حول تزايد الإنفاق العسكري في عُمان, هل هو لدفع ثمن المواجهة للوصاة بشكلٍ مسبقٍ؟

لـ

تمت ترجمة هذا المقال بتصرّف من موقع قناة ’الجزيرة أمريكا‘، ونشر على موقعها الإلكتروني بتاريخ 17 من أغسطس الجاري بعنوان: ‘Paying the rent for our protectors’.*

رغم طول وعمق اضطراب العلاقات الجيوسياسية بين إيران والولايات المتّحدة حول الوصاية على الخليج العربي إلا أن عُمان ظلّت ملتزمة بالحيادية إزاء ذلك، فقد ظلّ مبدأ ’الصداقة للجميع‘ منهج السلطان الدبلوماسي والأساس الذي ترتكز عليه السياسة الخارجية. إلا أن مظاهر الزيادة المضطردة في معدّلات الإنفاق على التسلّح لا تنمّ عن حيادية، خصوصاً وأنّها تزيد بمعدل مفرط وغير مسبوق. ولا عجب في ذلك، فقد تكون الحسابات الأمنية حيال ذلك دقيقة جداً في ظلّ إطلال مياه السلطنة الإقليمية على مضيق هرمز – أهم ممرات العالم لحركة ناقلات النفط، والذي تمرّ فيه ما نسبته 20% من مجموع الناقلات عالميا، كما أنّه الممّر الذي يفصلها عن جارتها التي هدّدت في مواطن متعدّدة بإغلاق المضيق في حال وقوع أي أزمة.

هذا وقد شهد الإنفاق على القطاع العسكري في عُمان طفرة نوعية تقدّر بـ38% في عام 2001م، وهو العام الذي قامت فيه بشراء طائرات عمودية عسكرية بريطانية من طراز سوبر لينكس Super Lynx 300، وبحلول عام 2005م كانت حصة الإنفاق العسكري 44% من الناتج الإجمالي المحلّي. وصعدت مشتريات عُمان من المعدات العسكرية في عام 2011م كثيراُ بعد أن طلبت 12 وحدة من آخر طرازات طائرات إف 16 بقيمة 600 مليون دولار أمريكي لتضاف إلى أسطول الطائرات القائم من هذا الطراز. أما العام الماضي فقط فقد عقدت صفقة مع شركة إب بي سيستيمز البريطانية لتصنيع طائرات التايفون المقاتلة بقيمة تصل إلى 3.8 مليار دولار أمريكي.

وحتى إن نظرنا إلى باقي الدول العربية التي تضخ أموالها للتسلّح فإن عُمان تظل متفرّدة في المجال، فحسب تقرير دولي صدر عن العام الماضي كانت نسبة الارتفاع السنوي في الإنفاق العسكري الأعلى على مستوى العالم بنسبة 51% وهو ما جعلها أيضا الثانية على مستوى العالم عند مقارنة النسبة بالناتج الإجمالي المحلّي (بعد المملكة العربية السعودية ودول أخرى لا تتوفّر إحصائيات دقيقة عنها). ويرى البعض أن هذه المعدلات تثير التساؤل لبلد لا يتعدّى سكانه ثلاثة ملايين نسمة، فبالمقارنة مع دولة كمصر التي يصل سكانها إلى 82 مليونا وتربطها حدود مع إسرائيل وتسيطر على قناة السويس فقد أنفقت 4.3 مليار دولار أمريكي فقط أي 1.7% من الناتج الإجمالي المحلي في العام 2012م.

وكانت آخر الصفقات التي أبرمتها عُمان قد تمّت في زيارة لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري لمسقط في مايو المنصرم والتي سيتم إتمامها بشكل نهائي خلال العام الجاري، وتقدّر بـ2.1 مليار دولار أمريكي لشراء أنظمة صواريخ جو-جو دفاعية متوسطة المدى مع شركة الأسلحة العملاقة رايثيون الكائنة في ماساتشوستس.

