المتاجرة بدم المصريين

لـ

” 1 “

إن الذي يجري في مصر الآن بكل بساطة هو صراع على السلطة، ولا ينبغي تضخيم الموضوع وإعطاؤه أكبر من حجمه، بأن يوصف مثلا بأنه حرب على الإسلام، فالحربُ الحقيقية على الإسلام وعلى المسلمين وقعت وتقع في أماكن كثيرة، أهمها احتلال فلسطين وتهويد القدس والعمل على هدم المسجد الأقصى، هذا غير ما ينال المسلمين من قتل وتطهير في أماكن كثيرة بأيدي غير المسلمين، ولعل وضع المسلمين “الروهينجا” في بورما أكبر مثال، فهؤلاء حالهم كحال الفلسطينيين فإنهم يُقتلون بأيدي غير المسلمين بهدف إبادتهم ومحو الإسلام من تلك البقاع، بمعنى لا يُقتلون بأيدي المسلمين كما هو حادث في مصر وسوريا والعراق والصومال واليمن وباكستان وأفغانستان وغيرها، فما يحصل في مصر هو أن فئة رأت أنها تملك شرعية حصلت عليها عبر صناديق الاقتراح ويجب أن تتمسك بها حتى وإن أريقت أنهار من الدماء، وفئة أخرى ترى أن الجماعة المخالفة عندما تولت السلطة عاما واحدا وقعت في أخطاء كثيرة وعملت على تمكين نفسها في مرافق الدولة كلها، بعد العمل السري غير المعترف به رسميا أكثر من 80 عاما، فلجأت الفئة الثانية إلى وضع خريطة طريق رأتها أنها تنفذ مصر من السقوط في هوّة سحيقة، فكان ما كان، ومن هنا برزت دول وجماعات وأفراد، كلّ أحد يناصر طرفا على حساب طرف آخر، وكلّ طرف لا يرى إلا محاسن الطرف الذي يؤيده، فظهر من يصوّر “مرسي” وجماعته كأنهم شياطين، وأن “السيسي” ومؤيديه ملائكة، فيما صوّر البعض الآخر “مرسي” وجماعته كأنه نبي والصحابة، وأن “السيسي” ومؤيديه ليسوا إلا إبليس في صورة إنسان، وفي الحالتين فإن الضحية هي مصر والمصريون، لأن هناك دولا وشيوخا وكتابا صاروا يتاجرون بدم المصريين، لدرجة أنّ الانقسام أصاب حتى الأسرة الواحدة، لأن الحقيقة غابت عن الكل ولم يعد الإنسان يعرف أين الخطأ وأين الصواب، وأن الحق مع من؟! إذ صارت الحقيقة أيضا ضحية لما يجري في مصر حاليا، وأصبح الزور هو المنتصر، مما جعل القاص “مجدي شلبي” يكتب قصة قصيرة جدا، عنوانها “انقسام” يقول فيها “انقسم العالم إلى دول.. انقسمت الدول إلى أحزاب..وانقسم الفرد إلى شقين: نصفٌ مؤيد، ونصفٌ معارض”، في إشارة إلى ما يعتري الناس من الحيرة.

