الحركات الإسلامية في عُمان قراءةٌ في معالم طريقٍ غامض ( 3 )

لـ

 

نشرت هذه الدراسة التي كتبت في العام 2010 مؤخراً في كتاب الحركات الاسلامية في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2013.

 

تابع: في المشتركات العامة لهذه الحركات

غياب الأدبيات المكتوبة

علينا أن نشير في هذا المقام إلى  أن هذه الجماعات لم تنتج أدبيات خاصة بها، تعبر من خلالها عن مشاريعها تجاه الأوضاع الاجتماعية والسياسية في عمان، مع اقتراح البدائل ومناقشتها مع الداعمين والمعارضين لها. بل أنها ربت كوادرها ومنتسبيها  على الأدبيات الإسلامية الرائجة في الوطن العربي معتمدة على كتابات سيد قطب والمودودي وحسن البنا والغزالي والشعراوي كما هو عند السنة، وعند الإباضية إضافة إلى هذه الأدبيات أدبيات التكوين الأول للمذهب الإباضي كما بحثها عمرو خليفة النامي وعوض خليفات وفرحات الجعبيري وعلي يحيى معمر،  وعند الشيعة مهدي الشيرازي وحسن الصفار. وهي أدبيات متوفرة في المكتبات العامة ويسمح بتداولها لذلك يصبح موضوع “سرية” عملها غير مبرر لكون مصادرها الفكرية في متناول الجميع. أضف إلى ذلك أن التعليم العالي والمتخصص في عمان لم يكن متوفرا بكثافة نوعية أو كمية إلا في نهاية الثمانينات وبداية التسعينيات من القرن العشرين. الأمر الذي أثر على مسألة إنتاج الأدبيات المكتوبة، وغياب المنظرين البارزين لكل تنظيم، مع وجود خطباء مفوهين يعتلون منابر المساجد متى ما أتيحت لهم الفرص. نذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر؛ احمد بن حمد الخليلي، صالح الملقوط وأحمد عوض الحسان.

الاستثناء البسيط الذي يستحق الذكرهنا هو مجلة ” الوعي” الشهرية والتي تعتبر لسان حال “الشيرازية الشيعية” والتي كانت تصدرها مكتبة الرسول الأعظم العامة في مطرح، وصدر العدد الأول منها في ديسمبر عام1977، إلا أنه صدر منها 11 عدداً فقط[1].

إن غياب أدبيات تعبر عن فكر وحراك أي تنظيم، أمر إشكالي بحق، إذ يسلمك هذا الوضع عند تحليلك للحالة الفكرية والتنظيمية إلى كثير من التخمينات والتوقعات، كما يصيب أفراد التنظيم بالضمور الفكري والتراجع الانتمائي بعد حين. لأن الأدبيات النابعة من التجارب العملية هي التي تكرس التجديد والحيوية في صفوف أي حركة سياسية.

السرية المُعطِلة

مارست جميع التنظيمات الثلاثة نشاطها الحركي في السر، الأمر الذي أثر على مسار تطورها سلباً. حيث أن فكرة إنشاء وتكوين “تنظيم”  يمارس أعماله بشكل سري؛ يُحرك شكوك وهواجس الدولة وقد يدفعها إلى القمع المباشر كما حدث ويحدث في بعض الأقطار العربية ومنها الأقطار الخليجية[2].

و التجربة العملية تخبرنا يومياً بأن لدى الحكومات والنُخب الحاكمة في منطقة الخليج العربي خاصة حساسية مفرطة من فكرة التنظيمات السياسية والأحزاب، وهذا أمر مرده إلى ظروف تولي هذه الأنظمة مقاليد الحكم والسياسة، أي شرعية وجودها ومصداقية استمرارها.  إضافة إلى تخويف الحلفاء المستمر من مفاجآت المجتمع الناشط؛ لكي لا تتأثر المصالح النفطية بالتحديد؛ لذلك تجدها تبالغ في تقصي هذه التنظيمات ومراقبتها، بل تبالغ في تأويل وتضخيم منطلقاتها الفكرية والحركية، وتحرص على تتبع وفهم الأشخاص المعنيين بإقامتها وتأسيسها ومصادر تمويلها لتصل إلى نهايات الخيط ومعرفة مدلولاته السياسية على وجه التحديد، وهل للفكرة ارتباطات خارجية؛ كل ذلك لإيجاد مبرر كافٍ ومقنع سواء للحاكم، أو المجتمع عندما يتم قمع هذا التنظيم أو تلك الجماعة.

