العروض بين الإماتة والإحياء

فخلال سنوات تناولت فيها تدريس العروض أو أشرفت على تدريسه وجدت أن هناك طابعا عاما لشكل المعرفة العروضية و درجة الانتفاع العملي به عند الطلبة، وهذا الطابع يتمثل تمثلا قويا لافتا في كل موقف كان الطلبة يجدون أنفسهم فيه أمام أبيات مَنْ يُطلب إليهم أن يتعرفوا البحر الذي جاءت عليه ، ذلك أنهم كانوا ينكبون على الأبيات انكبابا مباشرا و يشرعون في تصوير واقعها الصوتي بالمقاطع القصيرة و الطويلة التي تتألف منها .

farahidi

العروض بين الإماتة والإحياء

عزيزة الطائي


إن علم العروض هو العلم الذي يعنى بموازين الشعر، وبحوره، وعليه يعرض الشعر لمعرفة ما هو صحيح الوزن، وما هو فاسد. ويعد الوزن من لوازم الشعر ذلك لأن الشعر تميز عن النثر بالنغم والإيقاع، مما حببه للنفوس، وسهّل حفظه. ففي الشعر موسيقى تداعب الهواجس والأذواق، كما أن فيه إيقاع يؤثر في النفوس والوجدان. وعماد هذه الموسيقى ما به من الأوزان والقوافي التي تمنحه حسن الإيقاع والنغم.

ومن المعلوم أن العروض يتصل بالشعر، واتصاله بالشعر يجعل دراسته على جانب كبير من الأهمية. وقد يقول: قائل لماذا هذه الأهمية التي نوليها لعلم العروض مع إن العرب كانوا ينظمون قصائدهم دون معرفة لهذا العلم ومصطلحاته وآليات تيسيره واستراتيجيات تعلمه وتعليمه؟، وما دام الوزن لازمة من لوازم الشعر فإن علم العروض ملازم للشعر ولا يفترق عنه، وإذا كانت الموسيقى والإيقاع الفاصل بين الشعر والنثر فإن علم العروض هو المعيار الذي به يحدد ذلك، وعندما يدرس علم العروض للطلبة في المدارس أو الجامعات فإن ذلك لا يعني أن نجعل منهم جميعا شعراء لأن لقول الشعر لوازم أخرى قد لا تتوفر للجميع تحكمها الموهبة والقدرة والإبداع؛ ولكن الجميع معرض لقراءة الشعر ويريد تذوقه وتحسس مواطن الجمال فيه.

فخلال سنوات تناولت فيها تدريس العروض أو أشرفت على تدريسه وجدت أن هناك طابعا عاما لشكل المعرفة العروضية و درجة الانتفاع العملي به عند الطلبة، وهذا الطابع يتمثل تمثلا قويا لافتا في كل موقف كان الطلبة يجدون أنفسهم فيه أمام أبيات مَنْ يُطلب إليهم أن يتعرفوا البحر الذي جاءت عليه ، ذلك أنهم كانوا ينكبون على الأبيات انكبابا مباشرا و يشرعون في تصوير واقعها الصوتي بالمقاطع القصيرة و الطويلة التي تتألف منها . و من بعد ، يبدؤون عملية تخمين يحاولون من خلالها أن يردوا هذه المجموعة التائهة من المقاطع إلى صورة مما تجئ عليه بحور الشعر . وإذا بدأ أحدهم بتقدير ( التفعيلة الأولى ) من مجموعة ( المقاطع ) ، فإنه يصبح أمام احتمالات كثيرة خاطئة تزيده ضلالا و حيرة .

