قراءة في ” إستراتيجية الإدارة اليابانية ” ( الجزء الثاني )

لـ

إستكمالاً للجزء الأول من مقالتنا، نستعرض هنا بقية مظاهر إستراتيجيات الإدارة اليابانية وننتقل إلى

قطاع الاعمال :

يعتبر قطاع الأعمال الصناعي و التجاري و التسويقي المصدر الرئيسي للنجاح الاقتصادي والذي أولت اليابان له الدور الكبير في تنميتها الإقتصادية . و البداية كانت بقيام الحكومة اليابانية بتأميم المصانع و الشركات الخاصة و القضاء على جميع الاحتكار لما يسمى ( الزيباستو ) خلال الحرب – ورد شرح المصطلح بالجزء الأول من المقالة)- ، والذي كان له طيب الأثر في المضي قدماً في عملية الاصلاح .

كذلك بعد الحرب العالمية الثانية وطيلة فترة الاستعمار الامريكي حتى عام 1952 م ، نما جيل من رجال الاعمال الذين يملكون أراضي زراعية يتجه إلى إنشاء الشركات والتي يديرها متخصصون إداريون برفد إلزامي من المؤسسات البنكية المحلية التي تمول هذه المشاريع بنسبة ( 80% ) . وبطبيعة الحال كما هو معمول به في معظم الدول فإن البنك المركزي الياباني هو المشرف العام مع الحكومة في ذلك وتسانده بدورها في الضرائب .

ولهذا يتضح أن الملكية لقطاع الأعمال للأمة ككل . كما أن حقوق الملكية ( Equity  ) لهذه الشركات الصناعية والتجارية تكمن في نسبة قليلة من المؤسسين و رجال الأعمال ، اما الأغلبية فأنها تذهب للبنوك المحلية . ولذلك يصب تركيز الشركات والمؤسسات اليابانية دائما في تحقيق أعلى حد من الكميات المباعة لزيادة الإنتاج ، أو ما يسمى إداريا بالإنتاج المكثف ( Mass Production  )، وليس لتحقيق الحد الأعلى من الربح . وذلك لارتباط المدراء بدفع رواتب العاملين نتيجة التركيز على الوظيفة الدائمة أول بأول ، و من ثم تسديد القروض البنكية والتي تعتبر جزء من رأس المال . ومعنى ذلك أن البنوك تستفيد أكثر من الشركات . كما تركيز المدراء هنا في الاستمرار في تسديد القروض وفوائدها لتؤهلهم لاحقاً للحصول على قروض جديدة تعزز موقفهم في النمو المعتدل بدلاً من الربح العالي كما هو حاصل في الغرب .

الجدير بالذكر أن الأموال المتوفرة في البنوك والتي تمنح كقروض للشركات تأتي من ثلاثة مصادر ، أولهما الائتمان التي تحصل عليه البنوك من الحكومة . و ثانيهما الأرباح المتراكمة للبنوك من قروضها . أما ثالثهما وأهمها هو القدرة الادخارية للفرد الياباني في ايداع مدخراته لدى البنوك ، إذ إنه جزء من تراث و أعراف و تقاليد الشعب الياباني في نزعته للادخار . حيث أن الادخار هو المصدر الرئيسي في اليابان عند التقاعد ، ووصل اجماليه إلى ما نسبته ( 60% ) من الدخل الوطني عام 1990 م ، كما وصل معدل دخل الفرد الياباني إلى ( 35% ) بينما يتمتع الفرد الأوربي بنسبة ( 7 % ) أما الأمريكي فنسبة ( 3% ) فقط .

ومن جهة أخرى فإن المساهمين يطالبون المدراء بالأرباح ، الأمر الذي يدفع الشركة إلى إعادة استثمار الأرباح في حقوق الشركاء ( Equity  ) لتحقيق النمو المعتدل . و أكثر ما يميز قطاع الأعمال هي العلاقة الوثيقة مع الحكومة والتي تم تسميتها بالغرب ( Japan Inc ) اي شركة اليابان . وتوطد الحكومة علاقتها مع هذا القطاع لكونه شريكاً لها في الإصلاح ضد الحركة الميجية ولركب التقنية الغربية ايضا .

