رسائل الحياة من عاصمة الكتاب بانغ كوك 2013- بانكوك كتاب المعارض والمتاحف

لـ

في الدور العلوي من مقهى وحانة صغيرة اسمها WTF والتي بالكاد يمكن العثور عليها في إحدى التفرعات الصغيرة من شارع سكوم فيت، ستتاح لي مشاهدة فيلم يوميات لشهيد الصحافة الانجليزي الأمريكي تيم هيثرينجتون والذي استشهد في مصراته بليبيا في إبريل 2011م، مع معرض مصغّر لصوره التي التقطها للجنود الأمريكيين في أفغانستان، وحدي في غريفة صغيرة كنت أشاهد يوميات هيثرينجتون الفيلم الذي أنجزه بعد 10 أعوام من العمل كمراسل على الخطوط الأمامية للحروب، كان الفيلم يبدو ظاهرياً غير مكترث بالترابط لكنه كان قوياً في تتابع المشاهد المتناقضة بين رعب الأهالي من عصابات الحرب في افريقيا وفتيات الحرب وفتيانها الأفارقة، وازدحام سيارات الأجرة في نيويورك. مع فواصل بمروحة السقف مدموجة باتقان في المشاهد المتتالية. بعد الفيلم كتبت في مفكرتي الصغيرة ما يلي بالحرف:

ما الذي تعنيه الحياة في المنزلق حيث الجماعات البشرية تتناحر؟

ماذا تعني (أوضاع سياسية مضطربة) في ميزان الحياة والموت؟

الفقر والاضطراب، الإنسان والأمن، الحركة العكسية: الحرب..

بعيداً عن الحانة الصغيرة في جهة أخرى من بانكوك وبالضبط في مركز بانكوك الفني الثقافي BACC القريب من محطة المجمع الوطني والمقابل لمركز MBK الشهير، تمكنت من زيارة عدة معارض فنية لفنانين عدة من بلدان أسيا الشرقية مثل تايلند وفيتنام وكمبوديا وأندونيسيا، كالمعرض الفني للصيدلة الذي يعالج موضوع الأدوية المغشوشة والمقام في المعرض الرئيسي بالطابق الثامن، والمعرض الفني حول البوذية والفن، ومعرض منوع حول رسوم الكارتون والرسوم التوضيحية للفنانين راج ليو سوانج و الفنان سومبوون هورمتيان تونج

في المبنى الكبير لمعرض سيام في سايلوم والبنايات المجاورة له سأرى بعضاً من لوحات الفن الحديث التايلندي الشاب، بعضها معروض في الحديقة القريبة، والآخر في قاعات مغلقة أو في طابق الميزانين فوق المقاهي، وفي كثير من الأعمال سأرى الفنانين التايلنديين وفناني شرق آسيا يعيدون تقديم امتعاضهم من المدنية القاتلة بطريقة حديثة التعبير مليئة بالألوان القوية في لوحات متعددة، تلتقط بريشتها وعدستها وأعمالها الفنية تلك الدوامة الحياتية التي تدور كالزوبعة الضخمة لتبتلع هشاشة الإنسان، تلك الهشاشة الإنسانية والمتأججة بالرغبات والأحلام حين تصطدم بخرسانات الرأسمالية المسلحة وشوارعها الاسفلتية السوداء، وترمي رصاصها ونيرانها القاتلة، يرسمها الفنانون غير متنكرين للرهافة الطبيعية والخصوبة والعنف لتمتلئ بأعمالهم الفنية اللوحات المعروضة. كما في معرض (ولدتُ لأموت) للفنانة التايلندية الألمانية الشابة ميلاني جريس (22عاماً) وهو معرضها الشخصي الأول. والمقام في قاعة (أسرار مايا) وعنوان المعرض مستلهم من الأغنية الرئيسية  Born to die في ألبوم المغنية الأمريكية لانا ديل ري الذي اشتهر العام الماضي 2012.

أما في الأدوار العلوية من معرض سيام، حيث السفلية مخصصة لبيع الفضيات والمجوهراتـ فسيجد الزائر عدة معارض قائمة بحضور فنانيها، ومن هناك سأحصل على بضعة كتيبات لمعارض أقيمت من قبل وشدني منها معرض للفنانة المصورة شارين ثورن راشو روتشاتا لثيمة وحدة الفتاة الغنية (لوك كون نو)، وكما في وحدة الثقافة المهووسة بالعولمة في معرض (الجنون الجيد) للفنان سوتي كوانافي شايانونت.

مع هذا التنويع الفني المعولم، أو الذي هو نتاج للتفاعل مع العولمة، يحضر الفن التقليدي الشرقي التايلندي في أجساد اللوحات المعروضة، بنكهته الشرقية المميزة، التي تستوعب منها بانكوك عشرات المعارض الفنية في الشهر الواحد، وتصدر خارطة شهرية خاصة بالفعاليات الفنية في بانكوك (bam)، ناهيك بالمعروض منها في الشوارع، فيما تبدو بانكوك قبلة فنية جذابة لجمهور الفن، تستطيع إشباع تطلعاتهم بلا توقف. خاصة مؤخراً مع تسيّد الصينيين لسوق شراء الأعمال الفنية وتوجههم لشراء الأعمال الشرق آسيوية بدل الأوروبية والأمريكية.

