“وكأنك يا أبو زيد ما غزيت”

لـ

” 1 “

إن هذا المثل يصور الوضع في دول الثورات العربية وخاصة مصر أبلغ تصوير، وأن ما ظنه الناس من أن هذه الثورات التي إنما هي مقدمة خير للشعوب العربية بعد فترة عاش فيها العرب من الحرمان من كل شيء، فإذا الحقيقة تتكشف أن الأمر برمته لم يكن إلا مسرحية أدت إلى تغيير صور الأبطال فقط بصور أبطال آخرين، فعلوا مثل ما فعل الراحلون بل أكثر، لدرجة أن هناك الكثيرين بكوا على الديكتاتوريات، وهي من المفارقات العجيبة، فالثورات العربية وصلت إلى حد إعلان إفلاسها لأنها أثبتت أنها تحركات انفعالية فقط، افتقدت إلى القيادة والرؤية والهدف، وتلك من أساسيات أي ثورة في العالم، رغم أن هدف تحرك الشعوب في الأساس كان سليما، وهو كان ردة فعل طبيعية عن انتشار الفساد والديكتاتورية والظلم والقهر والقمع، ولكن دون خطة مدروسة تحدّد أفاق ما تتطلع إلى تحقيقه الشعوب العربية، مما جعل الكثرين يرون أن كل هذه الحركات إنما جاءت ضمن مخطط “الفوضى الخلاقة”، ولا تثريب على من رأى هذا الرأي، فبغياب قيادة حقيقية للثورات وبغياب الأهداف الواضحة، انسحب ثوار تونس من المشهد لصالح آخرين كانوا أقرب إلى الوفاق مع نظام “زين العابدين بن علي” ولم تلمس تونس حتى الآن أي تغيير جدي، بل إن هناك من التونسيين من يرى أن “ابن علي، الذي رحل” أتقى من “الغنوشي”، إذ استطاع الروائي “سليمان المعمري” أن يصور ذلك أجمل تصوير في روايته الرائعة “الذي لا يحب جمال عبد الناصر”، من خلال شهادات جمعها من المثقفين التونسيين، والحالُ كذلك في مصر التي اختفى فيها ثوار ميدان “التحرير” من المشهد، وسرقت قوى لم تشارك في التظاهر ضد النظام السابق الثورة وجنت الثمار، وكذلك هو الوضع في ليبيا واليمن وسوريا، مما يدل على أن هناك خللا مّا في المسألة، حيث غابت عن الواجهة قوى التغيير الفعلية من الشباب وحلت مكانها الوجوه التي كانت تتعامل مع الأنظمة السابقة، أو بالأصح كما وصفها أحد التقارير أنها هي أساساً كانت حليفة للنظام البائد، وكانت لاتختلف معه إلا على تقاسم حصص الجبنة دون أن تعمد يوماً إلى السعي جدياً للتغيير، أو دون أن تمتلك يوماً مشروعاً للتغيير، كما حلت مكان الشباب قوى كانت تسعى إلى الوصول إلى السلطة، إلا أن سنوات القمع الطويلة التي تعرضت لها، جعلت منها صورة أخرى من صور الديكتاتورية، مما يؤكد وجود انحراف عن أهداف الثورات التي فجرها الشباب.

