رسائل الحياة من بانغ كوك عاصمة الكتاب 2013- كتاب الكتب

لـ

صناعة الكتاب التايلندية متصلة مع عالم الكتب العالمي بحضور بانغ كوك هذا العام كعاصمة الكتاب العالمية، ليتجاوب مع كتابها المفتوح نفسه: كتاب يومياتها النهرية؛ تشدك الكتب التايلندية المعاصرة على أرفف المكتبات بتصميم أغلفتها الأنيقة والذي صار مؤخراً سوقاً يتنافس فيها الفنانون لتصميم أغلفة رائعة وجذابة تليق بالكتب، مثلما يوضح ذلك مثال الشاب البانغكوكي مواليد 1973 برابدا يوون فهو صاحب دار نشر تايفون Typhoon ومقهى ومكتبة bookmoby   والكائنة في مركز بانغ كوك الفني الثقافي، ويوون في نفس الوقت القاص الشاب الحائز على جائزة الكتاب الآسيويين 2002 والروائي والمغني (اصدر ألبوماً غنائياً) وكاتب السيناريو لثلاثة أفلام، وترجم للقاص الأمريكي جيرمو سالينجر وللأرجنتيني الأشهر بورخيس إلى التايلندية ويعمل الآن على ترجمة لوليتا نابكوف، وفوق ذلك هو المحرر لمجلة الكاتب الصادرة في بانغ كوك وخريج التصميم في مدرسة كوبر المتحدة بنيويورك وعمل مصمماً لفترة في مانهاتن.

يوون مثال نموذجي لكثير من شباب المدينة المنغمسين في انجاز ما يحبون بكل طاقاتهم مسخرين كافة مواهبهم في انتاجية تثير الرغبة في أن يكون لدى مدننا ما يشبهها، فشباب بانكوك المبدعين يعملون ودون توقف لتخطي كل العقبات البيروقراطية المعتادة في دول العالم الثالث، وذلك عبر اندماجهم في العالمية في نفس الوقت الذي يعملون فيه داخل حقل ثقافتهم وبيئتهم ولغتهم ومكانهم، تاركين لمؤسسات السلطة محاولة اللحاق بهم.

برابدا يوون مثلاً وهو الشغوف بالأدب والكتب يعمل باستمرار ودون توقف لإعادة تقديم الكتب والفن للناس وتشجيع الناس على القراءة، وفي مقهى بوك موبي سيجد الزائر قماشة بيضاء تغطي السقف تحوي مختارات لآراء كبار الكتاب العالميين والتايلنديين في القراءة والكتب، وهي التي أغرم بها الشاعر محمد الحارثي حتى أنه أوصى على تصميم أخرى شبيهة لها ليحملها معه لعمان.

ومن يستعرض أرفف المكتبات في بانغ كوك يشاهد بوضوح مدى وقوة الترجمة النشطة المواكبة بين اللغات العالمية واللغة التايلندية، والتايلنديون رغم الانصهار المديني الحداثوي تجدهم لا يتخلون عن لغتهم وثقافتهم وطعامهم ما يجعل التايلندية حاضرة في كافة مناشط وزوايا الحياة، وما يجعل التواصل بالانجليزية بالتالي وإن كان مساعداً لكنه يبقى وفق قواعد اللغة التايلندية نفسها، تلك التي لا تعترف مثلاً بالسين إلا كحرف متحرك وتمحيها تماماً في السكون، وهذا ما يخلق مواقف طريفة لمن لا يدرك تلك الميزة.

أخبار معرض الكتاب السنوي في ابريل لا تزال تدور في المدينة، والمدينة تتزين باللافتات التي تشهرها كعاصمة للكتاب خاصة قرب مركز بانغ كوك الثقافي الفني، الذي لا يتوقف عن الاحتفاءات الفنية الثقافية بالمعارض المتنوعة، وجائزة الكتاب الآسيويين تحتفل بدورتها الخامسة والثلاثين هذا العام في نفس المركز، الفن في بانغ كوك خصب، والأدب حيوي، والمقاومة للاستلاب العالمي ورفض الخضوع المطلق والانصياع للنظام الخانق مستمرة دون توقف، بكافة الأشكال والألوان التعبيرية المتنوعة. والأدب التايلندي المعاصر مشغول بالبناء والعمل العميق عبر استيعاب طبيعة الأدب العالمي (وهو هنا كما لدينا يعني الأدب الغربي) ومد الخطوط المفتوحة إليه والبناء عليه لكن بأسلوب تايلندي.

