تعظيم سلام … لبندر بن سلطان

لـ

” 1 “

لقد اعتقد البعض أن زيارة الأمير “بندر بن سلطان” رئيس الاستخبارات السعودية لموسكو ولقاءه بالمسؤولين الروس، وعلى رأسهم الرئيس “فلاديمير بوتين”، في شهر يوليو الماضي، إنما هي دلالة على أن السعوديين وصلوا إلى باب مغلق وإنهم على استعداد للتفاهم للتوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية التي طالت أكثر مما ظن المتآمرون، بما يضمن حفظ ماء وجههم، وأن الزيارة هي إعلان عن نهاية الدور التآمري السعودي في سوريا، وبداية مرحلة للتراجع عن تبني مشروع إسقاط نظام الرئيس “الأسد”، وفك الارتباط بهذا المشروع، ومن هنا جاءت الزيارة للوصول إلى تفاهمات مقبولة لحفظ ماء وجه النظام السعودي، بعد أن أظهر النظام السوري تماسكا قويا.

لقد قوّى هذا الاعتقاد ما نُشر عن لقاء “بندر – بوتين”، حيث استعمل “بندر”  أسلوب العصا والجزرة الذي يتّبعه معظم المفاوضين، فقدم ما أمكن من إغراءات للقيادة الروسية، سياسيا واقتصاديا وعسكريا وأمنيا، على أن يأخذ منها أكثر من ملف في المنطقة وخاصة في سوريا وإيران، حيث أشارت كل التقارير أن موقف “بوتين” كان قويا جدا ضد الجزرة السعودية، إذ قال “بندر” حسبما نشرته جريدة “السفير” اللبنانية: “أنا أستطيع أن أعطيكم ضمانة بحماية دورة الألعاب الشتوية في مدينة «سوتشي» العام المقبل، فالمجموعاتُ الشيشانية التي تهدد أمن الدورة نتحكم فيها ولم تتحرك في اتجاه الأراضي السورية إلا بالتنسيق معنا، فنحن نستخدمها في مواجهة النظام السوري ولن يكون لها أي دور أو تأثير في مستقبل سوريا السياسي”، وفي الحقيقة هذا في حد ذاته دليل اتهام ضد السعودية على أنها ترعى الجماعات الإرهابية في سوريا وفي غيرها، وهي إشارة لم تفت “بوتين” الذي علق قائلا “نحن نعلم بأنكم دعمتم المجموعات الإرهابية الشيشانية على مدى عقد من الزمن، وهذا الدعم الذي عبّرتم عنه بصراحة لا يتفق وما تفضلتم به حول الأهداف المشتركة لجهة محاربة الإرهاب العالمي”.

لقد قدم “بندر” مداخلة حول أوجه التعاون المحتملة بين البلدين إذا تفاهما على عدد من الملفات، وخاصة سوريا، وتوقف مطولا عند بند التعاون النفطي والاستثماري، وقال: “إن المملكة قادرة على توفير استثمارات ضخمة بمليارات الدولارات في مجالات مختلفة في الأسواق الروسية، لكن المهم أن نبرم تفاهمات سياسية حول عدد من الملفات ولا سيما السوري والإيراني”، وقال “إن النظام السوري انتهى بالنسبة إلينا ولأغلبية الشعب السوري الذي لن يسمح ل”بشار” بالاستمرار على رأس السلطة، وإن مفتاح العلاقات بين بلدينا يبدأ بتفهم مقاربتنا للملف السوري، بالتالي عليكم أن تتوقفوا عن تقديم الدعم السياسي وخاصة في مجلس الأمن الدولي، وكذلك الدعم العسكري والاقتصادي، ونحن نضمن لكم أنّ مصالح روسيا في سوريا وعلى ساحل المتوسط لن تمس قيد أنملة، فمن سيحكم سوريا في المستقبل هو نظام برعاية مباشرة من قِبلنا وسيكون صاحب مصلحة في تفهم مصالح روسيا ودورها في المنطقة”، هنا قال “بوتين”: “موقفنا من النظام في سوريا لن يتغير أبدا، ونحن نعتقد أن أفضل من يتحدث باسم الشعب السوري هو النظام السوري نفسه، وليس أكلة الأكباد”، وعلق “بندر” من أن مسار المحادثات يشي بأن الأمور ستتأزم أكثر، خاصة في الساحة السورية، وإن الخلاف في مقاربة الملف السوري يقود إلى الاستنتاج أن “لا مفر من الخيار العسكري بوصفه الخيار الوحيد المتاح حاليا في ظل انسداد أفق أي تسوية سياسية”!.