و يكون هم الطالب في عملية التخمين هذه أن يلملم مجموعات المقاطع في تفعيلات ، و أن يتذكر أي البحور يتألف من هذه التفعيلات – إن وفق تقديرها تقديرا صحيحا – و يذهل الطالب عما في الشعر من موسيقى ، و يضل عنه أصل الغاية من دراسة العروض ، و الذي يبدو لنا أن هذا يعود إلى طريقتنا في تعليم العروض ، و إلى الطريقة التي جرى عليها مؤلفو كتب العروض . و بيان ذلك أننا نبدأ مع الطالب بالتعرف على المقاطع القصيرة و الطويلة ، و نجعل أول انشغاله بهذه الجزئيات، و نجعله يدور في إطار الكلمة بهذا التوجه الجزئي : أن يوزعها إلى مقاطع ، في نشاط آلي رتيب لا بعد له و لا طعم و دلالة . ثم نأخذه بالتدرب على تصوير الكلمات ، فالجمل ، فالأبيات كما ينطق بها أو يسمعها ،حتى يؤلف هذا اللون الذي نسميه ( الكتابة العروضية ) و نعرفه أثناء ذلك أننا نشير إلى الحرف المتحرك بهذا الرمز( ب) ، و نشير إلى الحرف المتحرك الذي يليه ساكن بهذا الرمز (-)، وأننا نسمي الصوت الأول مقطعا قصيرا، ونسمي صوت الثاني مقطعا طويلا، ونعرفه أنه من هذه المقاطع، حين تلتقي وفق ترتيب معين، تتألف التفاعيل، وأنه على هذه التفاعيل تقوم بحور الشعر، وهي البحور التي بمثابة القوالب التي تمثل الأطر الموسيقية للشعر العربي.

وأنت ترى بهذا أننا نبدأ بالجزء؛ ثم نتدرج إلى جزء أكبر هي التفعيلة، حتى نبلغ البحر، بعد عمليات تركيبية طويلة جافة شائكة. وهذه الطريقة تجعل من درس العروض عملية ذهنية آلية جامدة، وتعزل موسيقى الشعر التي يصورها العروض عن مادتها الأصلية، وعن جوهره الذي به تحيا. ويكون بين الطلبة قلة محدودة تيسر لها من السمع حاسة أيقظ وأرهف من سائر زملائها، ويدور بينهم مصطلح دال على هذه القلة المحدودة، وما تتصف به من الحاسة المدركة لموسيقى الشعر ويقال فيها إنها ذات (الأذن الموسيقية) وتصبح هذه الأذن عقدة الطالب العادي الذي يبذل جهدا جاهدا، ولكنه لا يجد إلى إتقانه وقطف ثماره سبيلا قريبة وسهلة إلا تلك السبل القائمة على البدء بالتقطيع الآلي لصور البحور.

فما سبيل العلاج في تعليم العروض تمكن الطلبة من أن يحققوا هذه (الأذن الموسيقية والذائقة الإيقاعية) التي يراها التربويون و الطلبة غاية بعيدة المنال؟!

وكيف تجعل درس العروض درسا في ذوق الشعر، وفي تعمق حالاته الموسيقية، وأداة في ضبط الشعر، وآلة في ميز صحيحه من مكسوره؟!

هناك خطة (1)  تبدأ في جوهرها بالأصل، وهو الشعر، وتبدأ بالكل وهو القصيدة الكاملة أو المقطوعة أو البيت الواحد بالنص الشعري يؤدي فكرة تامة و هذه الخطة تتمثل في خطوات ثلاث متمثلة في الآتي.

الخطوة الأولى عبارة عن قراءات شعرية ونثرية وفيها أن يبدأ المعلم مع تلاميذه بقراءات واسعة، يعرضون أثناءها لنماذج متعددة من الشعر ويحسن أن يقرأ المعلم أولا، وربما استعان بعدد من التلاميذ المجيدين، بل ربما أعدها في صورة واضحة مشكولة فيها مواضع اللبس، وجعلها مادة للقراءة والسماع.

ثم ينتقل للخطوة الثانية وهي الحاسمة التي تمثل المدخل الحقيقي إلى العروض باعتباره علما يضبط موسيقى الشعر، وغاية هذه الخطوة أن تكون مدخلا إلى تمكين الطلبة من الأدوات التي تعينهم على دراسة العروض، من خلال (أطر موسيقية) أو (نظم تنغيم) (بحور) مما جاء عليه الشعر العربي.