في شهر مايو شهدت بانغ كوك معرضين صغيرين للكتب أحدهما خاص بالكتب الصينية، في تواصل الحالة الكتبية المستمر مع العواصم المحيطة أو العالمية والتي لها مراكز ثقافية وفنية في بانغ كوك كالمركز الياباني مثلاً الذي لا يتوقف عن إقامة الأنشطة، وكمعهد جوته الألماني الذي أقام في مايو معرضاً لصور المباني الألمانية في مركز باراجون سيام وهو أكبر مراكز بانغ كوك التجارية.

وصلت بانغ كوك بعد انتهاء المعرض السنوي للكتاب، لكن مع ذلك أتاحت لي عدة زيارات لمكتبات مركز بانغ كوك للفن والثقافة ومكتبات المراكز التجارية الكبيرة التعرف على جانب من حياة الكتب في بانغ كوك، ومتابعة صحف بانغكوكية كالبانغكوك بوست الإلمام بالحيوية التي تعيش في الكتب، ناهيك عن حياة أدبية ثرية، ومستوى شعري رفيع استطعت أن أتلمسه في لقائي بالشاعر التايلندي المدهش زكريا أماتايا والذي تعود أصوله للجنوب التايلندي المسلم، والحائز على جائزة الكتاب الأسيوين في 2010 عن مجموعته الشعرية (لا عوانس في القصيدة) والذي ترجم للإنجليزية بعنوان (لا نساء في القصيدة)

وإذ أتيح لي التعرف بأحد أدباء بانغ كوك المعاصرين فقد استطعت التعرف على الحدود الرصينة والجادة والمنغمسة تماماً في لب المركز المهموم بالوجود وتحريره من سطوة الكينونة نحو فضاءات الوجود الفعال، كل ذلك عبر الأدب الذي لا يكف عن السعي المستمر لتخصيب الحياة وتنقيتها من الشوائب القتّالة.

الأدب التايلندي حيوي وذلك واضحٌ من حراك الأدباء الشباب في بانغ كوك، من فعاليتهم المستمرة وشغفهم بالكتابة، وتحررهم من ربقة الحدود المكانية واتجاههم الواضح نحو الأدب العالمي، وتلك حيوية ليست غريبة على مدينة ضاجة وممتلئة بالحياة الصريحة. تجذب أبناء العالم وشبابه إليها، حتى أن عبارة: الشارع مزدحم بالعالم تكون صادقة بحذافيرها في وصف ازدحامات بانغ كوك

 

7. كتاب القهوة والشاي في بانغ كوك

المقهى الذي في الدور الأرضي لمركز بانغ كوك الثقافي يقدم واحداً من أفضل أكواب القهوة التي يمكن تذوقها في بانغ كوك، دون وجود ماكينة قهوة سريعة واحدة فيه، بل يعتمد طريقة التحضير التقليدي بالتقطير اليدوي والغلي وفق درجات الحرارة المضبوطة مع تشكيلة رائعة من الخيارات. مقهى أليف يحاول استحضار روح القهوة، وفيه قمنا أنا والشاعرين العماني محمد الحارثي والتايلندي زكريا أماتايا بترجمة إحدى قصائد الأخير الرائعة والصادرة في ديوانه الأخير (لكن داخلنا عميق كالبحر) ترجمناها عبر ثلاث لغات وثلاثة أكواب قهوة صادقة. وكان عنوان القصيدة (حكاية) والتي ربما يتاح لي نشرها للقراء لاحقاً مع لقاء مع الشاعر.