و قد أولت الحكومة الإهتمام الأمثل هنا لعدة أمور منها : تدريب اليابانيين و إحلالهم محل الخبراء والفنيين . كما ساهمت أيضا في منع الاحتكار بمنع منح تراخيص للتقنية بمعدل واحد لكل تقنية وذلك لخلق منافسة عادلة و محدودة . و شجعت الشركات الصغيرة للاندماج مع الشركات الكبيرة وذلك لخلق مؤسسات قادرة على المنافسة و البقاء .

و لذلك يطلق على قطاع الأعمال باليابان النموذج المثالي للإستراتيجية اليابانية لتميزه عن باقي دول العالم ، حيث يتولى المدراء التنفيذيون التخطيط والتعاون مع الحكومة لخلق قاعدة أكبر لمواجهة المستقبل و في سبيل تحقيق الرخاء الاقتصادي .

و يرفد الكاتب هنا في إن الإستراتيجية اليابانية تتركز هنا في ثلاثة محاور رئيسية . أولى هذه المحاور الإنتاج المكثف ( Mass Production  ) و هو الحد الأعلى من الكميات المنتجة لبيعها محلياً و تصدير الفائض منها للخارج . ثانياً التقييس و التنميط ( Standardization ) للمواصفات و المقاييس لكل عملية جزئية ، حتى إن اصبحت هذه الإستراتيجية جزء لا يتجزأ من حضارة و ثقافة اليابان في ما يسمى ( Japan International Standard  ) . و تطبق هذه الإستراتيجية حسب ما ذكرنا سابقاً في التعليم و التدريب والإنتاج كذلك .  أما ثالث هذه الإستراتيجيات فتتمثل في قرار الحكومة بضرورة مركزية المعلومات لجميع المصانع و الشركات بطوكيو ، الأمر الذي ساعد في توحيد المعلومات للمركز الرئيسي و توحيد السياسات و الإجراءات المتجانسة .

أما الأهم في ذلك فهي الإستراتيجية الإجمالية في التوجهات الإدارية )  Administrative Guidance ) من الحكومة والتي بدأ العمل بها عام 1941 م . وهي التي قادت و نظمت السياسات الصناعية والتعليمية و تطوير المناطق انتهاءً إلى مجتمع صناعي متقدم . الجدير بالذكر أن هذه السياسة كان معمول بها قبل الحرب و كذلك بعد الهزيمة و استلام السلطة للحكومة اجديدة ، حتى إن التوجهات الإدارية كانت ولا زالت مستمرة في سياسات التنميط لتطوير الصناعة وصولاً للحد الأعلى من الإنتاج ( Optimization ) . ويشير عدد من المنظرين اليابانيين إلى ان احترام التوجيهات الإدارية الصادرة من الحكومة كانت ولا زالت مصدر التطور و التقدم و مصدر فخر للرجل الياباني .

القيادة الإدارية :

سمة أساسية من الممكن أن نسم بها القيادة الإدارية باليابان وهي “الجماعية”. وقد يكون ذلك خلافا لما هو شائع في كثير من الأطروحات، فالجماعية التي نعنيها إنما تتمثل في تعهد القائد و مرؤوسيه للعمل على إنجاز الأهداف وتحقيق تطلعات مؤسساتهم .

فالقائد الفرد دوره هناك توحيدي, و يعمل كرمز و منسق ومتصل ، والمقصود بالرمز هو أن يتم ارشاده بما يجب عليه عمله من مرؤوسيه بعكس ما هو متعارف عليه في بقية دول العالم .حتى أنه قيل أن أحدى علامات الموظف الذكي باليابان هي معرفته و قدرته على توجيه رئيسه لإن هناك منظومة الأفكار الإدارية إنما تنطلق بشكل معاكس من الأسفل إلى الأعلى.