” 2 “

إن فشل الثورات العربية واضح في كل مكان، إلا أن ما حدث في مصر هو أوضح دليل على ذلك، فبعد تلك الثورة التي فرح لها الناس كثيرا، واعتقدوا أن مصر ستشهد نهضة كبرى تعيد لها قيادتها المفقودة، فإذا هي تدخل في نفق مظلم كاد أن يؤدي إلى حرب أهلية، وأصبحنا نرى مشاهد من العنف من المصريين تجاه أنفسهم ما لم يكن يخطر على بال أحد، فإذا بالكل يتفاجأ بخبر تبرئة الرئيس المصري الأسبق “حسني مبارك” وإطلاق سراحه، في خطوة تدل على أن تضحيات الشعب المصري التي ذهب ضحيتَها مئاتُ الأبطال قد ذهبت سدى، وكأن الثورة لم تقم في الأساس، بل إن وضع مصر أيام الرئيس “مبارك” بالتأكيد كان أفضل من الآن بكثير، إذ أصبح اقتصاد الدولة الآن منهارا، وأصبح الانقسام الداخلي السمةَ البارزة لحياة المصريين، وربما لو لم يتم فرض حالة الطواريء ربما كان الوضع أسوأ بكثير، وأصبحت مصر تتسول من الدول الخليجية، وأمريكا تهددها بقطع “معونة الذل” عنها، وأثيوبيا تهددها بقطع الماء عنها، رغم أن عهد “مبارك” استطاع أن يقزم من مصر ويجعلها “دولة على دكة الاحتياط”، وكانت هي شرطي إسرائيل في المنطقة، مما جعل ” بنيامين بن اليعازر” وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يصف مبارك بأنه “كنز استراتيجي لإسرائيل”.

لقد كان خطأ محاكمة الرئيس “مبارك” أنه تم التركيز على تهم جانبية على حساب القضية الأساسية التي على أساسها تحرك الشعب المصري، وقد لاحظ ذلك من البداية، أ. “محمد حسنين هيكل” الذي كتب ملاحظة في مقدمة كتابه “مبارك وزمانه – من المنصة إلى الميدان” أن التهم التى وُجهَت إليه لم تكن هي التهم التى يلزم توجيهها، بل لعلها الأخيرة فيما يمكن أن يوجَّه إلى رئيس دولة ثار شعبه عليه، وأسقط حكمه وأزاحه، ويقول أ. هيكل: “المنطق في محاكمة أي رئيس دولة، أن تكون محاكمته على التصرفات التى أخل فيها بالتزامه الوطني والسياسي والأخلاقي، وأساء بها إلى شعبه، فتلك هى التهم التى أدت للثورة عليه” أي أن محاكمة رئيس أي دولة يجب أن تكون سياسية تثبت عليه أو تنفي عنه مسئولية الإخلال بعهده ووعده وشرعيته، مما استوجب الثورة عليه، أما بدون ذلك، فإن اختصار التهم فى التصدى للمظاهرات ــ وهي التهم الموجهة لمبارك – هو قلبٌ للأوضاع يستعجل الخاتمة قبل المقدمة، والنتائج قبل الأسباب، ذلك أنه إذا لم يظهر خروج “مبارك” على العهد والوعد والشرعية، “إذن فقد كان تصدّيه للمظاهرات – كما ذكر أ. هيكل – هو ممارسةٌ لسلطته فى استعمال الوسائل الكفيلة بحفظ الأمن العام للناس، والمحافظة على النظام العام للدولة، وعليه يصبح التجاوز فى إصدار الأوامر أو تنفيذها ــ رغبة فى حسم سريع، ربما تغفره ضرورات أكبر منه، أو في أسوأ الأحوال تزيدا فى استعمال السلطة قد تتشفع له مشروعية مقاصده”، وفي ظني أن هذا منطق طبيعي جدا وهو الذي حصل في الواقع وأدى إلى تبرئة الرئيس “مبارك” وإطلاق سراحه، لأن المحاكمة أساسا تمت على قضايا جنائية وليست سياسية، وهذه من المفارقات العجيبة جدا في المحاكمات السياسية التي تمت في الوطن العربي، إذ لم تتم بسبب ما أدى بالشارع المصري أن يثور وإنما تمت بسبب ما حدث عندما ثار، ثم إن الإفراج عن الرئيس ربما كان نبوءة مبكرة من “هيكل”.