وتشير التقارير الغربية حول المحادثات السعودية الروسية أن “بندر” تمنى على الروس تفهّم حقيقة أن مصالحهم ومصالح دول الخليج واحدة في مواجهة الأطماع والتحديات النووية الايرانية، وأن “بوتين” رد بأن “إيران دولة جارة وتربطنا بها علاقات منذ قرون من الزمن، وهناك مصالح مشتركة ومتشابكة، ونحن ندعم حصول الإيرانيين على وقود نووي لأهداف سلمية”

” 2 “

إن موقف الرئيس “بوتين” الذي ظهر وكأنه موقف قوي، جعل من الكثيرين يحكمون على أن زيارة “بندر” قد فشلت، وأن روسيا ستستمر في دعم النظام السوري إلى النهاية، وهو الدعم الذي جعل النظام السوري يتماسك حتى الآن رغم كل الإمكانيات المتاحة لإطاحته، ليس حبا في الرئيس “بشار”، وإنما في الحفاظ على مصالحها في المنطقة، وأنها لن تخضع للابتزاز الأمريكي والغربي ولن تُخدع كما خُدعت في ليبيا والعراق من قبل، ولكن الأمر يبدو الآن وكأن “بندر” استطاع فعلا أن يشتري الموقف الروسي بالمليارات ال15 التي وعد بها “بوتين” للتخلي عن النظام السوري، حيث ظهرت أكثرُ من إشارة في ذلك، كانت أقواها هي قول وزير الخارجية الروسي “إننا لن نقاتل عن أحد”، وتبع هذا القول، سحب القوات الروسية أساطيلها من البحر الأبيض المتوسط، في إشارة قوية أن الضربة الأمريكية في طريقها إلى الوقوع، وأن على السوريين أن يواجهوا مصيرهم بأنفسهم، وهذا يعطي فعلا الأمير “بندر” زعامة حقيقية إذ أنه استطاع أن يحقق ما لم يحققه غيره في المنطقة، بعد أن دمّر العراق ويتحمل الآن مسؤولية ما يجري في سوريا وتبعات ذلك على المنطقة، إذ نشرت صحيفة “الإندبندنت” البريطانية أنه وعلى الرغم من مغادرة الأمير “بندر”، العاصمة الأمريكية منذ ثماني سنوات، فإن الأمير- الذي كان له تأثير على ما لا يقل عن خمسة رؤساء أميركيين- عاود الظهور كشخصية محورية في محاولة أمريكا وحلفائها لتغيير توازن ساحة القتال في سوريا، وهو الذي كان على مدى شهور يعمل بصورة حصرية لحشد التأييد الدولي للمعارضة المسلحة السورية، بما في ذلك تسليحها وتدريبها سعيا لإسقاط الرئيس السوري، وكان يعمل بصورة مباشرة مع المخابرات الأمريكية منذ العام الماضي”، وهذا ما أكدته صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، ففي تقرير تحت عنوان “محارب سعودي عريق يعمل على توفير دعم للإطاحة بالأسد” كتبته كلٌ من “نور مالاس” و”مارغريت كوكر”، قالتا فيه إن المسؤولين في وكالة الاستخبارات الأميركية علموا أن السعودية تأخذ موضوع الإطاحة بالرئيس السوري على محمل الجد، حين أوكل الملك السعودي قيادة الجهود في هذا المجال ل”بندر”، وأن الأمريكان “اقتنعوا بأن الأمير بندر – المحارب العريق في مجال الدسائس والمؤامرات والمكايد الدبلوماسية في واشنطن والعالم العربي – سيحقق ما لم تستطع وكالة الاستخبارات الأميركية (CIA) تحقيقه.. طائرات محملة بالأموال والسلاح، والوساطة”، بحسب ما جاء على لسان أحد المسؤولين الأمريكيين، وهذا ما حققه “بندر” حتى الآن، فالأموالُ لم تدفع للشعب السعودي الذي يعاني من الفقر ما يعاني، والسلاحُ لم يذهب لمحاربة إسرائيل، والسعوديةُ تزعم لنفسها أنها حامية الإسلام، وإنما ذهب المال لقتال كل من قد يقف ضد إسرائيل، ثم إن الوساطة لم تستخدم في الخير، وإنما استخدمت لتدمير الوطن العربي وتشتيته، حيث يشير تقرير صحيفة “وول ستريت جورنال” أن وكالة المخابرات المركزية ساعدت بعض الثوار السوريين بالتدريب على القتال، وقامت السعودية بتسديد رواتب أعضاء بما يسمى ب”الجيش الحر” المدعومين من الغرب وأن موظفي وكالة “CIA” في قاعدة الأردن موجودون بأعداد أكثر من نظرائهم السعوديين إستعدادا لضرب سوريا، وكشف التقرير نقلا عن مسؤولين أمريكيين أن السفير السعودي في واشنطن، “عادل الجبير”، استخدم قدرته على الوصول إلى واضعي السياسات في واشنطن، بمن في ذلك الرئيس “أوباما” لتوصيل رسالة مفادها أن تقاعس الولايات المتحدة في التدخل من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، ووصف مسؤول كبير في الاستخبارات الأميركية السعوديين بأنهم “شركاء لا غنى عنهم في سوريا”، وأضاف أن جهودهم أثّرت في التفكير الأمريكي، وتابع: “لا أحد يريد أن يفعل أي شيء لوحده”، شارحا لماذا توسعت الشراكة بين الطرفين.