أما لو تأملنا طبيعة صنع القرار في الإدارة اليابانية فهو يتم من منطلق تقليدي و تاريخي من خلال نظام يطلق عليه نظام الرنجي ( Ringi  ) الفريد في أسلوبه، والذي يقتضي بمشاركة جميع المدراء والمشرفين في اتخاذ القرار . ومجمل هذا النظام هو في مشروع ورقة عمل يقوم بأعدادها صانع القرار من المستوى الأدنى وتسمى رنجي شو ( Ringi – Sho  ) . والتي يتم توزيعها على كافة المدراء للإطلاع و التعديل أو المصادقة وذلك بوضع ختم المدير المسمى هانكو ( Hanko  ) ، الذي يوضع بالمقلوب في حالة عدم الموافقة على المشروع بالنهاية . كما يسبق وضع الأختام عملية تقليدية تسمى نيماواشي ( Nemawashi ) ، والتي تعني بلغتهم بما معناها الزراعة وذلك بضرورة خلع الشجرة من جذورها و ربطها معا وزراعتها بشكل صحيح حتى تنمو . وتتم هذه العملية بعد انتهاء ساعات الدوام وخلال الاجتماعات الغير رسمية لمناقشة اسباب معارضة القرار من قبل المدراء ، قبل وضع الأختام بالمقلوب . وتنتهي العملية بإجماع نهائي لتوقيع الرئيس علة القرار اذا كان يخدم الإستراتيجية العامة للشركة . و رغم أن هذه العملية تأخذ وقت طويل إلا أنها تمزج بين الحداثة والتقليد .

إن الفكر الإداري الياباني لا يولي الأهمية للقرار ذاته, وإنما للآلية التي يسير عليها تنفيذ ذلك القرار , و مدى الالتزام به ومناصرته لاحقاً سواء كتب له النجاح أم باء بالفشل.  والغاية هنا أن يتشارك الجميع بالمسؤولية .كما يرون في التنسيق والمشاركة وسيلة من وسائل النجاح للقرارات ، فالأهداف حسب فلسفتهم هي قيم و معتقدات تترجم إلى غايات و وسائل و يصدر عنها قواعد يمكن اتخاذ القرارات أو الرقابة من خلالها فقط .

 

النظام الإداري كيزن ( Kaizen  ) للتحديث المستمر :

إبتكر هذا النظام بواسطة الدكتور ماساكي أماي ( Masaaki Imai  ),  وهو رئيس و صاحب معهد كايزن و مقره العاصمة اليابانية طوكيو . وللمعهد عدة فروع موزعة في مختلف دول العالم .هذا و قد أصدر الدكتور كتابه باللغة الإنجليزية والذي تصدر اكثر الكتب مبيعاً انذاك لمدة 3 سنوات ، و تمت ترجمته لاحقاً إلى مختلف لغات العالم كالإسبانية والفرنسية و غيرها .

الحكاية تبدأ بوجود الدكتور سابقاً في الحكومة بحكم عمله في مركز الإنتاجية بالخمسينيات بالولايات المتحدة الامريكية، حيث كان الدكتور يستقبل البعثات اليابانية التي تتدرب  و تزور المصانع الأمريكية . وتفرغ بعد ذلك للعكس وهو استقبال البعثات الأجنبية كالأمريكية و الأوروبية لليابان لنفس الغرض ، وذلك لتعريفهم على حلقات الجودة و الإطلاع على تجربة نظام العمل بالشركات الرائدة والمصانع الحديثة . وأهمها شركة تويوتا التي كانت خير مثال لذلك ، حيث كانت تعمل بمبدأ الاقتراحات الاجتماعية و ادارة الوقت والجودة الشاملة و غيرها من الأنظمة الإدارية الفعالة الحديثة لما لهذه الأنظمة من طيب الأثر كالتحسين المستمر والكفاءة في التشغيل و الإنتاج . ولطالما كثرت أسئلة الوفود و البعثات عن سر النجاح وعن سر تحويل المناهج وانتقالها لليابان بشكل متقن . و يجيب المسئولون اليابانيون رداً على ذلك في أن هذا النهج الذي جمع الأنظمة الحديثة كلها يطلق عليه  كيزن ( Kaizen  ) حديث الموضوع هو سر من أسرار النجاح للإدارة اليابانية .

ويعني باللغة اليابانية للشق الأول من الكلمة ( Kai  ) الأفضل أو التغيير التدريجي ، أما الشق الثاني ( Zen ) فهو يعني الزيادة الطفيفة و التحسين المستمر .

يقول الدكتور أماي في هذا الجانب ” أن خصائص الإدارة اليابانية في الوظيفة الدائمة تعطي الفكر أفقاً واسعاً طويل الأمد ، مبنياً على الاستقرار والقدرة على التفكير السليم لصالح العمل، تجعل من الممكن لكثير من الأفكار التحسينية قدرة على النجاح . و تجعل العامل يفكر بمكان عمله وبمعداته كأنها ملكه ” . ويؤكد أماي أن النهج و المنهاج صنوان لا يفترقان لنجاح نظام كيزن ، الذي يعتبر ذو أصل و منشأ ياباني صرف ليعكس من خلاله النظرة الشمولية للإدارة اليابانية .

