اعتذار متأخر للأستاذ “حمد الراشدي”

لـ

” 1 “

بعد كتابتي لمقال “على كرسي الوزارة، عقلياتٌ جديدة” الذي نشر في جريدة “الرؤية”، بعد التغييرات الوزارية التي حصلت في السلطنة عام 2011، قال لي د.”سعيد الكيتاني”،: “إنك متفائل جدا، وقد فكرّت أن أردّ عليك بمقال، إلا أني تركت ذلك للأيام أن تثبت لك أنك فعلا كنت متفائلا”، ويبدو أن د.”الكيتاني” كان محقا فيما ذهب إليه، بعد أن شاهدنا ذلك الإضراب الذي نفذّه المعلمون على مستوى العديد من المدارس في السلطنة، فهؤلاء المعلمون قد اجتمعوا مع د. “مديحة الشيبانية”، وزيرة التربية والتعليم فور تسلّمها الوزارة، وأعطت الوعود لهم بتحقيق كل مطالبهم ورغباتهم، ودراسة ما يمكن تنفيذه، ولكن لم يتحقق أي شيء من تلك المطالب حتى الآن، مما أدى بالمعلمين إلى الإضراب، وعندما استضافها الزميل الموهوب “راشد السعدي” في التلفزيون، رددت ما قالته قبل ثلاث سنوات تماما، وهو أنّ على المدرسين أن يتحلّوا بالصبر والتمهل، انتظارا لقانون التعليم الجديد الذي سيعمل على تلبية كافة المقترحات التي أوصى بها المعلمون خلال الحلقات النقاشية التي عقدتها الوزارة في كافة أنحاء السلطنة، وشددت على أن أية مطالب لا يمكن تحقيقها بين ليلة وضحاها، وأن الأمر يُدرس منذ 3 سنوات وحتى الآن.

لقد كان سبب تفاؤلي الذي رآه د.”الكيتاني” في مقالي ذلك، أن د. “عبد المعنم الحسني” وزير الإعلام الجديد حينها، اتصل بالصحفيّة “هدى حمد”، وشكرها  بعد أن نشرت تحقيقا عن قانون المطبوعات والنشر في ملحق “شرفات” بجريدة عمان، تناولت فيه موقف بعض الكتاب والمفكرين حول البنود التي تحتاج إلى تغيير، وأشرتُ إلى أن موضوعا مثل هذا في السنوات الماضية كان من المحرمات تناوله، فكيف بالوزير الجديد وهو يبدي إعجابه بالملف ويعد “هدى”  أنه سيرفعه إلى مجلس الدولة الذي يُناقش مقترح لجنة الثقافة والإعلام حول قانون المطبوعات والنشر، والقوانين الأخرى ذات الصلة بالمجال الاعلامي في السلطنة، بل إن د. طلَبَ منها أن تكمل الملف وأن تأخذ آراء كل من له صلة بقانون المطبوعات والنشر من المثقفين والكتاب وناشرين وأصحاب المكتبات والقانونيين حتى تكون الرؤية أوضح وأشمل، ولكن قانون المطبوعات والنشر لم ير النور حتى الآن ولا أحد يعرف عنه شيئا، لأنه قيد الدراسة مثل قانون التعليم الذي تحدثت عنه د. “مديحة”.

” 2 “

إن ما حدث في وزارة التربية والتعليم، هو الذي حدث في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، إذ أن الموظفين استبشروا خيرا بصدور المرسوم السلطاني السامي بتأسيس الهيئة، وبعد ذلك بإجراء التغييرات في القيادات، لكن رغم مرور كل هذه السنوات لم يسمع الموظفون إلا الكلام المعسول والوعود الكثيرة التي لم تتحقق، وهذا بدوره جعل من الكثيرين في السنتين الماضيتين يفكرون في الإضراب عن العمل أكثر من مرة، حتى اتفقوا على تنفيذه على مراحل، بأن يمتنعوا عن إعداد وتقديم نشرات الأخبار في الإذاعة والتلفزيون بالتدريج، حتى تُلبى مطالبهم.

