الصفوان ( 1-4 )

لـ

دكتور …

أتيتُ أطلب دواءك بعد أن أعياني دائي .

أنت سابر أغوار النفس ، وعارف عللها ، فهب لي ما يُسكن اضطرابها ، ويرجع لي حياتي المطمئنة .

خلصني من الرهاب الذي يلاحقني ، وألم وخزات الضمير التي تتناوب عليّ .

ما عاد النوم لي راحة ، فحين يلتبس بي تسترخي جوارحي وتبرد أعضائي إلا ذلك العضو الصغير يأبى إلا أن يحرك مقدمة رأسه ، ويتمطى في كسل ، ثم يتمدد طولا وعرضا ، متحررا من سجنه المظلم  ، وأخيرا يبدأ في ممارسة ما خُلق من أجله ! .

 

ذات يوم في طفولتي استيقظتُ صباحا فشاهدتُ إخوتي عزين ، يتبادلون الغمزات ويطلقون الفكاهات .. لم أعِ سبب ذلك إلا حين تكلم أحدهم ساخرا :

– مسرحياتك الليلة كثرت هذه الأيام .

بعدها سمعت كلمات أمي الساخطة :

– إنها ذنوبك النهارية تعصرك عصرا أثناء النوم .

حينها أدركت أن عضوي الصغير أي لساني هو الذي يحرجني في الليل يحكي مشاكساتي في الملعب ، ووعيدي لخصومي في المدرسة ، حتي بعض أساتذتي لم يسلموا من لساني السليط ، ما لا أجرؤ على قوله أمامهم .

 

علتي أني أتحدث في نومي ، وأتكلم وأنا غارق في لجته .

 

دكتور …

لو أن لساني يذكر هموم الوظيفة أو طرائف الحياة لهان الخطب لكنه يسرد أسراري الشخصية و يبوح بفضائحي التي جاهدت على إخفائها ، وطبعت عليها بختم مكتوم كما أفعل بالرسائل السرية في وضيفتي بمكتب الخدمات .

 

مشكلتي أني جبان في يقظتي ثائر في نومي ، خوار بين الناس جبار في سريري ، ثقيلة لساني في النهار طليقة في ليالي الكرى .

اكتشفتُ أن الفتاة التي تبيع في المجمع التجاري ليست إلا شاباً من الجنس الثالث فلم أقوى على الاعتراض والإبلاغ ، فحين غمض جفني رحت أسلق بلسان حادّ كل شواذ الجنس بأرقامهم المتسلسلة وجميع البويات والساديين .

حتى بعض سماسرة العقارات الذين ثبت خداعهم وتدليسهم كنت أنهزم من التشهير بهم ، فلا يبقى لي غير سكون الليل لشن هجوم كلامي عليهم كظاهرة صوتية لا أكثر.

كاد أن ينفلت مني حبل الصبر في وجه ذلك الواعظ الذي أتى إلى قريتنا حين راح يذم المال ويمقت جامعيه ثم أنذرنا بالخسف إن امتلكنا مفاتيح قارون ، وخوفنا بكيّ الجباه والجنوب إن كنزنا الذهب والفضة .

خرجتُ من المحاضرة وأنا أشعر بالغثيان ، بعدها ألفيتُ زميلي فرحا بفاقته المزمنة التي أعجزته عن استبدال إطارات سيارته المهترئة مستبشرا بالأولوية في دخول الجنة لأنه فقير كما قال الواعظ ، وبالطبع سيحظى بميزة مداعبة الحوريات قبل الأغنياء ! .

ها أنا أثرثر في سريري قائلا ما معناه إن الواعظ نسي أنه يخاطب البسطاء من الناس ، الذين تطحنهم الديون المركبة وتدقهم تكاليف الحياة الباهظة ، فأنا أشبههم بالمساكين الذين يعملون في البحر ، ليس منا من يحتفظ بالسبائك ولا من لديه أرصدة بأرقام خماسية .

يُـريدنا أن نعيش معوزين ونبقى أمة مستضعفة ماليا ، ألا يعلم أن الدولة القوية هي التي تمتلك المال والأعلام كإسرائيل ، ماله يدفعنا إلى الكفاف والحاجة لنظل عالة على الأمم .

أما كان الصواب لو أنه حثنا على جمع المال من حله وإنفاقه فيما شرع له ، كدعوة استنهاضية ذات بعد حضاري عمادها الاقتصاد المتين ؟ .