هذا و يعتبر هذا النظام خليط من التحسين الأدائي و الفكر الإداري ، وتطوير نظم العمل واتخاذ القرارات الفعّالة . وهو نظام يعمل به الجميع باليابان ، حيث يشمل جميع الأنشطة وليس مقصوراً على الصناعية منها فقط . كالحياة الاجتماعية والحياة الشخصية والمنزلية والتنظيمية و غيرها . كما أنه يركز على إيجاد مصدر المشاكل ، والعمل على اصلاح هذا المصدر وتغيير المعايير لأجل ضمان بقاءه . ونسوق هنا مثالاً على ذلك ، بأنه في عام 1991 م قدم عدد ( 7000 ) موظف بتويوتا الرائدة في عالم السيارات مقترحات حول تحسين العمل ونفذ منها ما نسبته ( 99% ) مما اضفت العديد من الفوائد و التحسينات للشركة . كزيادة رضاء العملاء ، انخفاض التكلفة و جودة المنتج ومواعيد التسليم وغيرها . كما يركز هذا النظام كذلك على ضرورة اتخاذ التدابير و إصلاح المعدات و تحسين موقع العمل بأفضل استخدام دون صرف اموال إلا عند الضرورة لاختراع أو اقتناء تقنية جديدة وبعد استنفاذ الإمكانات والخيارات المتوفرة ، عكس النظام الغربي الذي يركز على شراء و اقتناء معدات جديدة والصرف ببذخ في سبيل ذلك .

والحديث يطول عن هذا النظام ، حيث من مبادئه إعطاء المستهلك أولوية أولى لنيل رضاه لدرجة تصل إلى أن المدراء يفضلون الحصول على المستهلك على ربح الشركة . كما أن هذا النظام يركز على النتائج الطويلة الأمد ، والتي لها أثر جيد على الشركة ويؤهلها للحصول على ابتكارات و منتجات جديدة تلامس رغبة المستهلك وتلبي متطلباته .

 

وفلسفة الكايزن بصورة مبسطة هو أن أي عمل تقوم به ، ذلك يعني أنك قادر على تطويره واستغلال الوقت للأمثل . كون الوقت يمثل  عامل مهم في هذا النظام . ومن المبادئ الأساسية كذلك في شمولية النظام لجميع الموظفين بكافة مستواياتهم الوظيفية ، وذك يشجعهم جميعا على المبادرة و الابتكار فيما يخدم صالح مؤسساتهم .

خاتمة

بالإمكان حوصلة ما سلف ذكره من محددات تاريخية وإقتصادية وثقافية وعلمية في التاريخ الياباني، بالقول إن سر هذه الطفرة الحضارية التي حققتها اليابان وأبهرت بها العالم إنما يكمن في ارتباطها بإدارة فعّالة و ترابط مجتمعي مستمر .و إن كان لليابان مصادر نجاح عديدة ورد ذكرها و مرتبطة بالجغرافيا و غيرها ، فأن أهمها يعود إلى سياسة الحكومة و تعاضدها بكافة شرائحها و حشد طاقاتها وقدرتها على تحفيز قطاع الأعمال و دفع الكفاءة و الإنتاجية . و لا ننسى الترابط الكبير بين الثقافة المؤثرة على السلوك الاقتصادي و أخلاقيات العمل الإيجابية، وبين ايجابية السياسة الاقتصادية الحكومية مع خصائص الإدارة اليابانية مجتمعة أدت إلى ظهور القدرات الاقتصادية الهائلة و المعجزة في العصر الحالي و التي يشار إليها بالبنان العريض .

المصادر :

  1. استراتيجية الإدارة اليابانية للدكتور ابراهيم عبدالله المنيف ، الطبعة الأولى 1419 هـ / 1999 م ، مكتبة العبيكان ، الرياض .

  2. بعض المواقع الألكترونية بشبكة الأنترنت .
0 7048 01 سبتمبر, 2013 العدد الحادي والأربعون, ثقافة وفكر سبتمبر 1, 2013

2 comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.