إن مغامرة أية جماعة بإقامة (تنظيم) سريّ للعمل تحت الأرض ؛ أمر يستفز الدولة، ويقطع حبال التفاهم، وهو يولد قلقاً مفهوماً؛ خاصة فيما يتعلق بموضوعي “السيادة”  و”الشرعية” وهو قلق يكشف سريعا ما تتميّز بها (الدولة) و(السلطة) عند العرب وهو الخوف من فقدان تلك السيادة الهشة فتبدأ عندها الملاحقات والتغوّل في استخدام القوة[3].

في المقابل يتشكك المجتمع ويسيء الظنون بأي عمل ينتهج السرية، ولا يعلن عن نفسه بوضوح؛ ولا عن أطروحاته الفكرية، ولا مشاريعه البديلة. لقد “قتلتنا السرية” بحسب أحد قيادات تنظيم الإخوان المسلمين؛ على الرغم من أن السرية لم تكن سرية” تآمر” بل سرية “اضطرار” و”استتار”[4].

حدة تعامل السلطة المركزية

تعاملت السلطات العمانية وخاصة الأمنية مع هذه الجماعات والتنظيمات بحدة ظاهرة، وكأنها تود أن توصل رسائل عبرة للآخرين، بتمكنها من الإمساك بتلابيب المشهد السياسي والاجتماعي للبلاد. كما استخدمت هذه السلطات أسلوبين كانا فاعلين كما أوضحته عواقب الاعتقالات؛ الأول؛ المراقبة والإمهال تحت عين متيقظة تتعقب أدق تفاصيل التطور والتوسع لكل تنظيم. والثاني؛ استخدام الضربات الاستباقية والتي عادة ما كانت تخضع لمزيج من تقديرات داخلية كالتوازنات القبلية والطائفية والتذكير بقوة النظام، مع تقديرات خارجية من قبيل توصيات أجهزة أمنية عربية وغربية وثيقة الصلة كالأمن المصري والاستخبارات الأمريكية كما حدث مع تنظيم الإخوان المسلمين عام 1994م[5] ، أو لإرسال تطمينات سريعة لبعض الحلفاء بشأن معالجة موضوع ” الإرهاب”. ويؤكد هذا الترحيب الأمريكي بموجة اعتقالات الاسلاميين التي تمت في عمان في شهر مايو من العام 1994 إلى حد إشادة نائب الرئيس الامريكي (آل جور) بما أسماه” الوقفة القوية التي وقفها معنا السلطان قابوس في محاربة الإرهاب والتطرف الذي يهدد السلام والاستقرار في العالم كله.. حيث كان عملا قياديا بحق”[6] وكما حدث لتنظيم الإباضية في العام 2005 على خلفيات “الهبّة” الأمريكية على المنطقة على إثر أحداث 11سبتمبر، وما أعقبه من قرارات كارثية بإحتلال بلدين (أفغانستان والعراق) يشكلان ذاكرة خصبة للمجد والواجب الإسلامي عند المسلمين.

كما استخدمت القيادة  أشد التوصيفات، على غير عادتها ، في مثل هذه المناسبات؛ إذ وصف  السلطان قابوس: “التطرف مهما كانت مسمياته، والتعصب مهما كانت أشكاله، والتحزب مهما كانت دوافعه ومنطلقاته، نباتات كريهة سامة ترفضها التربة العمانية الطيبة التي لا تنبت إلا طيبا ، ولا تقبل أبداً أن تُلقى فيها بذور الفرقة والشقاق”[7].  “هذه مجموعة من البشر أعتقد أنها ضلت الطريق وسمحت لمن يغذي بعض أفكارها بأمور قد لا تكون واضحة”[8].  ويلقي مسؤول عماني رفيع آخر اللوم على الانفتاح العالمي؛” هذا ثمن الحضارة وما صاحبها من طفرة في مختلف العلوم]…[على الشباب حديثي الخبرة والتجربة، وهو الأمر الذي قد يجعلهم أسرى أفكار مستوردة لا تنسجم مع بيئتهم وتراثهم، إذا لم يتم تحصينهم بما يكفل لهم الحماية من خلال البرامج الوقائية المختلفة، وذلك يتطلب جهودا مشتركة تقوم بها الدولة من خلال الأجهزة المعنية دينيا وثقافيا وإعلاميا إلى جانب دور المجتمع والأسرة”.[9]