في مركز إمبريال في الدور الأرضي مقهى تابع لشركة TWG يقدم ما يزيد عن ألف نوع من الشاي، من الشاي الأبيض والأزرق والأصفر حتى الشاي الأخضر والأسود المعتادين. حيث رشفت شاياً من اختيار النادل كانت كل رشفة منه تطوح بي في وادي أفكار ومعاني مختلف. وحتى صرت بعده لا أستسيغ الشاي التجاري الذي يباع لدينا المحلات إلا مخلوطاً بنكهة كالحليب والسكر تخفف عني المرارة الشديدة والطعم الذي لم أعد أستسيغه بعد تذوق طعم الشاي الحقيقي.

ربما كانت فلسفة إمتاع الحواس وسط محورية الحياة الروحية الملتفة حول البوذية هي الفلسفة الواضحة الظاهرة للمدينة بانغ كوك، لكن في خلف القشرة الشكلية هناك حضور وجذور صلب وقوي متصل بقلب الحياة عبر ذلك النهر النبيل، والنهر هو معلم بانغ كوك الأول، وبانغ كوك تلميذته الوفية، تنجح في خطواتها العالمية بتلك الحكمة، بحكمة الماء النهري وهو يجري في أنساغ العالم.

8. بانغ كوك خارج المتن

بائع الفواكه الأشيب في عربة فواكهه القريبة من الفندق سيحرص على الحقيبة التي ظننت أنني فقدتها وبها كافة وثائقي إلى الأبد في تاكسي عابر، سيعيد لي الروح والفرح رافضاً حتى المبلغ الهزيل الذي قدمتهُ إليه كشكر بعد أن كدت أنهي الخطوة الأخيرة بالتوجه للسفارة العمانية، وفيما كنت اتصل لإبلاغهم بالحادثة وهم يعدونني باستخراج جواز مرور مؤقت. إذا بالعجوز الظريفة الأنيقة صاحبة الفندق تقودني من يدي نحو البائع الذي يسألني عن اسمي الكامل ليتأكد من كوني صاحب الحقيبة. فيما أعلمني أحد موظفي السفارة أن أسعار الجوازات في السوق السوداء يبلغ الثلاثة آلاف ريال تقريباً.

بائعة كرز الماو التي لاقتني صدفة تائهاً في محطة المترو في زحمة نهاية الاسبوع غارقاً وتائهاً ووسط الطوفان البشري المزدحم ستمد لي يد المساعدة (كيدٍ من خلال الموج مُدت لغريق) ببطاقة ركوب للقطار السريع وهي في طريقها لموعد صديقاتها في سايلوم، هي التي بالكاد تعرفني زبوناً صباحياً في المقهى الذي تعمل به قرب مستشفى بانغ كوك.

فاكهة الدوريان (ملك الفواكه) الذي ذبت في تجربته جعلتني أسعى لتهريبه هو وملكة الفواكه (المانغوستين) عبر القطارات والحدود والمطارات بينما القوانين تحرم سفر ملك الفواكه على متن المواصلات العامة، بسبب رائحته الملكية النفاذة. مع ذلك تساهل موظفو ناقلنا الوطني مع صدقي في الاعتراف بما تحتويه الصناديق لكن لم يسامحوني في الخمسة كيلوجرامات الزائدة طالبين مني التصرف وتسول المساعدة من ركاب آخرين أو ترك الشحنة، وهكذا اضطررت لحمل حقائبي في يدي، كي يستطيع ملك وملكة الفواكه السفر في الشحن.

لكن رغم موقف المطار المربك والتأخير الذي عانيته وهرولتي بحقائبي في مطار بانكوك للحاق بالطائرة لم ينسني أن ألقي نظرة امتنان وداعية ليلية على بانغ كوك من نافذة الطائرة الضيقة بينما كانت الطائرة تحلق، هناك لمحت بانغ كوك لآخر مرة، تغوص وتتحول لأضواء بعيدة، تتلألأ وتذوب كما لو على سطح كتاب نهري. يحكي حكاية قديمة لا تزال تروى عن بلدة صغيرة صارت مدينة ضخمة هائلة لكنها تعترف بأنها تدين بكل الفضل لذلك النهر الأمومي النبيل الفارآيا المتدفق حيوية والذي علمها سر الحياة..

0 1391 31 يوليو, 2013 العدد التاسع والثلاثون, ثقافة وفكر يوليو 31, 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.