” 2 “

وحقيقة أنا في حيرة من أمري فلم أكن أظن أن ما يحصل في مصر الآن كان يمكن أن يحصل في حياتنا باعتبار أن مصر أكبر وأقوى وأهم دولة عربية وبها جيش وأمن قويان، رغم أني قرأت كثيرا من الدراسات التي تتحدث عن تقسيم مصر إلى أربع دول، هي دولةٌ نوبية في الصعيد مع ضم بعض أجزاء شمال السودان لها، ودولةٌ قبطية وعاصمتها الأسكندرية، ومصر الحالية وعاصمتها القاهرة، ثم دولةٌ رابعة في سيناء، وهي التي بدأت تتشكل ملامحها الآن، وهذا يجعل من متخذي القرار في بقية الدول العربية أن يكونوا مستعدين لما هو قادم، لأن إذا كان حال مصر هكذا، فكيف بمن هو أضعف؟ ثم هذا بدوره يجرّنا إلى نقطة أخرى هامة وهي أن على الدول العربية وخاصة بعض دول الخليج أن تتوقف عن التدخل في الشؤون الداخلية لمصر، فقد كان الأولى منها أن تسعى بكل ما تملك من نفوذ ومال إلى إجراء مصالحة بين الطرفين، وكانت ممكنة جدا، ولكن هذه الدول أرادت أن تصفّي حساباتها مع بعض الجماعات في مصر، على حساب الشعب المصري، ثم إن بعض ممن يُسمّون ب”الشيوخ” قد أذكوا النار أكثر، بدعوتهم للشعب المصري أن يخرج إلى الشوارع وأن يقاوم وأن يمارس العنف، في وقت هم يعيشون في المكيفات الباردة ويعتاشون على الهبات التي تأتيهم من الملوك، ويركبون السيارات الفارهة التي لا يحلم بها حتى بعض أغنياء مصر، ويقضون إجازاتهم في شاليهات أوروبا، ولكن ما يؤسف له أن المصريين أنفسهم انصاعوا واستجابوا لكل الصيحات التي تأتيهم من الخارج، ورفضوا مبادرة الأزهر الشريف لفض الاعتصامات سلميا، في انتظار المتاجرة أيضا بالدم المصري محليا ودوليا، وفي هذا انتقد د. “حسن عبد ربه المصري” عدم رضوخ الجماعة للحل السلمي، وذلك في مقال كتبه في “القدس العربي” تحت عنوان “جماعة الإخوان وفكرة الانتحار الجماعي” قال فيه إن تاريخ الجماعة شهد منذ منتصف القرن الماضي تنامي ذكاء قادتها وقدرتهم على الانحناء أمام العواصف الكثيرة، وتخطّي المآسي السياسية التي تعرضت لها منذ أيام النظام الملكي، وشهد لهم المؤرخون بالبراعة في التعامل مع الحدث وفق زمنه ومعطياته، بهدف الحفاظ على إطارهم التنظيمي والإبقاء على قدرتهم التفعيلية، ومن ثم التأثير من داخل المجتمع، لكنهم هذه المرة يُصرون على، إما أن يستعيدوا كل ما جنوه منذ يناير 2011 حتى يونيو 2013، وإما ان يضحّوا من أجله بأنفسهم ومعهم أبرياء لا ذنب لهم، فلم يفكر أحدٌ من قادتهم في حل وسط يسعى إلى الحفاظ على الدم المصري وهم جزء منه، ولم يسع بعضهم إلى وسطية مقبولة في تخفيف سقف مطالبهم التي تجاوزها الزمن، ولا تجرأ واحد منهم على تبادل الرأي مع الأيدي الممدودة لهم من جانب كبار قيادات التيار السياسي الاسلامي، الذين كانوا إلى الأمس القريب متحالفين معهم.

” 3 “

في الوقت الذي كنا نتوقع من الكل أن يتدخل لوضع الحلول في مصر ولتجنيب مصر مصيرا مظلما ولحقن دماء المصريين، وجدنا أن سوق المتاجرة بدم المصريين يرتفع شأنها، وكان في مقدمة هؤلاء المتاجرين الشيخ د.”يوسف القرضاوي” الذي أصبح فعلا مفتيا للدماء- وهو عالم جليل-، فقد توجه إلى المصريين عبر الجزيرة بالقول: “حرام عليكم أن تظلوا في البيوت بعد اليوم، فرض عين على كل مصري قادر يؤمن بالله وبرسالاته أن يخرج من بيته لإظهار أنه غير راض عما يجري، ليُروا الناسَ أنهم غير راضين عن قتل الأنفس كأنهم صراصير أو فئران،” داعيا إلى تحويل يوم الجمعة إلى “يوم غضب” ضد كل ما جرى، وقد استجاب الناس وجرت في هذه الجمعة الدماء بالفعل، لكن الشيخ كان بعيدا عنهم يرفل في النعيم، وقد استنكر الكثيرون تصريحات الشيخ “القرضاوي” حيث قال “عفت السادات”، رئيس حزب “السادات الديمقراطي” إن دعوة “القرضاوي” لجموع المسلمين في العالم العربي والإسلامي للجهاد في مصر ونصرة مؤيدي الرئيس السابق، من شأنها زيادة العنف والإرهاب في الشارع المصري، واتهم الساداتُ، “القرضاوي” بأنه يصر على المتاجرة بالدماء وبالدين من أجل تحقيق مكاسب سياسية للجماعة ولحساب دولة خارجية تحتضنه وتملي عليه ما يقول، دون أي وازع من الوطنية أو الإيمان – على حد قوله.