ناهيك عن أن معظم الاعتقالات لهذه التنظيمات نفذت بطريقة تعكس الكثير من القسوة الظاهرة والمبالغ فيها في بعض الأحيان بحسب تقارير دولية، حيث غالبا ما كانت اعتقالات أفراد هذه التنظيمات ما تتم “ما بين الواحدة والثالثة صباحاً باقتحام البيوت وتكسير الأبواب، وصولاً إلى غرف النوم والتفتيش بهمجية وعنف، وقد أصيب بعض الأطفال بصدمات نفسية من جراء مظاهر العنف هذه بحق والدهم أو شقيقهم الأكبر”[10]. كما مارست الأجهزة الأمنية أعلى درجات الكتمان عما حدث مع المعتقلين، “فقد اقتيدوا لجهات مجهولة” ولم “يسُمح لهم بالاتصال بذويهم ولا  بالعالم الخارجي”.[11] كما نظرت في قضيتهم محاكم خاصة؛ ” محاكم أمن دولة”. وأوضحت منظمات حقوقية عربية ودولية بأن “غياب أي دور للقضاء في هذه الاعتقالات؛ يعزز بكل سهولة احتمالات التعذيب والمعاملة اللاإنسانية والمحاكمة غير العادلة والسرية “[12]. مع حرمان بعض أفراد التنظيمات  من الرجوع إلى أعمالهم، أو تأخير إعادتهم لوظائفهم، وخاصة أولئك المنتسبين للقطاع العام. وإفساح المجال لهم في القطاع الخاص. كما أن التهم الموجهة لهم لم تعلن للملأ، مع استثناء بسيط حدث بشأن التنظيم الإباضي في العام 2005م حيث حول التنظيم إلى قضية “رأي عام”[13] شغلت الناس، وحركتهم في بعض المظاهرات المطالبة بالإفراج عنهم، أو الكتابات الداعمة لحقهم في التعبير عن آرائهم؛ نشرت في بعض المواقع والمنتديات الالكترونية العمانية والعربية.

 

 

 


[1] عقيل عبد الخالق،من تجارب العطاء: مجلة الوعي، جريدة الرؤية، الاربعاء 24/2/2010

[2] عبدالله النفيسي، الحالة الاسلامية في قطر، على الرابط التالي:

http://www.alnefisi.com

[3] عبدالله النفيسي، الحالة الاسلامية في قطر، مصدر سابق

[4] مقابلة مع أحد قياديي تنظيم الإخوان المسلمين، مسقط، بتاريخ4/4/2010م

[5]  مجلة المجتمع، الكويت، العدد 1158، 20 صفر 1416- 18/7/1995

[6] حسين مرسي الدين، عُمان في لحظة اختبار واختيار، قضايا دولية، لندن، العدد 285، السنة السادسة، 19 يونيو1995م

[7]  السلطان قابوس بن سعيد في الخطاب الذي ألقاه بمناسبة العيد الوطني في 18 نوفمبر 1994 في مدينة نزوى، من مصدر سابق

[8] عبدالعزيز الرواس، ، صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، العدد6604، الجمعة 27/12/ 1996

 

[9] حوار مع علي بن ماجد المعمري، وزير المكتب السلطاني، صحيفة عمان ،العدد6738، 13 نوفمبر 1999

[10] Unusual human rights in the unusually quiet sultanate of Oman, September 30,1994, SIHR, Report/-Oman9403/9

[11] بيان اللجنة العربية لحقوق الإنسان: www.achr.nu/achr.ar

[12]  Ibid,p6   Unusual human rights in the unusually quiet sultanate of Oman

[13] انظر جريدة الشبيبة العمانية، ملحق شامل وخاص بقضية التنظيم بتاريخ 3 مايو 2005، العدد 3790مع تغطيات وافرة لصحيفتي “عمان” و”الوطن” في نفس الفترة. (19 ابريل وحتى 5 مايو 2005م)

0 2557 21 مايو, 2013 العدد السابع والثلاثون, سياسة مايو 21, 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.