كل هذا الكلام سردته حين وقع رأسي على المخدة و أحكمني النوم بسلطانه .

 

دكتور …

ألفت زوجتي سماع هذه الإذاعة الليلية التي تبث من فمي ، فما عادت تكترث أو تبدي أي اعتراض ما دام لا يمس ذاتها ولا ينتقص من كرامتها إلا تلك الحادثة التي رمتني في الجحيم .

قُبيل الفجر استيقظتُ نزقا على صوت زوجتي الهادر ، أظهرت لي وجها ملبدا بغيوم الغضب ، كانت تقذفني بكلمات جارحة .

مازالت سكرات النوم تدوخ رأسي لهذا لم أع حقيقة ما يجري .

خرجت زوجتي من الغرفة منتفخة كالقط الثائر ، بعدها دوى في أذني صوت صراخ ونداء استغاثه ، هالني مشهد زوجتي وهي تنتصب قائمة على جسد الشغالة ، وتنهال عليها ضربا بالحذاء .

راحت زوجتي تزم حقيبتها ، آخر ما قالته لي وهي تخنق عبراتها :

– أرسل الأطفال إلى بيت أبي ، ستجدونني هناك .

 

طلبتُ من الشغالة تفسير ما حدث ، قالت وهي تتلمس أثر الكدمات على وجهها :

– الذي فهمته من زوجتك أنك تحدثت في نومك عن علاقتنا ! .

 

هذه الحادثة كانت ضربة قاصمة لحياتي الزوجية ، حتى خشيتُ انفلات عقدها .

انتفض في زوجتي مارد الانتقام ، حيث أعلنت أن ردها سيكون موجعا ، فطيرت خبر جريمتي إلى كل من يمت لي بقرابة ، ثم راحت ترجف بأقوال سمجة ، مثل أني زير نساء ، وأن الجمال الشرق أسيوي يروق لي ، ولي نظرة فرويدية في التعامل مع الشغالات .

الحق أن المرأة يأتي انتقامها بمقدار حبها .

 

دكتور …

أليس هذا المرض يوردني المهالك ويدفعني إلى أتون المصائب ؟

ربما ستعذرني إن أخبرتك بسر علاقتي الجسدية مع الشغالة .

 

هذه الأسيوية التي جلدها البؤس في بلدها ، ورزئت بفقر كافر دفعها مكرهة للعمل في منزلي بعقد لمدة عامين .

في العام الأولى كانت كالنحلة ، حازت إعجاب الجميع في إنجاز ما يطلب منها بإتقان ، وتعاونها الصادق فيما ليس من واجباتها .

كذلك أسرت قلوبنا بابتسامتها التي لا تفارق ثغرها وهدوئها الفطري ، تجل زوجتي وتستلطف أطفالي .

في بداية العام الثاني تغير حالها رأساً على عقب ، فقد قلبت لنا ظهر المجن .

تغضب لأتفه الأسباب وتتذمر من أقل الأعمال ، تقوم بواجباتها بعشوائية وبعيدا عن النظام الذي ألفناه منها .

طلبنا منها مكاشفتنا بما يعتمل داخل نفسها ، وذكر الأسباب التي أودت بها إلى هذا الحال المزري . كانت تتلوى في إجاباتها تارة تغرق نفسها في نوبة بكاء ثم تعقب ذلك بقولها إنها متعبة نفسيا من طول الغربة ومجهدة من أعباء البيت ، وتارة تتعذر برغبتها في الذهاب إلى بلدها لظروف عائلية .

ساء سلوكها الشخصي ، وجدتها تعنف أطفالي وتعصي تعليمات زوجتي .

عندما تشتط غضبا ترطن في حديثها الذي أرجحه كلمات السباب .

حذفنا عنها بعض الأعمال وقلصنا ساعات العمل ومنحناها فرصة للتسوق والتنزه في يوم إجازتها ، كذلك وعدتها بزيادة مالية مغرية ، كل هذا إرضاء لها عسى أن تعود إلى رشدها .

من المضحك المبكي أن هذه الشغالة المتشيطنة رأيتها بأم عيني تلاحق زوجتي بالمقلاة .

أليس من المكر المتعمد أن تتعطل المكواة ثم تلحقها غسالة الملابس في فترة متقاربة ؟ كم مرة أعمل على تشغيل التلفاز ولا يعمل ثم أكتشف أن أسلاكه منزوع من مصدر الكهرباء بفعل فاعل ، حتى الصحون والأكواب لم تسلم من تمردها .