كل هذا يدل على أن هناك خللا ما في الإدارة الداخلية للبلد، وهو عكس ما يحصل في السياسة الخارجية التي تلقى الثناء داخل السلطنة وخارجها، كما أن هناك خللا مّا يدل على أن الدولة في وادي وما يكتبه الكتاب في وادي آخر، وأنه لا توجد جهة تتابع مقترحات الناس وآراءهم ومتطلباتهم، لأصل بذلك إلى أن الخلل ليس في شخص الوزير أو أي مسؤول آخر، باعتبار أن المنظومة كلها بحاجة إلى إعادة صياغة من جديد، مع الأخذ في الاعتبار المتغيرات التي حصلت عند الناس.

ومن هنا أرى أن من واجبي أن أعتذر للأستاذ “حمد بن محمد الراشدي” وزير الإعلام السابق، لأننا كنا نعتقد أن كل الأمور بيده، وأنه كان سببا في تأخير الكثير من الأمور، رغم أني أعرف تماما – وقد رددتُ ذلك كثيرا – أن الرجل نظيف اليد، وفي سلوكه العام والخاص ملتزم، ولا يمكن أن تمسك عليه شيئا خاطئا في سلوكياته، وعندما دعاني الأخ “سعيد الهاشمي” أن أتحدث لمدة عشر دقائق أمام المعتصمين في مجلس الشورى عام 2011، تحدثتُ عن السياسة الإعلامية العمانية، وعندما هتف البعض “يسقط الراشدي” رفضت ذلك، لأن الرجل اشتغل بأمانة وإخلاص، والأيامُ أثبتت ذلك، وليس عيبا أن نقدم الاعتذار له – حتى وإن جاء متأخرا -، فالمسألة أكبر من شخص، واعترف أيضا تماما أن د. “سعيد الكيتاني” كان محقا جدا عندما لاحظ تفاؤلي.

” 3 “

  وللتدليل على أن هناك فجوة بين ما يكتبه الكتاب وبين متخذي القرارات أعيد التذكير بمقال سابق نشرته لي جريدة الرؤية تحت عنوان “من الوزارة إلى الهيئة”، أرى أنه يصلح للنشر من جديد بحذافيره، إذ لم يتغير شيء إطلاقا، حيث أشرت في ذلك المقال أن سُنّة حميدة اتبعها مجلس الوزراء، بأن يصدر بيانا شهريا حول ما تم تداوله من مناقشات طوال الشهر حتى يكون المواطنون على دراية أولا بأول، بما يتم مناقشاته من قضايا وأمور وما سيتم تنفيذه وحتى يطمئن المواطن أن طلباته واقتراحاته تجد الاهتمام من الحكومة، وهذا يؤكد أن مبدأ الشفافية مطلوب من طرفي المعادلة وهما الحكومة والشعب، أي أن على الحكومة أن تطمئن المواطن أنها تعمل على إيجاد سبل الراحة كاملة له، وتتولى أموره وهي المسؤولة عنه في كل صغيرة وكبيرة، وعليها أن توفر له سبل الحياة الكريمة، وتذلل كل العقبات أمامه ليعيش مواطنا كريما ينعم بخيرات بلده وينال حقوقه كاملة، وبالتالي على المواطن أن يعمل بجد وإخلاص في سبيل رقي الوطن وأن يتحلى بالمواطنة الصادقة دون اللجوء إلى ما يهيّج الشارع ويؤدي إلى خلخلة الأمن والاستقرار وهما نعمتان عظيمتان، وأن يبتعدوا عن كل ما يؤدي إلى الضرر بدلا من البناء، خاصة أن هناك فئة لا يمكن أن تقرأ الواقع قراءة صحيحة وقد تنجرّ وراء أقوال وشائعات دون أن تدرك مدى صحة وخطورة ذلك.