” 3 “

لقد قام الأمير “بندر” بالدور الرئيسي لتدمير العراق، والتفاصيلُ مذكورة في كتاب “خطة الهجوم” ل “بوب وود ورد” الذي نشرت طبعته العربية دار “العبيكان” السعودية، إذ يقول الكاتب إن مراحل اللعبة سارت على النهج المبطن بالتآمر، لدرجة أنّ السفير السعودي في واشنطن الأمير “بندر” أصبح من أركان الحرب الأمريكية, بل إنه كان من ضمن عناصر معسكر الصقور في إدارة بوش, وكان يتنقل بين العواصم العربية والأوروبية المتشككة في جدوى الحرب محاولا إقناعها بضرورة التدخل العسكري الأمريكي في العراق، ويقول الكاتب  إن “بوش” تلقى تقارير من بعض أفراد إدارته بأن العالم العربي سيثور في الشوارع إذا شنت أمريكا حربا على العراق وأن المصالح الأمريكية ستتعطل وتتعرض للخطر، لكن الأمير “بندر” طمأنه قائلا: “هل تعتقد أنك ذاهب لمهاجمة السعودية واعتقال الملك فهد؟ إنه صدام حسين الذي لن يجد من يذرف دمعة عليه لكن إذا هاجمته أمريكا ونجا هذه المرة فسيكون أكبر من الحياة نفسها، سيسمع كلامه الجميع، لقد حذر كثيرون والدك من أن العالم العربي سيثور من المحيط إلى الخليج إذا ضرب العراق ولم يحدث ذلك، المشكلة الوحيدة ستكون إذا نجا صدام هذه المرة”، وقد حمل الأمير “بندر” رسالة تأكيدية من “بوش” بأن “صدام” لن ينجو هذه المرة, وكانت معها قائمة بما هو مطلوب من السعودية معنونة إلى الأمير “عبد الله”, ومنذ ذلك الحين صار السفير السعودي في أمريكا من ضمن تشكيلات معسكر الصقور الذين يروّجون للحرب، لكن ما كشفه “بندر” عن تفاصيل لقائه بالرئيس “مبارك” يستحق التوقف عنده فقد نقل عن مبارك قوله: “إن مصر لديها الكثير من مصادر الاستخبارات داخل العراق وإن هذه المصادر أكدت امتلاك العراق لمعامل متنقلة لتصنيع الأسلحة البيولوجية”، وهكذا تم تدمير العراق لصالح إسرائيل، وهكذا تم تدمير سوريا للغرض نفسه، والبطل واحد.