الشغالة أمست كائناً شرساً لا يطاق ، بتُ أخاف اعتداءها على أطفالي  أو أن تفتعل لنا المتاعب خارج البيت .

كنت بين نارين أحلاهما حارق ، إما أن أرجعها إلى بلدها وأخسر العقد وأفقد مئات من النقود ثم أتكلف مبالغ أخرى لشغالة جديدة أو أن أتحمل أذاها إلى نهاية العامين مع السعي لتهدئتها ، وحثّها على المصابرة ، على الأقل إلى نهاية العام الدراسي بحكم أن زوجتي موظفة ، ونحن في أمس الحاجة إليها .

لا أخفيك سرا أن زوجتي كانت تعاملها بقسوة وتخاطبها بجفاء ، وعندما تأتي أمي وأخواتي لزيارتنا ، كنّ يستعملن معها لغة الصراخ والتعنيف ، إلا شخصا واحدا في العائلة كان يوادها ويلاطفها ، كانت تعود إليه حين تسوء حالتها النفسية ويشتد هجوم بقية العائلة ، أتعلم من هو ؟

إنه أنا .. ! .

ما كنت لأفعل ذلك إلا لأنني أتفهمها كإنسان له روح مغترب ترك وطنه وأهله من أجل حياة أفضل ، أشبه ما يكون بابن السبيل ، أفلا نحسن التعامل معها ؟ ، إنها كتلة من المشاعر الزجاجية ، علينا أن نحفظها من الكسر .

كنت أقدم لها الهدايا توددا لها ، وأدافع عنها حتى لا تتسع جروحها ، آملا أن تؤوب إلى سابق عهدها .

وجدتُ أن الشغالة تسعد بوجودي وتسر بلقائي ، وإذا ضاق بها الحال تأتي إليّ تشكي همها وتريق دمعها .

مرت الأيام وأنا أماطلها في السفر ، و أسوف لها الموعد .

 

دكتور …

أخبرتني زوجتي في ليلة زفاف أختها أن الشغالة أتعبها السهر وأثقلها النعاس ، فطلبت مني أن أعود بها إلى البيت .

أدخلتها البيت فجال في خاطري أن أستغل خلوة المنزل وهجعة الليل لعلها تفتح لي قلبها وتخبرني عن السبب الحقيقي في تعكر مزاجها ورغبتها المفاجأة للسفر .

راحت تثرثر بكلام كثير من جملة ما قالته :

– أنت رجل وما ترغبه من زوجتك تجده ، أما أنا ففي غربة خانقة ، وإن عدت إلى بلدي فزوجي طاعن في السن لا يقوى على تلبية حاجتي .

قلت لها مدركا حال غريزتها البشرية التي لا يماري في إنكارها أحد :

–  فهمت قصدك وأتعاطف مع حالك ..

ثم إني سألتها بكل عفوية :

–  ما الذي تريدينني أن أفعله لك ؟

توسعت حدقات عينيها وومض بريقٌ غريبٌ منهما وقالت بنشوة :

–  أنا أريدك أنت .. أن تكون لي .. أنا أشتهيك ! .

بعد هذه الكلمة شعرت برجفة تسري في بدني وحبات العرق تتكثف على جبيني .

نفرت من أمامها مصدوما من جرأتها ومن اعترافها البواح ، فوجدت نفسي أنضح الماء على وجهي من زجاجة أحتفظ بها في سيارتي ثم بعدها وليت هاربا إلى حيث لا أدري .. .

مرت أيامٌ والشغالة ترتدي ملابس الإغراء الضيقة ، كذلك تضع من المساحيق ما يجعلها محط أنظار الجميع عجبا من هذا التحول الغريب ، ناهيك عن تغنجها في حديثها معي وتكسرها عند مرورها بقربي ونظراتها المتهيجة لي ، كل هذا وأنا ألوذ عنها بعيدا وأغض من بصري عنها وأتجنب الاقتراب منها .

حالها الجديد هذا لم يقلل من لؤمها وسوء فعلها ، فقد استمرت في سلوكها العدواني .

 

دكتور …

جلساء السمر هم من استشرتهم في شأن الشغالة في تمردها وغزلها .

أحدهم شبه الشغالة بقنبلة موقوتة ، فأرشدني إلى التخلص منها حالا ، فإن أرجأت ستنفجر بشر مستطير .