لقد أخذ الكثيرون على الدولة أنها بطيئة في تنفيذ الإصلاحات التي وعد بها جلالة السلطان المعظم، وعلى أن بيانات مجلس الوزراء غالبا ما تكون إنشائية فقط، وأنها دائما تحيل الأمور إلى لجان للدراسة، مما يعني أن الأمور بطيئة وستكون أبطأ، بمعنى أن الناس تريد الفعل والنتيجة، ولا تهمها كثرة المواضيع المحالة إلى لجان لدراستها، لأن ما قُدّم من دراسات على مدى أكثر من 40 عاما يكفي لملء مكتبات بأكملها، ويكفي لجعل عمان في مصاف الدول الأولى عالميا في كل مجال، ومع إيماني التام أن هناك الكثير مما تحقق في السلطنة من تغييرات بعد الاعتصامات الماضية، إلا أنه لا بد أن تتحرك آلية التغيير بسرعة، وإلا فلن تؤدي إلى نتيجة.

وقد قرأت قصة لها مغزاها وربما تلخص موضوع البطء في تنفيذ الإصلاحات حيث تقول التفاصيل: إن وكيلة عقارات نصحت رجلاً شاباً كان يريد شراء منزل قديم قائلة: جهّز قائمة بكل الأمور التي يجب إصلاحها في المنزل ثم أنجز كافة تلك الأمور خلال الستة أشهر الأولى من الشراء، وأضافت إن لم تفعلها خلال هذه المدة فلن تفعلها أبداً.. فرد عليها المشتري: ما أفكر فيه هو خطة إصلاح تمتد لخمس سنوات، فقالت: هذا لن يحدث، سوف تتعود على العيش في المنزل خلال الأشهر الأولى، وسوف تمتلك العادة، حتى إنك قد تجد جثة ملقاة في غرفة المعيشة دون أن تبادر إلى تحريكها،.. وبعد 5 سنوات اعترف الرجل أن وكيلة العقارات كانت محقة.(ولكن في الواقع على الساحة العمانية أن الموظفين والمدرسين رفضوا التعود على الوعود التي تذهب مع الرياح)

إننا بحاجة إلى التسريع في تنفيذ الإصلاحات وإلى تصحيح الوضع، ويجب أن لا تبقى هناك أمور معلقة لفترة طويلة حتى لا يأتي يوم نجد فيه جثة ملقاة في البيت، لأن الجيل الجديد غير الجيل القديم إنه جيل يؤمن بالفعل ولا يؤمن بالكلام الإنشائي  (وهذا ما رددته كثيرا حتى رسميا عبر القنوات التي تواصلت معي)، وأتمنى أن يكون أصحاب القرار مدركين لهذه الحقيقة أكثر مني وأكثر من القراء، قبل أن نطرح سؤالا هاما وهو: من هم أصحاب القرار ..؟!

” 4 “

إن النقطة التي يهتم بها المواطن أكثر من أي شيء آخر، هي نقطة الكادر المالي، وقد أشرت في ذلك المقال أنه قد تظهر مستقبلا سلبيات كثيرة لم تكن في الحسبان، منها مثلا تكريس التفرقة بين موظفي الدولة في الدرجات والعلاوات والامتيازات المالية، ومنها أيضا قضية نظام التقاعد الذي تحدث عنه المواطنون كثيرا عبر وسائل الاتصالات وعبر مواقع الاعتصامات، مطالبين بتوحيد راتب التقاعد في الدولة وإلغاء الفروقات بين موظفي الديوان والعسكريين وموظفي الخدمة المدنية، وهذه النقطة قد يضاف إليها الآن موظفو الهيئات.

إن مقالي هذا ليس عن إضراب المعلمين، ولا عن أي إضراب آخر قادم، ولكن لأشير إلى أننا نعيش أزمة حقيقية في السياسة الداخلية، وإذا لم يتم اتخاذ القرارات العاجلة وترك مشية السلحفاة جانبا، فإنّ الأمور ستتفاقم وستسوء أكثر، وهذا ليس في صالح البلد حكومة وشعبا.

0 3392 04 أكتوبر, 2013 العدد الثاني والاربعون, سياسة أكتوبر 4, 2013
Avatar

عن الكاتب

كاتب وإعلامي عماني Zahir679@gmail.com

عرض كل المواضيع التي كتبها زاهر بن حارث المحروقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.