رغم أن أمر تبرئة الرئيس “مبارك” من التهم الموجهة إليه تمت من قبل القضاء إلا أن توقيتها جاء في زمن حرج جدا، إذ أنها فتحت الكثير من التأويلات والأقاويل طالت هيبة الدولة المصرية، وطالت هيبة القضاء المصري، واتجهت أصابع الاتهام مباشرة إلى الفريق “عبد الفتاح السيسي” بأنه من فلول النظام السابق وأنه وراء تبرئة “مبارك”، بل وصلت التهم إليه بأنه عميل لإسرائيل ينفذ لها ما تريد فقط، وأن تبرئة وإطلاق سراح “مبارك” جاء ضمن هذا الإطار، وهو قول – في طني – ينافي الحقيقة تماما، لأن التهم الموجهة للرئيس “مبارك” في الأساس ليست هي التي جعلت الشعب المصري يثور ويقدم التضحيات بسببها، وإنما كانت تهما جانبية تماما، مع التأكيد أن القضاء برأ الرئيس “مبارك” من التهمتين الأولى والثانية في عهد الرئيس “مرسي”، وبرأه في التهمة الثالثة في عهد الرئيس المؤقت، وهناك نقطة إن أثارها الرئيس الأسبق “مبارك”، فربما يكسبها تماما، وهي أنه تمت الإطاحة به، وتمت محاكمته على تهم باطلة خرج منها بريئا، فهل يحق له أن يرفع دعوى ضد من اشتكى عليه وأهانه وسجنه، وهل يحق له أن يعود رئيسا للجمهورية لأن كل التهم قد سقطت عنه؟!

” 3 “

إن في مصر الآن من المضحكات، ولكنه ضحكٌ كالبكاء ..! فالرئيس السابق المنتخب من قبل الشعب د. “مرسي” يقبع الآن في مكان سري ليحاكم أيضا، ولكن ما هي التهمة الموجهة إليه؟ تهمة التخابر مع حركة حماس، وأن الحركة ساعدت جماعة الإخوان المسلمين في اقتحام السجن الذي كان فيه “مرسي” ورفاقه أثناء فوضى ثورة يناير، مما أدى به إلى الهرب، وهذا يطرح تساؤلات وهي كيف إذن تم السماح له بأن يترشح لرئاسة الجمهورية، وقصةُ هروبه من السجن معروفة؟ ثم كيف يتم محاكمته على هذه التهمة الجانبية ويتم التغافل عما جعل الفريق “السيسي” يقوم بحركته التي سماها البعض “انقلاب” والتي سماها البعض الآخر “تصحيح”.؟ يبدو أن هذا المسلسل سيتواصل في مصر، وفي النهاية إنّ الرهان على “الربيع العربي”، يبدو أنه قد سقط، ودخلت الثورات في نفق مظلم، وبات الأمل بالتغيير لمصلحة الشعوب ضربٌ من الأحلام المتبخرة، لأن الأمور عادت إلى مربعها الأول، بل عادت والظروفُ في بلدان الثورات أسوأ مما كانت عليه قبل الثورات، ويرى تقرير  نشر في جريدة “القدس العربي” أن قطار التغيير العربي قد أضاع مساره، ولم يعد هو نفس القطار الذي أرعب العالم عندما دوّت صفارته، وبات اليوم أشبه بقطار يسير دون التوقف في محطات، والمحطاتُ باتت بدون مسافرين ينتظرون القطار.

” 4 “

ربما تكون الإيجابية الوحيدة للثورات العربية هي أن الشعوب العربية قد تغيرت وألغت من قاموسها كلمة “الخوف”، ولكن هناك خوف لدى الكثيرين – وأنا أولهم – من أن تعم الفوضى الأوطان العربية، وتتفلت الأمور وتصبح خارج حدود السيطرة، فتتحول إلى شرارة لإندلاع حروب مذهبية، وطائفية، وعرقية، تمهيدا لتقسيم الأوطان، وكل البوادر تدل على ذلك، فالنتائج دائما تأتي وفق مقدماتها، والمقدماتُ لا تبشر بخير، ومما يؤسف له، أن يثور الشباب العربي في كل مكان ضد الطغيان والتخلف والاضطهاد والفساد، ثم يكتشف أن كل ما ثار من أجل تحقيقه يذهب سدى، “وكأنك يا أبو زيد ما غزيت”.

0 1809 24 أغسطس, 2013 العدد الاربعون, سياسة أغسطس 24, 2013
Avatar

عن الكاتب

كاتب وإعلامي عماني Zahir679@gmail.com

عرض كل المواضيع التي كتبها زاهر بن حارث المحروقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.