زميلي الثوري أشار لي بترويضها بطريقة الخنق بالقفاز الحريري ، وهو أسلوب الحكومات المستبدة في قمع معارضيها .

الذي أربكني قول صاحبي وهو يمسد شاربه بملامح الخبث :

–  إن الغريزة تشتعل فيها ولن تهدأ حتى يطفئها الرجل .

ذات ظهيرة طرق طارقٌ الباب ، شاهدت الشغالة تنزل من سيارة أجرة وفي يدها حقيبة ، والخيبة أثقلت رأسها الذي ظل مطأطأ .

قال لي جاري السائق :

– كن على حذر .. إذا أحسنَت الهروب مرة أخرى فستفقدها .

أعترف أني بدأت أشعر بالخطر .. مما دفعني أن أفرض عليها قرار حظر التجول خارج البيت لأي سبب ، حتى رمي القمامة ألغيته  من جملة أعمالها الاعتيادية ، إذ إنني أعلم أن مكب النفايات مستهدف من قبل الذئاب البشرية الذين يتصيدون الشغالات بجانبه ، وما أكثر قصص الغواية التي نسجت خيوطها هناك .

بعد تقليب فكر وطول نظر ، قررت أن أحلق بها إلى مسقط رأسها قبل أن تزحف النوازل نحوي .

ضربت لها موعدا للسفر ثم اتفقت مع أحد أصدقائي المقربين ليصحبني إلى المطار ، فربما بوجوده أكبح جماح إغراءات عنجها و تميعها ، ولا أقع معها في خلوة تكون شرارة فتنة .

كم كانت صدمتي مفجعة حين اعتذر صديقي عن مرافقتي قبل موعد التحرك بقليل . توسلت إليه بقدر عدد اعتذاراته لكن لا فائدة ، ذكرته بقصيدة الشافعي في الصديق الصدوق ثم قرأتُ عليه البيت المشهور في كثرة الأصدقاء وقلتهم في النائبات …  كل هذا لم يثن قراره .

لم يحدث أن شعرت بالرعب من أنثى كما حدث ذلك اليوم حين اجتمعنا لوحدنا . كنت أقود سيارتي بسرعة جنونية ، وصوت مرتل القرآن يتلو في أعلى درجاته لعله يورثها رادعا وضابطا لرغباتها .. لكنها لم ترعوى فقد كانت تئن أنين الشبقة , لم تتوقف عن مسح رأسي ورقبتي حينا وجذبي من كتفي حينا أخرى ! .

لم يفتر لساني عن التعوذ والاستغفار آملا أن يطرد ذلك شيطاني الذي ما فتئ يغويني بها ويزينها لي ، عن يميني تمثلت لي صورة زميل السمر وهو يدعوني إلى إشباعها جسديا لتستقر نفسيا ، فصرفت نظري ذات الشمال فُـعرضَ عليّ مشهد خسران نقود العقد ثم التردد الممض على مكاتب الشغالات باحثا عن أخرى .

شعرت بتهاوي قلاع الوازع وسقوط جدران العفة إلى أن وجدت نفسى أنحرف من الشارع ثم أسير في طريق ترابي ، كانت بغيتي الوصول إلى أقرب شجرة ظليلة .

 

تغشتني وتغشيتها ، تلبستني وتلبستها …

 

بعد أن خملت غريزتها المتأججة وسكنت خلايا جسدها المستثارة التفتتَ إليّ بوجه مدنف ثم همست في أذني :

–  عد بي حالا إلى بيتك .. لا حاجة لي بالمطار .

 

ما فعلته للشغالة أشبه بحقنة مهدئة لتتخلص من صرعها ثم تعود إلى سيرتها الأولى ، وقد تحقق مفعولها لاحقا ، فقد عادت نحلة من جديد وحسن حالها .

لقد واضبتُ على إعطائها هذه الحقنة مرة كل أسبوع ، كنت أقدم كذبة بلون الفحم إلى رئيسي في الوظيفة ثم أتجه حالا إلى البيت في موعد صاخب مع الشغالة بعد التأكد تماما أن زوجتي في وظيفتها .

ما أن أنتهي من هذه المهمة حتى أعود إلى مقر عملي مجددا ، في كل مرة أقف عند باب المكتب ثم أكرر المسح على شعر رأسي جيدا لكي لا يفضحني بلله ! .

 

0 1384 10 أكتوبر, 2013 أدب, العدد الثاني والاربعون أكتوبر 10, 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.