أما الخطوة الأخيرة تتمثل في الهجوم مباشرة على دراسة الروض من خلال البدء ببحرين مستقلين هما: الهزج والوافر. حيث يختار المعلم نصوص جاءت على هذين البحرين لسبب بسيط ولكنه بالغ الأهمية، ذلك أن الشعر الذي جاء على هذين البحرين قريب المتناول من حيث سهولة توقيعه وتبين حدود النغمات فيه.

يبدأ المعلم بانتقاء مقطوعات ثلاثا أو أربعا جاءت على بحر (الهزج) فيضعها بين أيدي طلبته يقرأونها حتى تستقيم لهم القراء، ويعرضون على ما يساعد على فهمها وتذوقها من بيان صورة في التعبير، أو وجه إعرابي لطيف، أو لفظ غريب … إلخ. ومن بعد يطلب إليهم أن يقرأوها متلمسين لما فيها من تنغيم وإيقاع، وإذا أعياهم قرأها لهم منغومة، ثم يقرأ ويردد الطلبة هذه المقطوعات. وهذه التجربة ستكشف للطلبة أن في الشعر العربي موسيقية خصبة لافتة يمكن استنتاجها عن قرب وفي يسر.

ومن الحسن أن يضع بين أيديهم مقطوعتين أو ثلاثا جاءت على بحر (الهزج) غير التي تقدمت، ويترك لهم قراءتها قراءة صحيحة معبرة متبعا ما ذكر سلفا، وسيجد أن (الصف) استحال طاقة ملتهبة، وتنافسا حيا على القراءة الصحيحة المعبرة، وتلمس وجه القراءة الموسيقية الموقعة.

بعدها يعمد إلى البحر(الوافر) ويتبع نفس المراحل التي اتبعها في سابقه حتى يصل الطلبة أن لهذه المقطوعات نظاما تنغيميا مختلفا، وإن لكل في موسيقاه مجرى مغايرا، ويكفي هنا أن يعرف الطلبة أن الشعر يجري على نظم تنغيم مختلفة.

وربما كان من الحسن أن يضع المعلم بين أيدي طلبته مقطوعات متنوعة بعضها جاء على البحر (الوافر) وبعضها جاء على البحر(الهزج) من غير أن يسميها لهم ويسألهم: أي هذه المقطوعات جاء على (نظام التنغيم) الأول؟ وأيها جاء على الثاني؟ من هنا سيدرك الطلبة أن هذا (درس) في الشعر العربي عامة، وفي موسيقى هذا الشعر وذوقها، وهذا مدخل طبيعي سليم.

وبعد أن تمكن الطلبة من حاستهم وتذوقهم، ينتقل بهم من الكل إلى الجزء، من النص الشعري إلى عناصره، ومن البحر إلى التفعيلة إلى المقطع، بمعنى أن يكون درس العروض تتناول فيه الأدوات والمصطلحات في إطار كلي شعري متكامل وهذا ملحظ هام لأنه يضع موسيقى الشعر في موضعها من البناء الفني للقصيدة، ولا يعالجها حقيقة خارجية كاملة حيث يتعرف الطلبة بداية من خلال بحر (الهزج) المدخل الموسيقي الشعري الكلي ويستدرج طلبته إلى معرفة الأدوات التي تعينهم في درس العروض… البحر (هذا النظام التنغيمي الذي يسع مئات المقطوعات والقصائد في الشعر العربي)، والتفعيلة (هذه الوحدة الصوتية المعينة المتبينة)، والفاصلة والوتد والسبب والمقطع القصير، والعجز، والعروض ، والضرب … إلخ . جميع هذه المصطلحات العروضية يمارسها و يتبينها في نشاط وظيفي يجد فيه تلك الأدوات تأخذ أبعادها الحقيقية، وتؤدي وظيفتها في تفسير موسيقى الشعر وتحليلها، فيجد الطلبة دراسة (العروض) نفاذا جديدا في دراسة الشعر، فينفتح له مع العروض آفاقا رحبة في ذوق موسيقى الشعر وأنغامه.

——————————————————

[1] أفدت من كتاب الدكتور نهاد الموسيقى الأساليب مناهج ونماذج في تعليم اللغة العربية

العدد الثاني ثقافة وفكر

عن الكاتب

عزيزة الطائي

كاتبة عمانية

1 Comment

اترك تعليقاً