميس العدوي: هذا التناقض أكيد سيولد نوعاً من عنف اللغة.
عبدالجواد ياسين: ليس فقط عنف اللغة، وإنما أيضاً عنف الدم، سيحدث ولكنه في السياق العام، لا سبيل للفكاك منه، سيحدث تناقض، الاجتماع والاتجاه المعاكس في الاجتماع.

خميس العدوي: ألا يمكن أن يوجد فلاسفة ومفكرون يجنبون مجتمعاتنا عنف اللغة وعنف البدن؟.
عبدالجواد ياسين: لا يوجد، ولا يؤدي أي فكر إلى تعطيل حركة الاجتماع ويساهم فيها، وتأثيره بطيء على المدى الطويل.

خميس العدوي: دعنا نقل ليدفع هذا الفيلسوف والمفكر إلى مرحلة جديدة تماماً وبعيدة جداً عن أطر السلفية التقليدية، ويطور في النظرية المدنية، ولكن مع العمل على تجنيب المشهد الإنساني الموجود عنف اللغة والبدن.
عبدالجواد ياسين: لا يملك، وحركة الاجتماع تمضي في طريقها بقوانينها ولا تتغير بكبسة زر ولا بإرادة مثقف ولا بفكر مفكر، حركة الاجتماع لها قوانين تمضي بها، يستشرف المفكر والمثقف، يستبق بالرؤية، وقد تساهم في التخفيف من حدة الاحتدام، ولكن حركة الاحتدام ذاتها مقضٍ عليها بأن تكون وفق قانون الاجتماع، التاريخ يقول ذلك.

خميس العدوي: اللقاء معك يولد الكثير من الأسئلة.
عبدالجواد ياسين: اللقاء معك باستمرار يا خميس ممتع جداً.

خميس العدوي: أقف هنا رجاء أن يكون لنا لقاء آخر، ولك الشكر.
عبدالجواد ياسين: ولك كل الشكر.

0 2916 21 مايو, 2013 العدد السابع والثلاثون, سياسة مايو 21, 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.