المسألة ليست مسألة دفاع
باعت الولايات المتحدة على مدى الأعوام الماضية أجهزة ومعدّات عسكرية وخدمات لدول الخليج تقدّر بعشرات المليارات الأمريكية، منها الصفقة التي تعد أكبر صفقة أسلحة من نوعها في تاريخ الولايات المتّحدة الأمريكية التي وقّعت مع السعودية في عام 2010م لبيع طائرات مقاتلة وعمودية بقيمة 60 مليار دولار أمريكي. أما عُمان فشرائها للأسلحة غريب كون علاقاتها وطيدة مع إيران والولايات المتّحدة معا على عكس الإمارات والبحرين والسعودية. وتصف إحدى وثائق ويكيليكس نشرت عام 2009م (1) هذه العلاقات فتقول أن الطرفين يتبادلان زيارات دورية للاطلاع على مختلف الجوانب العسكرية، كما أن السفن البحرية الإيرانية مخوّلة بالرسو في موانئ ومرافئ مسقط. وعموماً تلعب عُمان دورا كبيرا كوسيط بين الطرفين، كما شوهد ذلك عند إطلاق سراح متسلّقي الجبال الأمريكان الثلاثة المحتجزين في إيران في عام 2012م. وتذكر الوثيقة أن دبلوماسيين عُمانيين على قناعة بأن إيران لن تشنّ بأي حال هجوما صاروخيا على دول مجلس التعاون كردة فعل على أي ضربة عسكرية مصدرها الخليج. وليست لدى عُمان نية في اقتناء صواريخ باتريوت باهظة الثمن كما تشير الوثيقة، إلا أن معظم تركيزها على صواريخ جو-جو متوسطة المدى رغم ارتفاع ثمنها كذلك، إلا أنها أقل فاعلية من صواريخ باتريوت كون الأخيرة لها قدرة على تغطية مدن بأكملها.

وتمثّل صفقات الأسلحة المتوالية هذه معضلة بالنسبة للمحلّلين فهي كما يشيرون تبدو كتحضيرات لاحتمالية مواجهة إيران، مهما كانت هذه الاحتمالية ضئيلة، إلا أنهم يستبعدون احتمالية وقوع مواجهة فردية بين عُمان وإيران بغضّ النظر عن الإنفاق السخيّ على الصعيد العسكري. والخلاصة أن هذا التسلّح هو بمثابة استعطاف للولايات المتّحدة لتقوم بدور الحامي في حال وقوع مواجهة، مع اعتماد على القاعدة العسكرية الأمريكية في البحرين التي تحتضن أسطول البحرية الخامس للولايات المتّحدة. وفي حال أرادت إيران إغلاق مضيق هرمز كما هدّدت عام 2012م، يعرب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية – مارتن ديمبسي أن ردة الفعل ستكون أمريكية لإعادة فتحه وليست عُمانية. لذا فقد تكون هذه الزيادة في مبيعات الأسلحة نابعة من رغبة في استقطاب الولايات المتّحدة سياسيا، وإحكام هيمنتها القائمة أصلا على أمن الخليج.

يقول أحد المؤرّخين من جامعة روتجيرز لشؤون الشرق الأوسط أن سيطرة الولايات المتّحدة الأمريكية وقوتها كبيرة فهي اللاعب الأساسي في الخليج، لذا فإن صفقات الأسلحة ما هي إلا نقل لمعدات عسكرية من مكان لآخر مقابل المال.

ويشير أحد الخبراء الأوروبيين أن الأمر شبيه بدفع ثمن المواجهة للوصايا مسبقا، فهم يعلمون أنهم لن يواجهوا أي أحد في حال وقوع مواجهة لأن الأمر حينها سيكون عائدا على الحماة أو الوصاة.

أما وزارة الخارجية الأمريكية فديدنها اليوم استقطاب الحكومات الأجنبية لشراء المنتجات والخدمات الأمريكية على طليعتها العسكرية، وليست إدارة أوباما ببعيد عن ذلك، فقد توسّع حجم مبيعات الأسلحة بشكل كبير منذ بدء عهده وزادت تسهيلات صادراتها، مع حث واضح المسؤولين الأمريكان على السعي الدائم لتحفيز المبيعات.

تيار معاكس
تثير هذه الزيادة غير المبرّرة في الإنفاق العسكري والتسلّح حفيظة الكثيرين في الداخل العُماني عن مغزى الحكومة الأساسي من وراء كلّ ذلك، خصوصاً في ظلّ اعتماد البلد على مورد ناضب ووجود عجز بسيط في الميزانية لحدّ يجعل من سماع أخبار متوالية بين الفينة والأخرى عن شراء أنظمة صاروخية بقيمة 2 مليار دولار أمريكي قضية أولويات بامتياز.

* للإطلاع على المقال الأصلي: http://america.aljazeera.com/articles/2013/8/17/-paying-the-rentforourprotectors.html
(1) للإطلاع على الوثيقة: http://wikileaks.org/cable/2009/04/09MUSCAT273.html

0 2885 28 أغسطس, 2013 الثامن والثلاثون, سياسة أغسطس 28, 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.