أما الفن البوذي الأصلي في بانكوك كما يبدو في المعابد بالأخص له صبغة الفخامة والقوة الفنية والوضوح الكامل، بينما ينحو للغرابة في تماثيل الحيوانات والشخصيات الأسطورية والتي لعلها في الأصل كانت تشير للقوى السحرية الكامنة. وبذلك تضمن تلك التماثيل الفنية تأثيراً فنياً قوياً خاصة في العصور القديمة، لكن على النقيض والضد من ذلك في تماثيل بوذا، حيث لا نجد الغرابة والتعقيد بل دوماً تنحو لبساطة الخطوط الإجمالية له مع الوضوح، فتصوير بوذا يتم شحنه بكل ما في التصور البوذي لبوذا المسالم البسيط، الذي حتى وإن طلي تمثالهُ بالذهب الخالص، لكنهُ يظل في كافة الأوضاع والأشكال المختلفة والتغيير الجنسي يعطي ذلك الانطباع التخطيطي البسيط، على عكس بقية التماثيل التي تصور شخصيات أخرى تنتمي للمثيولوجيا البوذية والتي تبدو مليئة بالغرابة التعبيرية.

المثقفون الفرانكوفونيون القاطنون في بانكوك يجتمعون عادة في مقهى 1912 في المركز الفرنسي في شارع ساثورن حيث تقام فضلاً عن تعليم الفرنسية عدة معارض فنية وتوجد مكتبة وقاعات مخصصة للمسرح وحين مررت كان التجهيز قائما لمعرض بورتريهات لايكا للمصور إيمانويل بونويت، ولايكا هي ماركة الكاميرا أما البورتريهات نفسها فجميعها مغطاة بالقناع أو النقاب كالذي يرتديه اللصوص، مع كاميرا لايكا معلقة على الرقبة، ولا يظهر سوى العينين والفم.

ستجد الفن في بانكوك معروضاً في امكنة متكاثرة مثلما تحتضن عدة فنادق كبيرة في نفس الشارع ساثورن عدداً من المعارض الفنية، فضلاً عن الجامعات والمراكز، وبانكوك ملأى بالمعارض الفنية مثل امتلائها بالمتاحف المتعددة، كذلك المتحف البسيط متحف منزل كام ثيينج لحضارة لانا في شارع أسوك وهو عبارة عن متحف أقامه صاحبه منذ مائة عام تقريباً لحضارة لانا، ويستضيف حفلات عزف موسيقية في قاعته الرئيسية، كما أنه مقر للجمعية التايلندية التي تشرف على المتحف المبني على هيئة أكواخ الفلاحين حيث يمكن التعرف على طريقة حياة شعب اللانا في جنوب تايلند، وطريقة حياة الفلاح التايلندي ومعتقداته وتصوراته ومطبخه وموسيقاه بشكل عام، في نفس الوقت تحتفل الأوبرا بإحدى العروض الاوبرالية العالمية وتنتشر إعلاناتها في قطارات المترو والقطار السريع.

photo-1بين المعقد الفخم والبسيط تجد الفن حاضراً ومعروضاً حتى في المطاعم كمطعم سم سقراط في شارع الفاراتيد (الشمس) في بانكوك القديمة، أو في مقاهى مركز بانكوك الفني التي يديرها فنانون، ويعرضون أعمالهم أو أعمال فنانين آخرين.

لم يكن تطوافي بالمعارض الفنية والمتاحف إلا محاولة لولوج أعمق، وللتغلغل أكثر في عالم بانغ كوك التعبيري، حاولت عبر التفرس ومطالعة اللوحات الفنية أن أقبض على انعكاسات روح المدينة عبر أعمال فنانيها، لكن ما وجدته من ذلك التطواف البسيط كان أغنى من ذلك، إذ أتاح لي التعرف على فن شرق آسيا المعاصر، فضلاً عن الفن العالمي، وعلى الحيوية الفنية التي تزخر بها بانكوك، بانغ كوك الخالصة، التي ظننت أنني لمحتها هناك مجردة من تسترها خلف بوذا، بانغ كوك العارية المتجردة فقد كانت هناك، شهية ومخيفة في آن معاً، عنيفة وشديدة النعومة، باهرة وجذابة ولكنها بأشواك، شديدة الورع والتقى لكن فمها فاجر، وبسيطة مع إنسانها البسيط لكنها تعلن بكل وضوح أنها تستطيع ابتلاع العالم في جوفها؛ أحقاً هكذا تراءت بانغ كوك لي في اللوحات الفنية. أم كانت تلك استيهاماتي؟ لست أدري حقاً..

0 1456 24 يوليو, 2013 العدد التاسع والثلاثون, ثقافة وفكر يوليو 24, 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.