ثم هناك من الخليجيين من يُصر على المتاجرة بدم الأبرياء، إذ كتب “نبيل العوضي” داعيا المصريين إلى تقديم أرواحهم رخيصة: ” أيها الشعب المصري العظيم، لو قدّمت اليوم ألف ألف شهيد لتسترد إرادتك وتقيم العدل في أمتك فلن يكون هذا كثيرا”، أما د. “شافي العجمي” فيقول “إذا كان الشعب المصري مخيّرا بين أن يعيش 90 مليون تحت الظلم والعبودية والفجور، أو أن يُقتل مليونٌ ليحيا الباقي، فإن العقل والشرع يأمران بالثاني”، وهي دعوة لقتل المصريين بالمجان،  والدمُ المصري في كل الأحوال حرام سواء كان من الأجهزة الحكومية أو من الإخوان فلا فرق في ذلك، لأن على أي دولة أن تفرض الأمن والنظام، وأنا هنا ضد كل العنف الذي استخدمه الجيش، حتى لا يُفهم غير ذلك، وهو وارد.

” 4 “

نقول رحم الله المشايخ الكبار الذين أخلصوا لله، فبعض الشيوخ الجدد إنما يتاجرون بالدين كما يتاجرون بالدماء، فالكاتب “مشعل السديري” كتب مقالا بعنوان “أصحاب اللحوم المسمومة” في جريدة “الشرق الأوسط” بتاريخ (14/8/2010م) ذكر فيه أن ” أن أحد الصحافيين الخبثاء فضح أحد هؤلاء الدعاة عندما قرأ مسودة محاضرته قبل أن يلقيها, ويقول بالحرف الواحد: كنت أقرأ أمامي وقفات كتبها ذلك الشيخ الداعية، فبعد كل عدة أسطر وجدته يكتب ملاحظة:(هنا يجب أن أرفع صوتي, أو هنا يجب أن أبتسم, أو هنا يجب أن أبكي), أي أن المسألة كلها تمثيل وضحك على الذقون. ويمضي ذلك الصحافي قائلا: إن ذلك الداعية بعد أن انتهى من محاضرته تلك أتيتُه قائلا: أراك يا فضيلة الشيخ قد ذرفتَ هذه الليلة دموعا كثيرة, وتفاجأت برده وكأنه يلقمني حجرا عندما أجابني من دون أي خجل, ومن دون أن يرف له رمش قائلا: نعم إنها دموع نحشد بها الجماهير”.

على المصريين أن ينتبهوا لأصوات كهذه، التي انطلقت في غفلة من الزمن، فعندما كانت مصر تقود الأمة العربية وتقوم بدورها القيادي ما كان لمثل هؤلاء أن يظهروا، وللأسف فإن كل ما يقولونه ويكتبونه ينسبونه إلى الدين، والدينُ منهم براء، وعلى كل من يؤيد جماعة الإخوان المسلمين أن لا يعتبر أي رأي معارض لهم هو عداوة للإسلام كما يحصل من الإخوانيين الآن، ويبقى أن نقول إن موقف جلالة السلطان المعظم حفظه الله ورعاه وموقف السلطنة من عدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير – كما فعل الآخرون – هو موقف مشرف جدا، ستثبت الأيام صحته، عندما يتعرض الآخرون لهزات، وهي قادمة لا محالة.!

0 1868 18 أغسطس, 2013 العدد الاربعون, سياسة أغسطس 18, 2013
Avatar

عن الكاتب

كاتب وإعلامي عماني Zahir679@gmail.com

عرض كل المواضيع التي كتبها زاهر بن حارث المحروقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.