” 4 “

إننا حينما نقول “تعظيم سلام .. لبندر بن سلطان” فإننا نعلم تمام العلم أن الرجل قام بأدوار كبيرة في تدمير العراق وسوريا، ولعب كل الأدوار التي لم يستطع غيره أن يقوم بها، وهو نفس “تعظيم السلام” الذي نقوله لإسرائيل التي استطاعت حتى الآن أن تدمر العراق وجيشَها القويّ دون أن تطلق رصاصة واحدة، وهي التي استطاعت أن تشتت سوريا أيضا قلب العروبة، من غير أن تطلق رصاصة واحدة، وهي التي استطاعت أن تعزل مصر عن الأمة العربية أولا، ثم تشغلها بقضاياها الداخلية من غير أن تطلق رصاصة واحدة، وهي التي استطاعت أن تشتت الأوطان العربية وفق خطة مدروسة بعناية دون أن تطلق رصاصة واحدة، وكلُ ذلك بفضل رجالها في الوطن العربي من أمثال “بندر بن سلطان”، الذي وصفه بعض نقاده داخل السعودية وفي واشنطن بأنه شخص يميل إلى التسرع والتفاؤل حول ما يمكن تحقيقه، بينما قال المدافعون عنه إن حماسته وقيادته أهّلتاه لأن يكون أحد مفاتيح الملك السعودي في حل المشاكل، ولكن في كل الأحوال هذا لا ينفي أدواره ضد الأمة العربية، وهي الأدوار نفسها التي قامت بها السعودية منذ تأسيسها إلى اليوم، حتى يأتيها الدور، ويراه الناس بعيدا ونراه قريبا، ولا بد هنا من الإشارة إلى أن هناك فرقا بين الرئيس “بشار الأسد” كفرد وبين تدمير سوريا كبلد وكقوة، فإن كل ما يتم التخطيط له هو تدمير بلد وتحويله إلى أنقاض تماما كما حصل في العراق، الذي لم ير الديمقراطية الأمريكية الموعودة.

ولقد صدق “عبد الباري عطوان” عندما قال “إنه كلما ظهر بندر بن سلطان في العلن وقام بجولات أو زيارات كلما اقتربت الحرب في المنطقة، والأمريكية منها على وجه الخصوص”!.

لقد حان الوقت لكشف هذه المؤامرات والدسائس، ففي عصر الفضاء المفتوح لا مجال لإخفاء الحقيقة، فقد ذهب ذلك الزمن الذي استطاعت فيه السعودية أن تشتري الإعلام بفضائه وتلفزيوناته وإذاعاته وصحفه، بل ورجال الإعلام، تحسبا للحظة كهذه، خوفا أن تصل الحقائق إلى الشعب السعودي وإلى الشعوب العربية والإسلامية التي ظلت مخدوعة بالشعارات الإسلامية الزائفة، وظلت مخدوعة ببناء المساجد التي كانت أقرب إلى مساجد “ضرار” أدت إلى الفتنة بين المسلمين أنفسهم.

0 2066 31 أغسطس, 2013 العدد الاربعون, سياسة أغسطس 31, 2013
Avatar

عن الكاتب

كاتب وإعلامي عماني Zahir679@gmail.com

عرض كل المواضيع التي كتبها زاهر بن حارث المحروقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.